اللحظات: قصيدةٌ مشكوكٌ في أبوتها

بواسطة | 25 يناير 2019 | مقالات | 3 تعليقات

لو عشتُ حياتي مرة ثانية
 لاستزدْتُ من الخطايا.
لن أسعى لأن أتكامل
سأرتاحُ أكثر 
سآخذُ أشياءَ قليلةً على محمل الجد
وألتزمُ أقلَّ مما كنت، بعاداتي الصحية.
سأغامرُ أكثر
واسافرُ أكثر
سأتفرجُ على المزيد من مغيبات الشمس
سأصعدُ مرتفعاتٍ أكثر
وأسبح في أنهارَ أكثر
سأذهب الى المزيد من الأمكنة حيثُ لم أكن قط.
سآكل مثلجاتٍ أكثر وأغرقُ في خيالاتٍ أقل
فقد كنتُ ممن يعيشون حياة حصيفة وخصبة
في كل لحظة من حياتي.
 طبعا عشت أوقاتا سعيدة، لكن لو قدر لى أن أعود،
فسأجرب أن أستعيد اللحظات الحلوة فقط.
لحظات قصيرة وحسب، تلك هي الحياة إن كنتَ لا تعرف،
فلا تتحسر على اللحظة الحاضرة.
كنتُ ممن لا ينطلقون الى أي مكان من دون ميزان حرارة
وقنينة ماء ساخن ومظلة.
لو قدر لي أن أعيش من جديد
لسافرتُ خفيف المتاع
وجرّبتُ العمل بقدمين حافيتين
لو استطعت أن أحيا ثانية، لبدأت السير حافيا من خفقة
الربيع حتى منتهى الخريف
سأركب عربات خيل أكثر
وألاعب اولادا أكثر
سأقتنص الشباب لو عدت اليه مرة أخرى
لكن عمري الآن خمسة وثمانون عاما
وأعرف أنني أحتضر.

اكتشفت، وأنا أقرأ مقالا حول التدليس للكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل، خلافا على أبوة “اللحظات” فالمجلة المكسيكية Plural نشرت عام 1989 قصيدة بعنوان Instants (لحظات)  مدعية أن بورخيس كتبها قبل وفاته. ثم أعادت المجلة الفصلية Queen’s quarterly ترجمة القصيدة باعتبارها نصا من نصوص بورخيس ولم يعترض على نشرها أو نسبتها أحد. 

بعد سنوات نشر الناقد فرانشيسكو بيرجيل اكتشافا مثيرا للجدل: إن القصيدة المعنية لم تكن لبورخيس وإنما لكاتبة أميريكية مغمورة تدعى نادين ستير نشرتها عام 1978  عندما كانت في السادسة والثمانين من عمرها، أي قبل ثماني سنوات من وفاة بورخيس.

ما أكثر النصوص اليتيمة، وبالتحديد نصوص الشرق وقد تأخر عصر التدوين، إلا ما جمعته صدور الأوائل، وهي صدور كثيرة الثقوب. وما أقدم الصراع على الملكية الفكرية وما يجره الآن  من نزاعات عنيفة، خاصة ما يدور بسببها اليوم من حروب تجارية، هي في الحقيقة صراع حول امتلاك المعرفة واستثمارها. صراع يُلزم الدول الناشئة أن تبدأ رحلة البحث المعرفي من حيث انتهت الدول المتقدمة. يُعتقد أن تاريخ الملكية الفكرية يعود الى عصر النهضة، عندما صدر في البندقية  قانون حماية الإختراعات. أما حماية حق المؤلف فيعود الى عام 1440 زمن اختراع الآلة الطابعة. على أن يخرج من الحماية القانونية: الإحصاءاتُ والوثائق الرسمية والفولكلور الوطني وكل ما هو ملكية ذات صفة شعبية… وفي أواخر القرن التاسع عشر، تم التوقيع الدولي على معاهدتين: وُقّعت الأولى في باريس عام 1883 لحماية الملكية الصناعية، ووُقّعت الثانية عام 1886 لحماية الملكيات الأدبية والفنية… تلك التي اعتبرها لويس السادس عشر من أكثر الملكيات خصوصية. وقد رفع البرلمان الأوروبي عام 1993 مدة حفظ الحقوق من خمسين الى سبعين سنة، وهي على العموم حقوق تحمي المبدعين لدوام عطاءاتهم في ميدان السينما وأعمال النحت والرسم والموسيقى، إضافة للكتب وبراءة الإختراع والإكتشاف، للأدوية، وللبرامج الحسابية وقواعد البيانات… بما فيه ربما الصورة التي تصدرت هذا المقال والتي اخترتها دون أن أتبين محاذير استعمالها. لو كانت الصورة محمية ــ ولا أظن ذلك ــ لكنتُ كلِصّها الأسود وكان ما قمتُ به سرقةً يعاقب عليها القانون وإن لم تكن السرقة كبيرة وموصوفة. لقد عظّمتِ الأمم المتحدة من شأن الملكية الفكرية وضرورة حمايتها فأسست لها وكالةَ “الويبو” وجعلتْ لها عيدا في السادس والعشرين من شهر نيسان.  

وبالرغم مما لعبته الجنيالوجيا من تقدم في تاريخ العرب، فقد بقيت كطبيعة اللغة علما إجتماعيا قائما على المشافهة، مثلما كانت بقية علومهم وآدابهم تتوخى دائما الفصاحة والبيان، لتبقى محصورة أبدا بالسماع وفن القول. فأصبح تراثهم، خاصة الشعري منه ــ وخلافا لأنساب قبائلهم ــ تراثا يتيما مشكوكا في أبوته. غالبا ما تقولُ لو شئتَ روايته: قديما قيلَ وقال أحدُهم أو قال آخرُ.

كان الشك عند ديكارت منهجا في القبض على حقائق الأشياء. اعتمده طه حسين في البحث والإستقصاء التاريخي،  فأصدر عام 1926 ــ تحت سلطة العقل المتشكك ــ كتابَه الشهير “الشعر الجاهلي”  وتعرّض بعد صدوره للتحقيق لدى النيابة العامة المصرية لأنه ارتاب في تاريخية ابراهيم واسماعيل واعتبر أنهما من أساطير الأولين وإن تحدثت عنهما الكتب المقدسة. كما شكك في سلامة الأدب الجاهلي ونسبتِه، فالشعر  الصحراوي الذي سبق الإسلام، وصل إلينا مستقيمَ الوزن والقافية بالرغم من اختلاف مشارب الشعراء في منابتهم ولهجاتهم، فلا يمكن أن يكون شعرُ امرئ القيس وطَرَفَة وبِشر بن أبي حازم.. .ـ من حيث اللغة والفن ـ  شعرا سبق القرآن وتقدّمه. فالعصبية التي اشتعلت بعد وفاة النبي، حملت العرب ــ ولمرامي شتّى ــ  على نحل الشعر الجاهلي، فروى ابنُ اسحاق شعرا لآدم في رثاء هابيل، واعترف حمّاد الراوي في مجلس الخليفة المهدي أنه زاد في شعر زهير…

جمع عميد الأدب العربي أوراقه وأبحاثَه، وجعله هاجسُ الخوف يتردد في إذاعتها، ثم تشجع وقرر نشرها قائلا لنفسه: “ليس سرا ما تتحدث به الى مائتين”.

أشعل الكتاب ثورة اليمين الديني الذي رأى فيه طعنا بالنبوة. فاجتاحت التظاهرات العاصمة المصرية ما دفع سعد زغلول للقول وكان رئيسا للبرلمان: “هَبوا أن رجلا مجنونا يهذي في الطريق فهل يغير هذيانه شيئا عند العقلاء؟ إن الدين متين وليس الذي شكك فيه زعيما أو إماما، فليشكك ما شاء، ماذا علينا إذا لم يفهم البقر؟” 

وقد لام سعد زغلول الأديبَ العقادَ ــ وكان عضوا في البرلمان ــ لدفاعه عن الكتاب، فرد العقادُ بقوله: “ما  دافعتُ عن الكتاب وإنما دافعتُ عن حرية الفكر”.   

“اللحظات” قصيدة يتيمة كقصائد العرب. لم يوقّعها ولم يتنافس على حيازتها أحد.  هي ملكية شائعة بين كاتب مغمور وآخر عظيم الشهرة، ما زاد من قرائها ومعانيها. فلكل قراءة مضمون ومعنى. ولم أجد في ما قاله مانغويل حول التدليس وضياع ملكية القصيدة،  أجمل من حوار بهذا الخصوص نقله الكاتب من (مغامرات إليس في بلاد العجائب) حول كتابٍ لم يُعرف صاحبُه، وقد أثار مضمونُه حميَّة الملك  وغضبَه.  

قال الشاب المتهمُ الجاحدُ لأبوة الكتاب: “استميح جلالتكم، أنا لم أكتبه. وليس هناك بيِّنةٌ أني قد كتبتُه. وفي النهاية ليس هناك إسم موقع على الكتاب. قال الملك الراغب في إدانته: إن لم تكن قد وقّعته فهذا لا يزيد الأمرَ إلا سوءا. لا بد أنك تبينت فيه شرا، وإلا لكنتَ قد وقّعتَ عليه اسمك كرجل شريف”.

مهندس وكاتب لبناني

3 تعليقات

  1. عبدالجليل لعميري

    موضوع شيق يثير الكثير من الأسئلة المهمة. ..تحياتي

    الرد
  2. مهند النابلسي

    روعة ولا شيء غير ذلك!

    الرد
  3. مهند النابلسي

    على المواقع العربية ان تتعلم منكم الانفتاح وحرية الرأي والتعليق والتفاعل المتكامل فأنتم بالحق مدرسة ثقافية وجدانية فريدة تعج بالصدق السردي الشعري والشغف الأدبي الحكائي الجميل الصريح والممتع!

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أبلغني عبر البريد عند كتابة تعليقات جديدة.