على الشاشة الصغيرة، رأيتُ وأنا صبيٌ يافع، عجوزا هنديا يعلوه الغبارُ، ويتنقل عاريا في السوق، بقيت الصورةُ محفورةً في ذاكرتي، مصحوبةً بعيب العُري، حتى قرأتُ قصة تاوية وقليلاً من فلسفة الشرق القديم لجون كولر، فاستعادت الصورةُ كاملَ دلالتها. والشرقُ القديم هو الشرقُ الأقصى موطنُ البوذية والهندوسية والشانتو…، أما الأوسطُ ـ ولا بد من التفريق بينهما من حيث الفلسفة ـ فكان جزءا فاعلا من الحضارة اليونانية التي سارت متلازمة مع العلوم، إلى أن بدأ افتراقُهما. فأصبح للعلوم حقولها ومناهجها، وصار دور  الفلسفة دورا ممهدا للعلم أو لاحقا له. استقلَّ العلمُ في مسعاه الهادفِ لكشفِ قوانين الطبيعة، وراحت الفلسفةُ تدرسُ نتائجَ سعيِه. ولم يكن البحرُ المتوسط حاجزا بين القارة الاوروبية وبين ضفتيْه الجنوبية والشرقية، بل كان بحرا تتفاعلُ على ضفافه حضارات الشعوب في أوج عطاءاتها. فمن حركة الترجمة في طليطلة الى الذكرى العطرة لابن زيدون وابن طفيل، لابن خلدون وابن رشد، ومن ولّادة بنت المستكفي، الى ريمون لول الكاتالاني الذي اتقن اللغة العربية، وعبر المتوسط ليناظرَ المسلمين في جامعة بيجايا الجزائرية. قرنان من أغنى القرون القديمة وأكثرهما عطاءً في العلم والفلسفة، كانت اللغة العربية فيهما لغة مهيمنة ومعبرا إلزاميا للإطلاع على ثقافة العالم وحركته المعرفية. ثم بدأت أوروبا مسيرة انفصالها، أو قل مسيرة تفوقها، وانزوى العالم العربيُ والإسلامي خامدا متقهقرا. لقد كان لأوروبا وللشرق المتوسط ثقافةً واحدة منفصلة عن حضارة الشرق الأقصى وأديانه، ثم انفصمتْ تلك العلاقة مع الحروب الصليبية مرورا بالصراع العربي الإسرائيلي. تلك وما قاربها، أفكارٌ بدأت تتكون لدى طه حسين وهو طالبٌ في كلية الآداب في الجامعة الجزائرية، ثم نضجت بعد وصوله الى السوربون، لتبدأ عنده رحلةُ النقد للتراث العربي الإسلامي. أما بخصوص الشرق القديم، فقد ذهب ديوجين اللايرتي وهو مؤرخ وكاتب إغريقي الى أن الفلسفة نشأت فيه، وارتبطت بالسلوك والقيم الأخلاقية إضافة لما اهتمت به عَرَضَا من مسائلَ ميتافيزيقية. نظرت مدارسه الى الذات كجوهر قائم بذاته، واعتبرت مدارسُ أخرى أن لا جوهر ولا هوية دائمة للأشياء، فهي “تنشأ وتتفرق، تظهرُ وتختفي على نحو مستمر”. وكان لمدرسة التاو منحى قريبٌ من جدلية هيجل، قالت فيه إن الأضداد يتحولُ بعضُها الى بعضٍ، “فعندما يصل شيءٌ ما وهو يسير في اتجاه معين الى منتهاه، فإنه يغير اتجاهه الى عكس ما كان عليه”.  وينعكس هذا المبدأ التاوي بالسوية على عالميْ المادة والروح، فالذلُّ يعقبُ الغرورَ،  والحزنُ العميق يعبر عن نفسه بابتسامة، “وسرعانَ ما تفِلُّ السكينُ الحادة” لقد اعتبر حكماء الهند أو أنبياؤها، أننا في أعماق وجودنا متحدون مع الطبيعة، لتصبح الذاتُ موضوعَ الفلسفة وشاغلَها. من هذه الضرورة في إدراك الذات أطلَّ بوذا 553-480 ق. م. ليعمل على تحسين الشروط الإنسانية للحياة، ويعالجَ ضروبَ المعاناة فيها. وهو ما شكَّل فلسفةَ الحكماءِ الاوائل. تنتج المعاناةُ كما خبرناها نحن الشرقيون، من الفارق بين واقع المرءِ وما يريدُ أن يكونه. لذا تعملُ الفلسفة، على ردم الهوة بينهما، أي بين ما هو كائنٌ وما هو مرغوبٌ فيه. والحل عندما يكون تحقيٍقُ الرغبات متعذراً، أن تُضبطَ الرغباتُ لحصول السعادة والقضاء على المعاناة. إن القيمة العملية للفلسفة إذا  “هي فنُّ العيش في إطار سيطرة المرء الكاملة على ذاته” وذلك بغرس روح اللاتعلق بالرغبات، فالمعاناة تنشأ من تعلق المرء بما لا يملك، أو بما فُقد منه. والتوجهُ العملي للفلسفة أيضا “يفترضُ وجودَ عدالة أخلاقية كلية، لنصبح مسؤولين عما نحن فيه وعما نؤول اليه”. والكارما “هي مجملُ أفعال الشخص في حالة من حالات الوجود المتتالية. كأنها الثواب والعقاب في الأديان التوحيدية. تطور الفكرُ الهندي القديم نتيجة احتكاكه بالغرب، وتكفي شركةُ الهند الشرقية مساحةَ احتكاكٍ، فنشطت الدراساتُ والشروحُ للتراث القديم على يدي غاندي وطاغور وراما كرشنا رواد النهضة الأكثر تأثيرا في حياة الهنود. إن رسالة الأنبياء كانت دائما رسالة أخلاقية، والشرقُ، أقصاه وأدناه، مصدرُ الرسالات ومهبطُها بما فيها مسيحية الغرب. فهل تكون القسمة التي تكلم عنها ب. فرانغتون قسمة صحيحة أو عادلة عندما قال: إن المفّكرَ إذا ظهر في الغرب كان فيلسوفاً وإذا ظهر في الشرق كان نبيا؟ قلت في بداية مقالتي وقد أخذتني فلسفة الشرق بسحرها، إن الصورة العارية للعجوز المتنقل في أسواق الهند سكنت مخيلتي زمنا طويلا الى أن قرأت شيئا من تراث الشرق القديم وقصة تاوية يمثّلُ الثورُ فيها الواقعَ المطلق على ما فيه من جموحٍ، ويمثِّل الراعي منحنياتِ النفس الإنسانية. وهي قصة تمَّ تعديلها على يد أحد معلمي البوذية. وجاء في القصة:

“إنَّ السماءَ بعيدةٌ للغاية ولا متناهية

حتى أنه ما من تصور يبلغُها

فوق نيرانٍ تتلظّى لا يمكنُ لنُدفة ثلج أن تواصلَ البقاءَ

وعندما تتحققُ حالةُ الذهن هذه، تتفهمُ روحَ المعلمين القدامى” 

يتعذّرُ على الناس مجابهة الحياة بكل ما تحمله الحياة من نقائصَ أو شرور. حتى إذا تعبوا، استسلموا وقالوا: “كُتِبَ  علينا” علَّ “الكتابة” تُخفف من ضروب القصور. تعبَ الناسُ وانهزموا كنُدفة الثلج، واعتبروا أنفسَهم سببا عارضا في الحياة، يخدم أهداف الآلهة في العبادة وتحقيق الذات. ولم يتعبْ رجالٌ من الشرق القديم يتنفسون بأنفاس الآلهة، “مبدعون لذواتهم، متعلقون بمفاهيم الزوال ولا يحزنون كثيرا على ما قد مضى”. رجالٌ تغلبت الرحمة على القسوة فيهم، فركنوا عند سلام النفس، لا تتجاذبهم في سلامها معاناة، ولا في صفائها رغبة.

رجالٌ من الشرق القديم، اكتشفوا كيف يغرقُ السالكُ في صوفية التأمل، غرقا نصفو معه ونرقى الى سمْت المعلمين القدامى، فيغمرنا رضا وسلام عميقان وذات متسامية حتى ولا يومٌ يمرُ وليس الروحُ إلا على أبواب مصدرها. العقلُ يقظة تفكك الشيء وتبحثُ في مجاهله، بحثا محفوفا “بمشاعر المغامرة والخوف” ذلك أنّ “النتائج مهددةٌ غالبا بالخطوات الناقصة يقود اليها قصورُ العقل”. فقبل أن ترى بوضوح ترى على نحو متردد ولا تسلم النتائج في الرؤى المترددة.

عيونٌ من الشرق القديم، لا ترى إلا بواسطة القلوب، فجوهرُ الشيء على قول سان أكزبيري لا تراه العيون. وكلما اتسعت رؤيةُ القلب تراجعت البُنى العقليةُ، وفقدت بنية من بناها أو شيئا من بريقها. لذا يبلغ قلب كنه شيء لا تبلغه العقول. ولا يلقى الباحث في ما وراء الطبيعة إلا ظلاما ورغبة إضافية في البحث، يلقاهما كلما كانت دوافع البحث عن الحقيقة دوافعَ غيرَ نقيةٍ. ومن الروايات الجميلة للبوذية أن الكاهن “بوذا ورما” أمضى تسع سنواتٍ يتأمل جدارا يرمز لعمق التجربة التي تتجاوز ازدواجية البنى الفكرية، تجربة لا يدركُها إلا الصمتُ العميق. وقد سأله الإمبراطور الصيني عن مدى الجدارة التي أحرزها كحاكم من خلال إنجازاته الكثيرة في تشييد المعابد ورِسامة الكهنة ونسخِ النصوص، أجاب الكاهنُ: “إنّ هذه الأعمالَ الرائعة لا تعودُ على فاعلها بجدارة تذكر، لأنها دوافعُ غيرَ نقية للجدارة تشبه ظلا يتبع شخصا”.

في فلسفة الشرق القديم، تضيع الذات في تعدد التجارب والنزاعات، فتأخذ الأشياء مواقع الوسيط الذي يمنع خواء العقل والجسم من مفاهيم الثنائية. فالخواء هدوءٌ وفراغٌ يعكس الفراغ، وتوحدٌ مع الوجود ينفي كل شيء ليحتوي كامل الأشياء، كما هي في ذاتها. فلا حاجة بعدُ للمجابهة، ولا ضرورة للصراع، “الماءُ أزرقُ، والجبال خضراء ممتدة”، والثورُ أهدأَ صار، خسر في حلبة الصراع “ميولا له غير صحية” فصحت سريرة الراعي. بادر السوق عاريا، حافي القدمين متسخا بالطين مثقلا بالغبار، ودونما لجوء للقوى الصوفية دفع للإزهار أشجاراً ذابلة. الإبتسامةُ دلالة الرضا، ما أعرض ابتسامة الراعي وما أعمق رضاه.

من نعيم الديانات القديمة، بما هي خواءٌ للمواضيع، ونعمةِ اللامبالاة المساوية لجفاء المشاعر، يطلُ علينا من عمق الشرق وفلسفته سكونٌ رخو لا تحيط به الصحاري ولا تبلغُ ثراءَه صياغاتُ اللفظ، سكونٌ رحبٌ تتراجع فيه دواعي المواجهة، فلا شيء يستحق الغضب، الخلاف، أو الحرب. لقد أسدلت الفلسفة غلالة من الوهم الرقيق على كل القضايا الساخنة. ومن يتعلم حجب القضايا الساخنة، تتوقف لديه رغبة البحث وجدوى الإكتشاف. فارغٌ القلبُ عاد مثلما كان، لا رغبةَ فيه ولا معاناة، الماء أزرق والجبالُ خضراء ممتدة، “والنفسُ ساكنةٌ ترصد ُالأحوالَ في دوام تغيرها”.

تلك تجربة شرقية، دواء للمعاناة ونفاد الصبر، أكثرُ استنارة هي، من كافة الإختبارات التي يصفها العقلُ لتحييد بواعث الأسى. تجربة تجعل للسالك فيها كل النزاعات محايدة لا تثير فضولا، سيان اختلافها أو توافقها، اقصى ما يرجوه السالكُ  البوذيُ فيها، طمأنينةٌ على قدر القلب، وعقلٌ غيرُ فعال يتدبر به تصاريفَ يومِه والسلام.