قراءة في رواية موسم التأنيث لبسمة البوعبيدي

من أعماق الجنوب ومن تلك القرى القصية المحاطة بالصحراء تطل علينا بسمة البوعبيدي برواية موسم التأنيث. عنوان اختزل كل معاني الفرح والبؤس التى قد تمر بها الأنثى في ذاك المكان البعيد البعيد. عنوان ارتبط دلاليا بالسرد فجاء يختزل كل عمق الإناث.

موسم التأنيث ضخت فيها صاحبتها العصامية من صورتها ونفسها ربما كنموذج وربما كشاهدة على حقبة مرت بها المرأة الجريدية تلك المرأة المناضلة والمحافظة ديدنها موروث اجتماعي ينظم حياتها ويسطر مهامها. فكانت المرأة كبرى قضايا الرواية التى طرحتها الكاتبة باقتدار، اذ كشفت معاناتها الخفية والمتضحة وإنها لتبدو متضخمة متفاقمة دون القدرة على احداث تغيير الا بالحاح أثمر نتائج صغيرة فما كان من مواريث ستبقى تحكم ذاك المجتمع المحلي الذي يفتقر للتنمية والتطوير. مجتمع ذكوري حكم حركتها وأقوالها وحتى أحلامها وضحكاتها فالعرف يحكم الجميع ولا خروج عنه الا العاصي “اصمتي دودة تنخر عظامك اننا في الشارع يا قليلة الحياء”(ص61) فلا مجال لامراة أن تصرح بمكنونها او انفعالاتها الا لامرأة مثلها ولن تفهم قيد الأنثى إلا أنثى مثلها. سيطرة الرجل جلية في كل مجالات الحياة “باب لا ينفتح إلا لرجال العائلة يتوارثون مفتاحه الحديدي الكبير كابر عن كابر فيتسلمه الأب عن الجد والعم الأصغر عن العم الاكبر…”(15) ولا خروج لامرأة عن طاعة الرجل فبه تكتمل وتكون أو لا تكون لتكتسب رتبة مقدرة في العائلة، فهي متهمة مهمشة”قلن لها لابدا من الاطمئنان على عذريتها بتفقد غشاء البكارة قبل الابتداء في مراسم العرس”(89 إلى ان تتزوج وتنجب من يرث الأرض والعرض، وإن أذنبت ولو سهوا عن غير قصد سترمى الى مزابل النكران والنسيان. قضية أتقنت طرحها الكاتبة من خلال نماذج عدة فضحت خبايا علاقة المرأة بالرجل وعلاقتها بالمرأة مثلها وان اختلفت الاعمار وتباينت الافكار والطموحات فكل واحدة تحمل هما كبيرا له شكل مختلف كسالمة التى تلفها الخطيئة ومريم التى منعت من الدراسة وحرمت من الزواج ممن تحب وامها التى كانت ضحية الكيد والغدر النسوي وزوجة الاب التى استطاعت أن تكون من العائلة بفضل خبثها و كيدها كذلك المعتوهة بوكة المهمشة جدا كل كلامها يحمل الحقيقة التى لا يعترف بها العقلاء وفطومة العمة المهجورة والجدة الحناية التى تعتني بالعرائس لكسب قوتها. كلهن مثلن نماذج من شتى عن نساء مجتمع الجريد القصي. مجتمع منغلق لا يقبل كل دخيل  ويحافظ على انغلاقه  فتتزوج البنت ابن عمها دفعا للغرباء وحفاظا على الممتلكات “هذه مريم حفيدتي لجعفر حفيدي وجعفر حفيدي لمريم حفيدتي ابن عم وابنة عم أباركهما زوج وزوجة في قادم الأيام هذه وصيتي وان حرصتم على تنفيذها أبعدتم عن الغابة شر التقسيم وحفظتموها ومنعتموها من الدخلاء والملاك المتطفلين الغرباء”(26/27)

من خلال حكايا الاناث من شتى الفئات أبرزت لنا الكاتبة خصائص المجتمع المحلي الجريدي و نقلت لنا عاداته وتقاليده و ضوابطة في المعاملات و الافراح و الازمات وصورت لنا حركته الاقتصادية التى تعتمد على المنتوج المحلي من التمور وبعض الغراسات الصغيرة الأخرى.نقلت لنا علاقات وروابط شتى بين أفراده متوترة حينا ومتينة مستقرة حينا آخر وأحيانا عنيفا إن خرجت النفوس عن إطارها فلا تبرح حتى يأدبها  العرف الجماعي. واصطادت لحظات قيمة نادرة تلفها طيات الذاكرة ومنحنيات نفسية تشكل مواضيع سيكولوجية وسلوكية.

بين التلميح والتصريح تواترت الأحداث كاشفة فعرت وفضحت المسكوت عنه و الغير قابل للطرح علنا بحكم سلطة الرجال وسلطة التقاليد. وصلت الصور متواترة متعددة الألوان والأشكال تلك التى تميز الجريد دون غيره من الأماكن  وقد تخلى ذلك من خلال أسلوب روائي تعددت تقنياته وتلون السرد فيه فجاء منسابا كماء سواقي غابات  ومحملا كنخله. فتميز السرد بشدة تأثيره الذي يترجم صدق الكاتبة في سرد الوقائع امعانا في واقعيتها واجبار القارئ على الوقوف طويلا والتأمل فيه جراء شدة وقعه رغم وقوعها في الايجاز والاختصار في الكثير من المواقع التى تتطلب سردا تفصيليا أو ربما كان ذلك مقصودا من أجل الحفاظ على نسق التشويق المتصاعد في أجزاء تتعلق بحياة الشخصيات الرئيسية و في فترة اقرار نظام التعاضديات الفلاحية خلال ستينيات القرن الماضي.اعتمادها على المحفز التشويقي من خلال خاصيات مكانية لا توجد الا بمناطق الجريد بالجنوب صحراء وواحات نخيل ممتدة  مع تناسب زماني شهد حركيةترغم على الكتابة والتدوين نقلا وتأريخا. فلا ضير من عدم التسلسل في الأحداث التى اتخذت شكلا تناوبيا  وهو الاكثر ملاءمة للمراوحة بين احداث المجتمع ووقائع نسائه في الماضي والماضي البعيد بدت أكثر تجليا في الحاضر بذاكرة الكاتبة و ما يثقلها من هموم حية.

لعل تقنية بناء القصة القصيرة في متن الرواية هي أهم ما يميزها. فقد توزعت الرواية على ثمانية فصول وكل فصل يوجد به حدث رئيسي واحد وشخصية محورية واحدة.  الفصل الاول يمكن عنونته بالسر والفصل الثاني عروس الجريد والثالث المكيدة وهكذا الى اخر الفصول التى مثلت قصصا ممتعة متجمعة قصة بقصة مترابطة فنيا فيما بينها مكانيا وزمنيا أضفت طابعا تجريبيا مع الحرص على عامل التكثيف الذي لاح في اللغة والاحداث وفيض الوجدان و التشويق الذي لايغيب عن أداء الكاتبة في كل فصل-أقصوصة. الأمر الذي يكشف تمكنها من تقنيات القصة القصيرة وإلمامها به. كذلك لا يمكن إغفال تقنية الكتابة المشهدية التى اتخذتها الكاتبة منفذا للتنفيس والتصوير فنقلت وصورت أحداثا قمة في التعقيد والتصعيد أردت بالشخصيات الى هوة سحيقة من الاحزان والحرمان بنبرة مشحونة بالعواطف وحركية متوترة وهائجة، مقاومة او مستسلمة ماضية الى العدم بعبثية خارقة أدهشت البطلات وباقي الشخوص والقارئ  حد السواء فتماهى الكل في الكل فتوحد المعنى والاسلوب بمنحى تسجيلي  بإطار مكاني لا يتغير ألا وهو الجريد.

كما أننا نلمح أسلوب الخاطرة بين طيات السرد والقص مبينا عن جانب رومنسي لا يخلو من أي أنثى، أفصحت لنا به الكاتبة عن مشاعر دفينة لا تملك صاحبتها حرية التصريح بها  فمثلت الرواية ذاك السبيل للافشاء والبوح. وهو ما كشف لنا عن متانة العلاقة بين غابات النخل وأصحابها ومدى الانتماء الى تلك الارض التى منها تشكلت الملامح وتلونت البشرة و اُكتُسب السلوك. تنامت المشاعر وتنوعت الروابط الحسية اذ تقول الكاتبة على سبيل المثال متكلمة عن الأرض “هنا في هذه الجنة النائمة في حضن الصحراء مستكينة منذ عصور حورية خضراء ممتنعة يطوقها عملاق”(ص19) وقالت بصوت جعفر الخفي حبا في مريم “مريم شمس الأصائل عسل التمر مريم شموخ النخل وحنو الارض ودفؤها مريم حكاية تحكي وأصل كل الحكايا”(ص26). تخضب السرد بالخاطرة الامر الذي أضفى نوعا من الشعرية على الرواية وزاد في الجمالية المشهدية واعطى لمحات رومنطيقية رغم المعاني القاتمة والمحزنة اذ غدا العالم مسرحا خصبا لتنامي المشاكل والانزلاق في الاخطاء والتعرض لتهديد المخاطر المحدقة من كل صوب شخصتها الكاتبة وعبرت عما جال في خاطرها ونفسها بكل أريحية حتى لنجدها أحيانا تكتب لغة صوفية، إذ رغم بساطتها فهي تنزع الى الغموض لكأن الفصول سبقت بوجودها كينونة الكاتبة التى ذابت وتماهت في كلية الرواية و ألغيت كل الفوارق التى يمكن ملاحظتها والتى من شأنها خلق فجوة بين الشخوص والكتابة الروائية.

بسمة البوعبيدي جمعت تجربتها في النثر والقص والسرد وكتبت رواية موسم التأنيث التى أرخت لمرحلة مهمة من التاريخ الاجتماعي والسياسي مرت به مناطق الجريد ولا تزال ملامحه موجودة الى اليوم فالمرأة هي ذاتها مهما تطورت مشاغلها لاتنتهي  والرجل له العصمة والقيادة والمجتمع تحكمه الأعراف يضيع فيه الفرد الوحيد بلاقيمة  الا اذا انضم للمجموعة، ربما اليوم تطورت القضايا وتشكلت بصيغ اخرى تتماشى مع زمن مابعد الحداثة.