صديقي الدكتور شوقي يوسف  

ما أكثرَ الخطائين وما أكبرَ ذنوبَهم، يذبحون في يوم النحر من كل سنة، ملايين الأضاحي، لا لشيء إلا لغفران الخطايا. وحتى لا يكونَ الحملُ الذي شَهِدْتَ ولادته في العاصفة الثلجية نسيكةً من نسائك الحج، أعدْتَ كتابة القصة Innocence كأنك ترسم للأشياء عواقبَ عكس ما (كُتِبا). فهل اكتشفتَ وأنت تلعبُ بمصائر الحملان، سرَّ العلاقة بين البراءة وطقوس الدم؟ مرذولةٌ، أيها الصديق، الكتابةُ عن شعائر الدين. ومرذولةٌ بعضَ الشيء، كتاباتٌ تاريخية تُكَشِّفُ الجذورَ العميقة والغابرة لطقوس الدم في الديانات الوثنية، وفي ميثولوجيا الأديان التوحيدية. مرذولةٌ لأنها تعيدُ اكتشافَ تاريخٍ مغمور، لا يرادُ له أن يتطهَّر من فَرَطات الجهل. وحقائقُ الأمور ــ إن بَلغَها المرء ــ بابٌ للعلم. وهي حقائقُ نسبية، أجمعُها مما صاغتْه الدراساتُ في حقول الأنتروبولوجيا. وبابُ العلم، أيها الصديق، ليس بالضرورة باباً للسلامة، حيث تنمو أصولياتٌ مغلقة على ذواتها، تهدِّد البحث وتكفِّر النتائج. لقد فتح لي حملُك المذبوحُ، أو الممنوعُ من الذبح، أخبية مغلقة دخلتُها مرغما. فقد جاش صدري بما اختزن من علم بتاريخ الأضاحي. فقلتُ: ما ضَرَّ لو كانت الكتابةُ عن الشعائر كتابةً حول جذور المسألة؟ فالبحث عن الجذور ليس فعلا متطرفا ولا أريده كذلك، فأنا لا أحب إثارة المسائل الخلافية، تلك التي تثير زوبعة من الجدل، ثم كثيرا من العداوات. ما أرغب في تناوله سعيٌ محايد، ولا يَسْلَمُ السعي المحايد من ضرائب التنوير. فقد دفعتْها فاطمة ناعوت، الكاتبةُ والمهندسة المصرية، عندما قالت تعليقا على مذابح العيد في مكة: إن المذبحة تكرِّرُ نفسها كل عام، لا لشيء إلا لكابوس رآه ابراهيمُ أحدُ الصالحين. ومع علمي بما انطوى عليه قلبُ الكاتبة وعقلُها، تحت قوس المحكمة احتجاجا على هدر الموارد الطبيعية، فقد تراجعتْ أمام المحكمة، وقالت إن اعتراضها ليس على الأضحى بما فيه من شعائرَ دينيةٍ، وإنما على إغراق الشوارع بالدماء، فهي تكره منظر الدم الجاري، ولا تقوى على مشاهد العنف المصاحب للذبح. لقد خرج غاليلي حزينا من المحكمة يا فاطمة ومات حزينا، وما استطاع رجالُ الدين إخفاءَ الحقيقة للأبد. أكملتِ الأرض دورانها وإن اعتذروا بعد 359 عاما “ليداووا أمراض أرواحهم” من دوران صامت، قسريٍ وغير مرغوب فيه للكوكب.

عزيزي الحكيم 

للعبادة طقوسٌ براغماتية، إلا من عبد الإله لأنه أهلٌ للعبادة. ولا يُخْفى أن لهذه الطقوس سيرةً تاريخية، لها جذورٌ غارقةٌ في الأسطرة، وفي ميثولوجيا الأديان عموما. والأسطرة مادة حيوية تتناسل منها العقائد والشعائر. فقد تبادلت الشعوب طقوسَها ومعارفها، وتوارثتْها من جيل الى جيل، وكان للمقدس منها مناعة مقاومة للتغيير. سقط من القناعات القديمة ما أسقطه العلمُ تباعا، واستمرت قائمةً عباداتٌ معاندة ملازمة لمظاهر الطبيعة، كانحباس المطر، ورهبتيْ الخسوف والكسوف، وفكرة التضحية بكبشِ فداءٍ تقليداً “للرجل الصالح”، أو امتدادا لديانات وثنية غارقة في الأسطرة. للإنسان القديم عذرُه يا صاحبي، فهو يدرأ عن نفسه غضبَ الطبيعة وشرورَها، أو غضبَ الآلهة لا فرقَ، فقد كانت الطبيعة غيرَ ما هي عليه الآن تحت مجهر العلوم الفيزيائية. كانت إرادة واعية وفاعلة، تُجري الريح، تهز الأرض، تسْكنُ وتثورُ، وتصنعُ من الكوارث ما يُرْعبُ القلب ويدميه. ومن مظاهر التعقل القديم، إرضاءُ الإرادة الغاضبة طلبا للعفو وطمعا بالدعم والمعونة. فالإله القديم إله حسيٌ، يقبل الوسائط والرُشى، خاصة تلك التي تفرحه ويتنسَّم منها رائحة الدم. 

عزيزي الدكتور شوقي  

قدَّمتُ لك السواح، الباحثَ السوريَ، من خلال كتابٍ ردَّ فيه على الكاتب المبدع كمال الصليبي. وقد عرض الباحث معلوماتٍ غزيرةً عن الأضاحي، يستقيم بها الرأي المتردد.  ففي ديانة ميترا، وهو إله فارسي من القرن الخامس قبل الميلاد، يذْبحُ الإلهُ الثور في النقوش التي تزخر بها المتاحف، لينزف جسدُه سنابلَ قمحٍ. وكان عبادُ ديونيزس يقدمون الثور قربانا يمثل الإله، ثم يمزقونه ليأكلوه بالرغم من حُرْمة أكله في الأيام العادية. وفي طقوس ديمتر، وهي إلهة القمح، كان الخبز قربانا ممثلا للإله. أما في ثقافة الأزتيك فقد كانت طقوسُ العشاء المقدسِ تُقدَّم مرتين في كل عام على قول الباحث جيمس فرايزر فيصنعُ المحتفلون دمية من عجين تمثل الإله، يحرقون حولها النارَ مصحوبة برائحة البَخُور، وفي الصباح يقتلها الكاهنُ بسهم ثم يأكلُ الملكُ مع رعاياه جسمَ الإله بخشوع وحزن شديدين. لقد تخلص الإنسان القديم من آلامه وخطاياه بتحويلها لموضوع خارجي، إنسانا كان الموضوعُ الخارجيُ أو حيوانا أو جمادا. ففي جنوب الهند، على ما يقول السواح، يتم نقلُ خطايا الميت الى عجلٍ صغير، ويقوم كبيرُ القبيلة أو كاهنُها بالترتيل فوق رأسه معددا خطاياه. فإذا انتهى، نقلَها الى العجل واضعا كفَّي الميت على رأس الدابة ليتطهر من بقايا ذنوبه. ثم يقول في نهاية المراسم: تستطيع الآن أن تلجأ الى قدمي ربك الطاهرتين. أما المهراجا فكان يتخلص من خطاياه وخطايا زوجته بنقلهما الى المحكوم الذي يقدم نفسه متطوعا لهذه المهمة. وفي إفريقيا الشرقية استمرت عادة التضحية بكبش فداء بشري حتى القرن التاسع عشر. فيحتفظ الأفارقة بالرجل المفرد للقربان، متعاونين على تسمينه حتى يحلَّ موعدُ الطقس، فيُساق في الطرقات ويتزاحم الناسُ بوضع أياديهم عليه لتفريغ شحناتٍ من الأمراض والآثام كانت تُثْقِلُ أجسادهم وضمائرهم، ثم يُذبح في المعبد وسط صيحات الفرح والتهليل. وكان كبشُ الفداء البشري يُمارسُ أيضا في التيبت فيُطلق على الرجل المخصص للفداء لقب “الملك السنوي” الذي يجمعُ خطايا الناس وحظوظهم العاثرةَ ويُودَعُ مع الآثام في كهف مهجور حتى السنة القادمة، فإن بقي حيا أعادوا عليه مراسم السنة الجديدة، وإن مات اختاروا مكانه ملكا آخر. وفي ثقافة الإغريق غالبا ما كانت الضحية Pharmakos  رجلا واحدا من الرقيق، إلا في الكوارث الكبيرة. ومن الكبش اليوناني أخذت اللغات الأوروبية إسم الأدوية المطهِّرة. وفي تراقيا كانت المدينة تتطهر من خطاياها برجم كبش الفداء البشري حتى الموت. ويقام طقس التضحية البشري في روما في أول ليلة قمر من رأٍس السنة الرومانية التي تبدأ في الأول من آذار، فيُطلقون على كبش الفداء اسمَ “مارس القديم” وكانت عبادته مقدَّمَة على عبادة جوبيتير. وتروي الأساطير أن أمَّه العذراءَ أنجبتْه بلا ذكرٍ. وكان “مارس” قبل تعديل صلاحياته، إلها يموت سنويا كآرباب الخصب، لضمان الدورة الزراعية. 

وللجبل العربي ثبير مكانةٌ مقدسة عند الجاهليين، على قول المؤرخ العظيم جواد علي، فعلى قمته صنم يصْعدون للتبرك به وسط محمية لكباش الأروى المقدسة. وينحر الجاهليون الأضاحي قبل شروق الشمس، في احتفال دموي يُعرف بأيام التشريق. (والتشريق في لسان العرب ثلاثة أيام بعد يوم النحر لأن لحم الأضاحي يُشَرَّقُ فيها للشمس). 

يطبع كبش الفداء أو قربان الآلهة، كما رأيتَ أيها الصديق، جغرافيا الأرض كاملة، لا سيما مناطق الساميين. ويُعتقد أن الدم الحار المشبع بالأرواح ينتقل مباشرة الى المعبود، لذا تُصَبُّ الدماء على رؤوس الآلهة تسكينا لغضبها وطلبا لرضاها. وأقدم عملية ذبحٍ تمت معاينتُها، ما رآه نيلوس سنة 410 للميلاد وهو مؤرخ من أشراف القسطنطينية، عرَّب الأب شيخو في “النصرانية وآدابها” ما عاينه المؤرخ فقال: “ليس لهؤلاء الهُمْج ديانةٌ إلا أنهم يكرِّمون كوكب الصبح (العزى أو عشتار) ويخرُّون له ساجدين ويضحون على مذبحه بأجود أسراهم الذين أسروهم في الغزوات. وهم يفضلون لذلك الشبابَ صبيحي الوجوه، ويعدّون لهذه الغاية مذبحا من الحجارة والصخور التي يكومونها منتظرين الفجر. حتى إذا لاح كوكب الصبح ضربوا الضحية بالسيوف وشربوا دماءها. وإذا لم يقع في يدهم أحد من الأسرى ضحّوا ناقة من العيس (كحَمَلك) خالصة البياض يدورون حولها ثلاثا ثم يتقدم الكاهن أو الزعيم بكل رونق وسط أغانيهم، فيضرب بالسيف أوداج الناقة ويتلقى دمها فيشرب منه ثم يركض الباقون، يقطعون الذبيحة ويأكلونها نيئة، ويسرعون في ذلك، كي لا يبقى منها شيء عند طلوع الشمس”.

كان لتعدد الآلهة واختصاصها المتوالف مع مظاهر الطبيعة الغاضبة أساس مكين لمنشأ القرابين. فالدمار بيد إله سريع التقلب كإله البراكين. وكذا الخصوبة بيد إله النيل الذي يُقدم له المصريون ضحية بشرية ليرضى ويخففَ من غُلواء فيضانه. كما قدم المايا دمَ أبنائهم قرابين مع قدوم الخسوف القمري، لوقف الوباء الذي أرسلته الآلهة. إنها ثقافة تلفُّ الأرض، تكونت في العصور الغابرة ثم توارثها الناسُ مصحوبة بشعائرها المقدسة حتى العصور الراهنة. 

لماذا لا تقْبلُ الآلهة أيها الصديق أن يتقرّب إليها أحد بغير ذبيحة أو دم؟ وقد جعلتها الأديان التوحيدية إلها واحدا كبيرا غنيا ومكتفيا. لماذا رفض الإله الواحد أن يتقبل القرابين النباتية؟ ليستمر على ما وصفته التوراة إلها مولعا بالدم، شديد الحساسية لرائحة الشواء، يتنسَّمُ منها فقط رائحة الرضا. لماذا فضَّل دم الكبش على بقية الدماء؟ أما كان الأجدر به وقد عمل الفلاسفة على تنزيهه، أن يتعالى وينصرف عن طلب الأضاحي، لما هو أزكى له وأنفعُ للناس! 

صديقي العزيز      

أعرفُ أنك لماحٌ لما أريدُ، وما أثقلتُ عليك من الشواهد التاريخية إلا لأضمن سلامة ما خلصتُ اليه من النتائج. فبالرغم من كون الإبراهيمية قاسما مشتركا للأديان التوحيدية، فإن ابراهيم لم يكن شخصية تاريخية على ما زعم طه حسين. لم يضع مع اسماعيلَ اللَّبِناتِ الأولى للكعبة ولا الأخيرةَ منها. وليس غريبا أن تتقبل قريش أسطورة فيها كل هذا القدر من الجموح، فقد قبلت روما قبل ذلك ولأسباب مشابهة أسطورة صنعها الإغريق تنسب الحَجَر الأولَ لروما “لإيناس” ابن بريام ملك طروادة. تلك أساطير تتكوَّن ثم تتشظى ثم تعاود تشكيل نفسها، لترتديَ مع الوقت الطويل لباسا تاريخيا. وقد قام الرسول بتعديل الطقوس الوثنية، على ما كتب تيودور نولدكه في تاريخ القرآن، لتتلاءم مع تعاليمه الجديدة المتماهية مع الأصول الإبراهيمية. 

يقول الرسول أنا ابن الذبيحين. والذبيحان لهما جذور عميقة في الروايات الدينية البعيدة ذات الطبيعة الأسطورية. يروي الأزرقي في أخبار مكة “… أن الكبش هبط من محمية ثبيرَ، فما زال ابراهيم يعْرضُ له ويرده، حتى أخذه على الصفا. صنم لقضاعة َوأهلِ الشام ، فذَبحَ على صخرته كبش الفداء” ويقال إن لُبابة بنْتَ علي بن عبدالله بن عباس بَنَتْ في موضع الذبح “مسجد الكبش”. وكان عُبَّاد هذا الصنم، على قول زكريا محمد في كتابه “ديانة مكة في الجاهلية” يضعون على رؤوسهم قبضات من الطحين بدل الخبز ترميزا لطقس الإله الذبيح الذي تأكل الطير من رأسه. وهو تقليدُ دقيقِ التقدمةِ التوراتي “ويأخذ منها بقبضته دقيقَ التقدمة وزيتَها وكل اللبان الذي على التقدمة ويوقد على المذبح رائحة سرور تذكارها للرب والباقي يأكله هرون وبنوه فطيرا”. 

ويقول الزمخشري إن عبدَ المطلب، مطعمَ طير السماء، أخذ في حفر زمزم، وكانت قد اندفنت، ولن يدلَّ على موضع الماء السفلي إلا غرابٌ أو هدهدٌ، وهما من قَناقِن الماء، أي مهندسيها. دلَّ عبدَ المطلب على الماء غرابٌ قُناقِنُ أعصمُ (به بعضُ البياض) لا يبرح موضع الذبائح في مكة (ابن سعد) ولما جعلت قريش تهزأ به قال: اللهم إن سقيتُ الحجيج ذبحت لك بعض ولدي… أقرع بينهم فخرجت على ابنه عبدالله. قالت أخواله: ارضِ ربَّك وافدِ ابنك، فجاء بعشر من الإبل، زادها عشرا عشرا الى أن رضي الإله على مئة. نحرها بمكة ووزعها على رؤوس الجبال فسُمِّي مُطعمَ الطير. والميثولوجيا قبل الإسلامية لزمزم تعتبر الماءَ السُفليَّ مُلكا يخص إله الحُمس الذي يعبده عبدُ المطلب، لذا كان عليه أن يدفع ثمن الماء، أضاحيَ لإله العالم السفلي، فهو صاحبُه. وكان هناك حجان في الجاهلية يتسابق زعماءُ القبائل فيهما على سقاية الحجيج. حج شتوي يُقدَّم فيه الماء، وصيفيٌ يقدم فيه النبيذ. وكان طاووس يقول: الشربُ من النبيذ تمامُ الحج.(ابن سعد، الطبقات الكبرى) 

يذهب زكريا محمد، الكاتب الفلسطيني، إلى ثلاث روايات لافتة في تاريخ الأسطرة الأولى أن الأروى، كبشَ الفداء، على علاقة بالري والماء، والتوافق اللفظي بين روى و أروى يؤكد قرابة لم تأت مصادفة. والثانية تفسيرُه الفذ للمثل الشهير “إشْرَقْ ثبيرُ كيما نَغيرُ” (بفتح النون) معتمدا على لسان العرب ليصبح معناه: اصطبغ يا ثبير بدم الضحية كي نستقي الماء السفلي وكي نأكل لحم الأضاحي الإلهية. والثالثةُ فيها شيئ من اللغة يُلقي كثيرا من الضوء على الديانة الإبراهيمية. فالإسم مرتبط بالماعز، فالمقطع أب أو إب يعني في عدد من لغات المنطقة: الجَدْي، كما في المصرية القديمة على ما جاء في “المعجم الوجيز للغة المصرية” لموني برناديت. وفي اللهجة السودانية (البذاويت) تعني أب: صغير الماعز وما بقي من العربية يصيب نفس المعنى، فالأُباء: داءٌ يأخذ العنزَ والضأن في رؤوسها عندما تشم أبوالَ الأروى الماعزِ الجبلي. وقد قال أبو حنيفة: الأُباء عَرَضٌ يعرض للعشب من أبوال الأروى فإذا رعتْه المَعَزُ قتلها. ويقول ابن منظور إذا شمَّتِ الماعزة السهلية بول الماعزة الجبلية وهي الأروى، أخذها الصُداع فلا تكادُ تبرأ. وجاء في “البصائر والذخائر” أن عمر بن الخطاب قرأ من سورة عبس (وفاكهةً وأبَّا) فقال: هذه الفاكهة قد علمنا فما الأبُّ؟ وعمر على قول التوحيدي، يُوزنُ به بشر كثير لسعة علمه، واللغةُ لسانُه وليس عليه نَصَبٌ في معرفتها ولا مشقة. فالأبُّ كما قال الزجَّاجُ على علاقة بالماشية فهو الكلأ الذي تعتلفُه الدوابُ. وقال الفراء الأبُّ ما تأكله الأنعام. وفي اللغات الأوروبية يحتوي إسم التيس الجبلي الأروى على المقطع الأول من إسم ابراهيم Ibex capra  أما المقطع الثاني رام فيعني حسب الأزهري: الجبل.

وعند ابن منظور الآرامُ هي الظباء الخالصة البياض. وجذر “رهم” العربي يعطي معنى الأغنام. فالرُهام من الغنم هي المهزولة حسب المحيط في اللغة. ويختم الكاتب قائلا: “يبدو أننا مع ابراهيم لا نغادر الأغنام والحظائر، ولها وجود أصيل في الكعبة عبر حِجْر اسماعيل الذي يعني: حظيرة اسماعيل”. 

يقول سفرُ الخروج “بكَّرَ ابراهيم (الرجلُ الصالحُ) شدَّ على حماره وأخذ معه اثنين من خدمه واسحقَ ابنَه وشقّقَ حطبا للمحرقة وقام ومضى الى المكان الذي أراه الله إياه… فقال ابراهيم لخادميْه: امكثا أنتما ها هنا مع الحمار… أخذ ابراهيم حطب المحرقة (وهو حِمْلُ الحمار) وجعله على إسحق ابنه (رؤوفا كان الرجل الصالح!) وأخذ بيده النار والسكين… فكلم اسحق أباه وقال: هذه النارُ والحطبُ فأين الحَمَلُ للمحرقة؟ فقال ابراهيم الله يرى لنفسه الحَمَلَ… مد ابراهيم يده لياخذ السكين فناداه ملاك الرب… نظر ابراهيم فإذا بكبش عالق بقرنيه في دغل”. ويقول ابنُ كثير عن الشعبي أنه رأى قرني الكبش في الكعبة (اشارة الى الذبيح اسماعيل) وهو الكبش الذي قرَّبه هابيل، ورعى في الجنة أربعين خريفا. ويتوافق ذلك مع ما ذكره “رابي يهوشُوَّع” الذي قال: ملاك أتى بالكبش من جنة عدن حيث كان يرعى تحت شجرة الحياة، وكان عطره يفوح في كل العالم. عمقت الديانة اليهودية طقوس القرابين والأضاحي على حساب الغاء القرابين البشرية، وأصبحت الذبيحة مرادفة للغفران وطلب المعونة، وكانت اليهودية تدعو لتُطهِّر كل شيء بالدم، فبدون سفكه لا تتحقق المغفرة، هكذا قدّم سفر القضاة فلسفة الكتاب المقدس، ولا ضرر أن يكون الدمُ دمَ إنسان كامتداد للوثنية الأولى، كما سبق وفعل يفتاح بابنته الوحيدة، إيفاءً لنذْر بعدما دفع إليه الرب بني عمون ليقتلهم. ثم أن الإله لما أدخل اليهودَ أرض كنعان قال: “وإذا أدخلك اللهُ أرضَ كنعان كما أقسم لك… تعزل للرب كل فاتح رحم وكل أول نتاج من البهائم التي لك، الذكور للرب، وأما بكر الحمار فتفديه بشاة وإن لم تفدِه، تكسر قفا عنقِه”.

صديقي العزيز 

تكلم إفلاطون عن ضرورة تقديم القرابين للفوز برضا الإله، أو لدفع الضرر وجلب المنفعة. وشبَّه الإله بالقاضي الذي يبيع ضميره. كما وصف سقراط الآلهة بأنها من ابتداع مهرةِ الصناعٍ الذين يستخدمونها كما يُستخدم خفراءُ الليل، ليُرهبوا بها الناس ويرغموهم على حسن الأدب. فتأمل يا صاحبي كيف يلتقط الفلاسفة كنه الشيء. وهم المؤمنون بالدين القديم أو المشككون فيه. الآلهة تملأ أثينا وتحكمها، لكن الفلسفة رأت في سلوك الآلهة وطلبها للقرابين سلوكا شائنا ومُعيبا. اعتقدت الأديان القديمة أن الأرواح تذهب الى مكان ساكن هاديء بارد لا تغيير فيه ولا جريان للوقت. سماه السومريون (كور) وكانوا أرحم وأسبق من الديانة اليهودية بثلاثة ألاف عام عندما شرَّعوا إحلال الضأن محل كبش الفداء البشري للتقرب من الآلهة وكسب رضاها. تأثرت التوراة بالشرائع السومرية. نسختها وبالغت في تصنيف الذبائح، كذبيحة الخطيئة والسلامة والإثم والقربان وذبيحة يوم الكفارة.

مع المسيحية أخذت الأمور منحاها الفلسفي، حيث أبدع اللاهوت المسيحي بتقديمه المسيح إلها ذبيحا لغفران الخطايا. وهي نقلة نوعية في فلسفة الذبائح، ألغت تقديم الأضاحي وجمعت دم الذبائح في المسيح، الحمل الذي سُفك دمُه قربانا أعظم. “هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم” قال يوحنا. وأصبحت الذبيحة هي المسيح، وعلى النمط الوثني، مَن أكل من جسده أو شرب من دمه نال حياة جديدة منزوعة الخطايا فقد امتزجت إرادة المسيح بإرادة الله. “وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك وكسر وقال: خذوا كلوا هذا هو جسدي وأخذ الكأس وشكل وأعطاهم قائلا: اشربوا منها لأن هذا هو دمي الذي يُسفك من أجل كثيرين لغفران الخطايا”.

فعندما يتناول المسيحيون الخبز أو الخمر فإنما يتناولون جسد المسيح الفادي ودمه وفي ومضة خاطفة تُفتح لهم بوابة الأبدية. لذا يُعتبر الأكلُ من القربان أكلا من جسد الإله نفسه (جذر لخم في العبرية يعني الخبز). كلُّ الناس خطاؤون، والمسيحُ كفارةٌ لخطايا العالم. غَسَلنا من الخطايا بدمه. أعرف أيها الصديق السؤال الذي يجول بخاطرك الآن لماذا لا يغفر الإله الخطايا إلا مصحوبة بالذبائح؟ إنه لا شكَّ، امتدادُ الوثنية الأولى في رهابها ومعالجة قضاياها المتصلة بغضب الآلهة.  

أحيا النبيٌ سُنة ابراهيم “الرجل الصالح”، وإن كان “كابوسُ ابراهيم” متماهيا مع المعتقدات الوثنية، فالأُضْحيَّة (بتشديد الياء وهي الشاة التي تذبح ضحوة) شعيرة من شعائر التقرب الى الله في مواسم الحج. (فصلِّ لربك وانحر) وهي من السُنن الواجبة “فمن كان له سعةٌ ولم يضحِّ فلا يقربن مُصلانا” (الإمام أحمد معنعنة عن النبي) واعتبرها الشيعة شعيرة مستحبة استحبابا مؤكدا على قول السيستاني. استمرت الأضاحي في الإسلام كما كانت عند اليهودية سبيلا للتقوى، لغفران الخطايا، وتوسعة الرزق، إلا أن الإسلام تنزّه عن حرق الأُضاحي. “قومي الى أُضْحِيتَّك فاشهديها فإنه يغفر لك عند أول قطرة دم منها” (الأثر) غرقت الطقوس الإسلامية في تفاصيل الضَّحية مثلما غرقت اليهودية في تفاصيل الخطايا. فلا يجوز التضحية إلا في أوقات معينة، ولا تصح الأضاحي إلا بالنعم والضأن على أن تكون الدابة لا عوراء ولا عرجاء، لا جرباء ولا عجفاء ولا بَيِّنٌ مرضها ولكل واحدة عمرٌ صالح للذبح. وفي حديث لعائشة عن النبي كما جاء في الأثر “ما عمل ابن آدم يومَ النحر عملا أحبَّ الى الله من إراقة الدم، إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأن الدم ليقعُ من الله عز وجل قبل أن يقعَ على الأرض”.

ولقد ورد في القرآن الكريم آياتٌ تحُضُّ على السُّنة كقوله في سورة الأنعام “قلْ إنَّ صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين” وقوله في سورة الحج “ولكل أمة جعلنا مَنْسَكا ليذكروا إسم الله على ما رزقهم من بهيمة الانعام فإلهكم إلهٌ واحدٌ فله أسلموا وبشِّر المخبتين” والنسيكة هي الذبيحة على قول ابن منظور، فتقول على من فعل كذا وكذا فعليه نُسُكٌ أي دم يُهَرِيقُه في مكة والنسيكة هي الذبيحة والجمع نُسُكٌ ونسائك والمَنْسَك هو المذبح. 

أيها الصديق العزيز: يقولون أن الأضاحي تذهب لفقراء المسلمين، ليت ما يزعمُه الناسُ  صحيحا. إنه، وبعيدا عن شؤون الدين، مالٌ (والمالُ هو الإبلُ عند العرب لأنه أكثرُ أموالهم) إنه مالٌ يغذي حرب سوريا واليمن ويساهم في “صفقات العصر” لتعويم الخزائن الأمريكية والأوروبية. لا يبرأ المقدس يا صاحبي من الشطط. ولو كنتَ في شعاب مكة يوم النحر مع خروفك الأبيض (والبياض مستحب في ألوان الأضاحي) وحاولت أن تفدي الكبش الجميل الذي أحببت وزنه ذهبا، لما تقبل الله منك بدل القربان على ما زعم الفقهاء. ويغفرلك ـ على ما زعموا أيضا ـ كل خطاياك، قبل أن تسقط نقطة الدم الأولى منه على الأرض. ليست الآلهة هي المختلفة أيها الصديق في تعدد النصوص وتناقضِها حول الدم والدقيق والغفران، وحول اللحم والتقوى والخبز والنبيذ… وإنما الناس هم المختلفون وهم المُبْدعون الاوائلُ للنصوص والشعائر، لما يُحمد منها ولما هو غيرُ محمودِ. الناس هم المختلفون دائما في الفكر او المتفقون فيه. لقد قام الفلاسفة بتنزيه الإله وجعلوه إلها متعاليا، غيرَ حسيٍّ، غنيا، كبيرا رحيما غفورا مكتفيا. ولن تكون الأفكار المتعلقة بكبش الفداء وإهراق الدم الا أفكارا من صناعة “الرجل الصالح” أو الأسطوري على ما زعم عميدُ الأدب العربي، أدامه الله في ضريحه، بعيدا عن مرضى الروح، هانئا في سُباته السرمدي.