وحدها الصرخةُ التي تأتي من الأماكن
البعيدة، صرخةُ امرأةٍ في مخاض، تبلُغُها
وتُطوِّعُها وهي في ذروة الغضب.
رانر ماريا ريلكيه

كلما رأيت أعمال النحاتين، أو تأملتُ أرتميس وهي تغتسلُ في لوحة فرنسوا بوشي، أقولُ في خلدي “جمالُ الآلهةِ نقصانٌ لكل الناس”. ويخامر قلبي خوفٌ أن تلاحقني كلابُ أكيتون قبل أن تُرمّزَ اللغةُ ملامحَ أرتميس وترسمَ خرائطَها. كنتُ أفتّش عن قصائدَ تليقُ بوصف الإلهة، عندما مرّ بخاطري ما قاله أبو حيّان أديبُ الفلاسفة، عن أحسن الكلام، قال:”أحسنُه ما قامت صورتُه بين نظمٍ كأنه نثرُ ونثرٍ كأنه نظمُ”. عدتُ الى لوحة بوشي، عاينتُها من جديد وادّخرتُ من الكلام أحسنَه فسبقتْ عينايَ اللغةَ بنثرها ونظمها، وهما السباقتان في كل كشفٍ ووصفِ. المعاينةُ مشروعُ توحّدٍ مع ثغورِ الجسدِ ومَشاهِده، بينما اللغةُ استقراءٌ حياديٌ للمفاتن وأداةٌ جافة للوصف ورصدِ الثغور.

يفصحُ عريُ أرتميس، كلما انفردتْ بعُريها، عن توازنٍ وتناسقٍ هندسي يستعيران من كائنات الصيد المفترسة صفاتِها البريةَ، لتبقى إلهةُ الصيدِ رشيقةً مثيرةً مزهوةً في اختيارها للعقد والقوس واللون والكاهنة وعقدة الشَعْرِ. بها جميعا تعمّقُ تناسقَ الجسد، وتعزّزُه بالتقنيات المضافة، والألوانِ المعدّلة بالزعفران، لتتناسب التقنياتُ الجديدة مع اللون الكهنوتي في معابدها. إلهةٌ تكشفُ مستورَ الناظرِ وغامضَه ، وأنا ضنينٌ بمستوري وعائلتي ـ الحاج حسن ـ تحملُ في جيناتها الكتمانَ مرضا. أُغَلّقُ دون عريها مقلتيَّ حتى لا أتكشّفَ وتفضحني نشوةٌ ليس لها سِترٌ ولا حِجْرُ. جسدٌ ضامرٌ مخصصٌ للصيد، مشبّعٌ بالشمس، مليءٌ بالتضاريس والمواقعِ العالية. رسَّمها المؤمنون مقاما للعبادة في إفسُس، لأنها من بدايات الأنوثة الخالية من الشوائب. وصمم لها كريسفرون من الهياكل ما يغني فنَّ العمارة، ويثري عبادة الأنثى. وذاكرتي من تاريخ ما قبل الأناجيل، رحبةٌ ملآنة بالطقوس والمعالم والعبادات، فرّغْتُها من شواهدها، حتى عادت نسيجَ وحدِها ولي وحدي، ذاكرةً صافية ليس فيها الا ما وضعتُه بيدي وما تركتْه أرتميس من عبق الألوهة وسحر البدايات.

بالأيادي تصنع الآلهة يا بولس، وقد ضيّقتَ على الصائغ ديمتريوس حِرفته وهو يصنعُ لها تماثيل الفضّة، قلتَ: ما يُصنعُ بالأيادي ليس آلهة. وبها صُنعت فنيس في “انحناءة الرأس وطولِ الفرع ودقّةِ العظم وادعةً منزّهة طليقة من شهواتِها” مطهّرةً بماء البحر وزبده. وبالأيادي صُنعتْ ملامحُ أرتميس، مزهوة بكنوزها فوق ماء السّباخ. ملامحُ مبديةٌ لذاذتَها، يغسلُها الماءُ ويغمرُها حنانا لصفائه الأول. فمنه كلُّ شيء حيٌ، ثم أنه وحده يحملُ اجازة الغَسْل، لأنه يعرفُ انسيابَ المادة وما تُخفيه. الماءُ روحُ الكائنات، ورَوَّاءُ الأنفسِ الصادية، يُرينا عمقَ الدلالة وما تُسِرُّ الصدورُ. والشاهدُ على طهارة الجسد ونجْواهُ، في كل صلاةٍ صادقة تعيدُ تلطيفَ مشاعرِه، حتى تطيبَ الانفسُ المشحونةُ بالقسوة ورغبة الانتقام. تلك الأنفسُ التي “لا يطوّعُها وهي في ذروة الغضب الا صرخةُ امرأةٍ في مخاض”.

أرتميس يا لهذا القلب كيف يقسو! سيدةَ الصيد وعاشقةَ السبخة والغابات، امرأةٌ أنت ذاتُ أعصابٍ صخرية ورأيٍ راسخٍ في الحب، في العذوبة والعزوبية. ربّةٌ تجري الريحَ وتسنُّ قوانينَ الصيد، يشي جمالُ أوّلِها بتاليه وشْيا يتمددُ في الزمن، من حدود النفس الإنسانية الرحبة، إلى حدود الكونِ الميتولوجي الرحبِ، حيثُ فاضَ المطلقُ وبدأتْ معزوفةُ الخلقِ ولطافةُ الموتِ الرحيمِ لنبالها الفضية، وتباشيرُ وداعة وسلامٍ تدعو اليهما من الإلياذة “ذئابٌ غبرُ تتمسَّح بساقيها، واسودٌ ذاتُ عيونٍ متوحّشة، ودببةٌ ضامرة، كانت الإلهةُ فرحةً بها جميعا، أفاضتِ الرغبةَ في صدرها، فانفردتْ أزواجا أزواجا تتضاجعُ في الوديان الظليلةِ”.

في لوحة فرنسوا بوشي، الأمرُ يعرِضُ دونه الأمرُ، تلتبسُ اللغةُ ويطغى صفاءُ اللونِ والصورة. فتزدهرُ في صفائهما المعاني، حتى تحاصرَني مشاعرُ لا أجيدُ قراءتَها، فأنا لستُ رساماً واسعَ الخيالِ، ولا فتياً لأحملَ أمام هذا العُّرْيِ الإلهيِّ نفسي أنا ذو حِجْرٍ على قول ابن منظور، قاهرٌ لنفسي ضابطٌ لها، فمنْ يرَ ـ على كثرة الرائين ـ إلهةً عارية غيري ويبقَ في أقاصي الرؤية زمنا دون أن يتعرّقَ ويعصفَ به دُوارُ الموقع العالي، أنا صاحٍ وذو حياء ولا طاقة لي على الحُلم. الصحوُ يملأ الرأسَ، ويصادر الأحلامَ والأماني الكاذبة. لكنه صحوٌ رخوٌ يفاوضُ بين الرغبة والرغبة، شيطاناً يعرضُ تبادلَ الحظواتِ في رحلةٍ من رحلاتِ الصيد. أيْ أرتميس، حيثُ يكونُ الصيدُ خُذي بيدي، فأنا صنوُ أوريون ذكرٌ فضوليٌ يدافعُ عن ضرورته. وأنتِ صنوُ الآلهة، ليس كمثلك شيءٌ الا النخلُ، و”ثدياك مثلُ العناقيد”. قلتُ ومقتلُ الرجلِ بين فكَّيه، على رأي بن صيفي، قلتُ أصعدُ الى النخلة وأمسكُ بأقراطِها. ألا اختاري لي السمَّ والكوكبَ والمدار، إني جلبتُ منيتي.