صديقي الدكتور شوقي يوسف

قرأتُ كتاب روبرت ر. رايلي Robert r. reilly (إغلاق عقل المسلم)، ولا أُخفي أن الكاتب تناولَ بمهارة الأطباء، النصوصَ التراثية. فَحصَ، طَبَّ، ورصدَ الصراعَ القديم الذي رافق دخولَ الهيلنة، بثاقب نظرهم وحسن درايتهم، ذلك دأبُ الأطباء، ولإعتباراتٍ أمنية، وصفَكَ دون أن يسميكَ، قائلا أنك من الرجال الشجعان، الذين صاحبوا الراوندي وشجَّعوا علانية على إعادة تكوين العقل الإسلامي وفتحِ مسامِّه. ولا يُخفيك أن الشجعان يزرعونٍ الرؤى البديلة بلا خوفٍ ولا فَرَقِ، ففي بداية الأشياء ينهضُ دوما عقلٌ مغامرٌ، ورؤى جديدةٌ. قال الكاتبُ إن البابا بينديكت السادس عشر  Benedict XVI ردَّ على سؤالٍ بالقول: “إن الخيار العظيم (لل …) هو خيارُ العقلانية، ويبدو لي هذا، خياراً ممتازا، يكشفُ لي أن وراء كلِّ شيءٍ، ذكاءً عظيما يُمْكنُ أن نودعَه أنفسنا. “والكاتب يا صديقي ترك ما بين القوسين فارغا لنضع مكانه الإسلامَ  إذا شِئنا، بينما البابا تكلم صراحة عن الخيار العظيم للمسيحية.

صديقي العزيز

ما كان للأشعرية (نسبة لأبي الحسن الأشعري) أن تترك لنا شيئا من الذكاء أو الحرية أو سعة الأفق، بل أغلقتْ كلَّ منافذِ النور وهيَّأتْ المُناخَ المناسبَ لجولات العنف على امتداد الجغرافيا الإسلامية. يقول المؤلف: إن الإسلام السُّنِّي، انفصلَ مبكرا عن الفكر الهيليني الذي سادَ العصر العباسي، ليَصْبُغ أو يَصنَع هذا الإنفصالُ حياةَ المسلمين على امتداد القرون اللاحقة. يعالجُ المؤلف فلسفة الإنفصال ومفاعيله. ولا بد من الإعتراف أن المعالجةَ موضوعيةٌ وموثقةٌ بشكل لافت، لكن أثارني أيها الصديق ادعاءُ المُقدِّم روجر سكروتون Roger scruton أن للحضارة الغربية جذوراً في الديانة الإسرائلية إضافة لجذورها الإغريقية، فاستغربتُ كيف تُلقى الأحكامُ  جُزافا متخففة من ثقل الأمانة العلمية، (والجَزفُ لغةً هو الأخذُ بالكثرة)، خاصة أن ما ميَّزَ عصرَ التنوير، نقدُه التاريخيُ الجادُ والجارحُ للديانات التوحيدية خاصة الدراسات التي قدَّمها سبينوزا وفولتير لدحض خرافات الكتاب المقدس التي يزعم سكروتون أنها جذورٌ للحضارة الأوروبية، إنها هفوة أكبرُ من فلتة أو قل هي زلة.

لإندحار العالم الإسلامي وخروجه من السبق، أسبابٌ كثيرة ووجيهة، كيفما ذهبَ الباحثُ في تنوُّعِها، يُصيبُ شيئا من الحقيقة أو أشياءَ منها. أشار روبرت رايلي من بين أسبابها، الى صعود الأشعرية وطرد الفلسفة، على قاعدة أن العقلَ يُؤدِّي للضلال، والوحيُ الى المصادر الحقيقية للمعرفة. وقد كتبتُ لك في رسائلي السابقة كيف اشتغل الفقهاءُ الاوائلُ على تصحيح النصوص وألأحكام الهشَّة، لتتحرر النصوص من واقع تناقضها المربك وقد أدَّت الجهودُ لغلق باب الإجتهاد نهائيا مع ترسيخِ المقولة التالية: لا يمكنُ للفقهاء أن يُقدِّموا تفسيرا جديدا أو إضافة للشريعة ذات جدوى، لأنها نزلت وتكوَّنت في أكمل حالاتها، وأكثرها نقاءً، فلم يعدْ من سبيلٍ لإجازة اختلاء المرأة مع الغرباء، إلاّ أن تُرْضعهم من ثدييها كما كانت إجازةُ النصوص الأولى.

لنعدْ الى بداية البدايات، تقولُ الأشعرية أن القرآن غيرَ مخلوقٍ، فلا يخضعُ بالتالي لمتغيرات الحياة اليومية، أو لتاريخية الأحداث، القرآن فوق كل شيء، لذا لا تتوقف الجهود لتوليف الحقائق العلمية مع النصوص المقدسة، فالأزمةُ يا صديقي أزمةُ خللٍ عقْدي، يُرخي بظلاله على البرامج الإقتصادية والإجتماعية والسياسية، فتَلقى البرامجُ دوما مَآلاً دراماتيكيا، فهي غيرُ قابلة للحياة، ولا للتطوير، ليس لنقصٍ في إعدادها، ولكن لتركها الخللَ العقْدي، فاعلا، ناشطا، متحكما فيها. رأيٌ يدعمه كثير من المسلمين للخروج من مستنقع المشكلة الثيولوجية، على ما يقولُ المؤلفُ، لكن هؤلاء لم يجدوا بعدُ جمهوراً يدْعمُهم ويحميهم. والثيولوجيا استعملها الكاتبُ بمعنى اللاهوت كما فهمه المسيحيون، أو علمِ الكلام باصطلاح المسلمين.

يفتتحُ المؤلف كتابَه بالقول: إن أكبر دراما  في التاريخ الإنساني هي هزيمة الفكر الهيليني في صراعه مع العقل الإسلامي، والمقصودُ بالهيلينية نزوعُ العقل نحو الفلسفة، وكان مدخلُ الدراما الفهمَ المتمايزَ للقرآن. قراءةٌ أولى رأتْ فيه قوةَ الله و إرادتَه المتعاليةَ وأخرى رأت فيه عدلَه وعقلانيتَه، كانت هذه المجابهةُ بمنحاها الإغريقي، أولَ محاولات الفصل بين العقل والوحي. واستعمل الكاتبُ تعبيرَ الفقه السُنِّيِ لفقْه الأشاعرة، مستثنيا من البحث الفقه الشيعي على أن يفرد له كتابا آخر.

إن الكتب الدينية جميعَها تفسر الوقائع بصفتها أفعالاً إلهية. تفسيرٌ ينفي قانون السببية، وفي حمأة صراع الوحي مع قوى العقل تراجعَ اليهودُ والمسيحيون عن قناعة كتبِهم، اعترفوا بالسببية، أو وجدوا تأويلا يبررُ التراجعَ ويؤيدُه. غيرَ أن ثيولوجيا الأشاعرة تمسّكتْ بمواقفِها، وأنكرت قانون السببية مما جعل المشكلةَ تتفاقمُ وتزدادُ خطورةً مع تقدم العلوم، لتمثِّل المذاهبُ الأشعرية أرثوذكسيةً سُنّية متجذرةً في أصوليتِها.

صديقي العزيز

أنت تقدِّر، بصفتك العلمية، ما سبّبتْه الأرثوذكسية من أذىً للعلوم، ولتطوُّر النُظم عامة، خاصة السياسية والإقتصادية منها. أو بتعبير الكاتب “أذى أن يقبع العالمُ الإسلامي من حيثُ مقاييس التنمية البشرية، قريبا من القاع. “ثم يتساءلُ الكاتبُ وهو مُحِقٌ في تساؤله، هل كان من أذى الأرثوذكسية تلك، ظهور الحركات الإرهابية على اختلاف تلاوينِها؟ هل هناك مذهبٌ فكريٌ تتغذى منه الإسلاموية؟ فإن كان ذلك صحيحا فمن أين يتدفق هذا السيلُ؟ ولماذا يكون الإسلام ببنائِه الفكري جسما قابلا لكل هذه التشوهات؟

سيجد الكاتبُ، لا ريبَ، كثيراً من النصوص التي تصْنع التشوهات وتُصدِّرُها، وقد أشرتُ لبعضٍ منها في رسالتي اليك عن كانط ومحمد بن عبد الوهاب. يتغذى الإرهاب اليوم من تعاليمَ ثيولوجية كامنةً في الجسم الإسلامي، يؤيدُ ذلك ما رأيناه من بيئة حاضنة، وإدانة خجولة لأعمال العنف على امتداد العالم الإسلامي. يقول الكاتب إن بعض المفكرين من داخل الجسم المصَدِّر للإرهاب يعترفون بهذا الإنغلاق الفكري المقلق، فما يقولُه زعيمٌ اسلاميٌ معاصر (الهندي رشاد باز) حول إعادة تكوين عقل المسلم، مثيراً للإنتباه. “فعلى من يتوقون لتأسيس انطلاقة جديدة، أن يقبلوا من البداية، أن العقل التقليدي لن يقودَهم الى أي مكان، ذلك أن عقلا مسلما جديدا، هو الحدُ الأدنى للإنطلاق. وبدون إعادة تنشيط عقولنا، لن ندرك إدراكا كاملا طبيعة ومقدارَ خمولِنا. “لقد انكشفَ الإسلامُ اليومَ أمام الإرهاب، وقد كان مكشوفا أمام العقل، وما انكشافُه إلاّ بفعل الفقهاء الأوائل. لقد حاولتُ، يقول الكاتبُ، أن أكتب في موضوعٍ صعبٍ وشائك، وإذا كان هناك من يشرحُ الأمورَ بشكل أفضلَ مما فعلتُ فانا أرحِّب وأحتفظُ بالحق في تعلِّم المزيد. أنت ترى أيها الصديقُ تهذيبَ الكاتب وتواضعَه، فإذا كان لديكَ أفضلَ مما خبرَ وقرأ، فلا تبخلْ به على صاحبنا.

كيف اكتشفَ الإسلامُ كنوزَ العالم الهيليني؟ يقولُ رايلي أن الجزيرة العربية جزيرةٌ مغلقةٌ تاريخيا، لم تدخلْها الفلسفةُ، ولا حتى الثقافات المهاجرة، عاشت تتعبدُ لمئات الآلهة ويغزو بعضُها بعضا، ومع وصول القرن السابع الميلادي، بدأتْ تتغيرُ ملامحُها تحت ضغط الديانة التوحيدية، ودعوتها الجادة للألفة والمساواة {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا}

تآلفَ المسلمون وتوحدتْ قلوبُهم، توسعتْ الفتوحاتُ، وانتشر الإسلام بسرعة قياسية من حدود الصين، الى الحدود الفرنسية، مبشراً بكتاب شاملٍ جامعٍ فيه كلُّ شيء ولا ضرورةَ لما هو خارجٌ عنه. بهذا المعنى الشمولي، ذكر ابنُ خلدون أن سعد بن ابي وقاص، طلب إذنَ الخليفة عمر بن الخطاب ليوزع ثروة كبيرة من الكتب كغنيمة حرب. فكتب اليه الخليفةُ يقول: “اطرحوها في الماء فإن يكنْ فيها هدى فقد هدانا الله بأهدى منه، وإن يكُ ضلالا فقد كفانا الله”

اصطدمت الفتوحاتُ الإسلامية بالثقافات الجديدة للشعوب التي دخلتْ حديثا في الإسلام، أو التي بقيتْ على حدوده، وما بقِيَ على الحدود ليس منعزلا عنه. فقد تسربتْ الى الممتلكات الجديدة مفاهيمُ الفلسفة اليونانية، التي كانت قد فعلتْ فعلَها في دفاعات المسيحية الأولى، ممثلة بحركة الفيديزم Fideism التي اعتبرتِ الإيمانَ مستقلاً عن العقل، وبنسطورية بطريرك القسطنطينية، عندما احتدم الصراع حول اتحاد الطبيعة البشرية مع الأقنوم الإلهي للمسيح. فمريمُ أنجبتْ إنسانا وليست أماً للإله. ثقافاتٌ، أو قلْ، دفاعاتٌ لم تكن مألوفة للمسلمين، فأطلقوا عليها،استغرابا، اسمَ العلوم الدخيلة.

كان القدْريون قد دفعوا ثمن قناعاتِهم قتلاً وصلباً (معبد وغيلان الدمشقي…) في العهد الأموي. عندما أكدوا على الإرادة الحرة للإنسان، حتى يكون الإلتزامُ الأخلاقيُ لفعل الخير، التزاماً منطقيا وذا معنى. ثم نشط اللاهوتُ الدفاعي بين المسلمين وباقي الديانات التوحيدية، وكان المسيحيون أكثرَ ضلوعا فيه، بفعل ثراء اللغة السريانية وانفتاحها على الترجمة، نزعَ الجميع نحو المفاهيم اليونانية وخاصة علم المنطق، ثم في وقت متأخر نحو علوم الفلك والكيمياء والرياضيات والعلوم الطبيعية. وبدأ العقلُ المسلم نشوتَه وأولى فتوحاتِه. نشطتِ الترجمة وقاتلَ المعتزلةُ في هذا المعترك، عن سلطة العقل وأسبقيته، قتالَ فلاسفة اليونان.

يقولون إن الله يقاتلُ في الحروب الدينية مع الطرفين، وقد خَبِرْنا ذلك وصدَّقناه في الحروب الأخيرة للمنطقة، كذلك كان القرآن في أول المعارك المذهبية للمسلمين داعما للطرفين، فمن جهة أيَّدَ الأشعريين في قولهم بقوة الله وإرادته المتعالية، وساند المعتزلة في إصرارهم على عدلِه وعقلانيتِه، فقال: (فمن يُردِ اللهُ أن يهديَه يشرحْ صدرَه للإسلام  ومن يُرِدْ أن يُضِلَّه يجعلْ صدرَه ضيقاً حَرَجا). ثم قال للمعتزلة: (من عملَ سيئةً فلا يُجزى إلاّ بمثلِها ومن عملَ صالحا من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ فأولئك يدخلون الجنة يُرزقون فيها بغير حساب) ودعمَ هذه المعضلةَ بقولٍ من سورة النحل: {ولو شاءَ اللهُ لجعلَكم أمةً واحدةً ولكن يُضلُّ من يشاء ويهدي من يشاء ولتُسْألن عما كنتم تعملون} لم يكن هذا الخلافُ فقهياً ولا سياسياً، كان يراوحُ بين السياسة والدين، فقد قتل عبدُ الملك بن مروان عمرو بن سعيد، وقذفَ برأسه لأنصاره قائلا: قُتِلَ زعيمُكم كما قدِّر له في اللوح المحفوظ.

بتأثير من العقل الهيليني، كان المعتزلة رُوَّادا في علم الكلام. دعموا دور العقل في معرفة الاشياء، فتأملْ ايها الطبيبُ قولَ الجاحظ  776 ـ 869  مؤكدا على قانون السببسة الذي نفاه الأشاعرةُ، قال: “إن الله خلق كلّ شيءٍ بطبع، فالصخرة التي لا يسنُدُها شيءٌ، تسقطُ دائما حيثُ تكون قوةٌ جاذبة، والقوةُ الجاذبة ليستْ فرضا للنظام من خارج الشيء، بواسطة قائدٍ أعلى، بل هي تغييرٌ من جوهر الأشياء”.

يخوضُ الكاتب في فلسفة المعتزلة معتمدا على مؤلفات القاضي عبد الجبار 935 ـ 1025 ، المكتشفةِ في اليمن في خمسينات القرن الحالي، على ما زعم، ليخْلصَ الى أن الإنسان، وبمعزل عن الوحي، قادرٌ على إصدار الأحكام الأخلاقية. أصبحت تعاليمُ المعتزلة دينَ الدولة أيام المأمون، راعي العلم والفلسفة في التاريخ الإسلامي. واستمرت الرعاية زمنيْ المعتصم والواثق، وإن بوتيرة أضعفَ وحماسٍ أقل. وفي عهد جعفر المتوكل، انقلبتِ الطاولة على المعتزلة، أُحْرِقت كتبُهم وأزيحوا عن مواقع السلطة، أُطلقَ سراحُ أحمد بن حنبل، وجُلدَ الكندي فيلسوفُ المأمون وهو في الستين، ستين جلدة، وسط حماس الجمهور وتهليله. أغْلقَ بيتُ الحكمة واسْتُحْلفَ الوراقون ألا يبيعوا كتبَ الفلسفة، على رواية الطبري 838 ـ 923 . فهرب المعتزلة الى المناطق البويهية ـ مناطق الشيعة ـ وكانت هذه هي الفترة التي اختبأ فيها الإمام الثاني عشر، ليعتمدَ الشيعةُ، بغياب الإمام، على أنفسهم ، أو على ثروة الإعتزال. وفي نهاية القرن الثالث عشر انحصرتِ المعتزلة  على ما يقول ريتشارد مارتن Richard martin في كتابه ( الدفاع عن العقل في الإسلام)، في الأماكن النائية في قزوين، وفي مناطق الزيدية في شمال اليمن.

رفض الأشعريون العقلَ، وأدانوا منطق العلوم، كما فعل الغزالي في إدانته للكيمياء وتبخيسه للرياضيات، وكما رفضَ ابنُ خلدون الفيزياء، فقد كان ـ ويا للمفارقة ـ  أشعريا أعرض عن هذه العلوم وقال: “ينبغي الإعراض عن النظر فيها، إذ أنه من حسن الإسلام، تركُ المسلم ما لا يعنيه، فإن مسائل الطبيعيات لا تهمنا في ديننا ولا في معاشنا، فوجب علينا تركُها”.

كان أبو حنيفة 699 ـ 767 ومالك بن أنس 715 ـ 796  والشافعي 767 ـ 820  وأحمد بن حنبل سجين المأمون 780 ـ 855، مؤسسين للمذاهب الأربعة. أغلقوا جميعا باب الإجتهاد فلم يعد المسلمون بحاجة بعدُ للمزيد من التفسير والشرح أو الإضافة. وهذا ما يفسر، حسب العالم البريطاني مونتجمري وات William  Montogmery Watt، لماذا كان العلمُ الدينيُ في الإسلام مقتصرا على الفقه دون اللاهوت فقد قال بنُ حنبل إن الإنصراف عن اللاهوت أزكى للدين. والحديثُ حول أي شيء لم يناقشه الرسولُ ضلالٌ. وقيل إن ابن حنبل “لم يأكلِ البطيخَ على الإطلاق، لأن ليس هناك ما يَدُل أن الرسول أكله “انتشر مذهبُه في السعودية وأغلقَ أذهان تابعيه بمقولتيْه: دعِ الجدالَ و سَلِّمْ بالنصوص، وإذا تطلَّبَ ما أوردَه النصُ إنكارَ العقلِ، فليكنِ الإنكارُ بلا كيف.

أيها الصديق العزيز، لن أدع المؤلف يشغلك عما أنت فيه، بما انصرفَ إليه من تفاصيل النزاع في علم الكلام، لكني حريص على أن أنقل اليك تأثيرَ العقل الهيليني ليس على المعتزلة فقط وإنما على خصومِهم أيضا، فقد أخذ الأشعريون ـ بشكل مشوه ـ نظرية كريتيوس Kritios الذرية والمادية التي تؤكد عدم وجود تدخل إلهي في العالم المشاهد، ليعقلنوا القدرة الكلية، وينْكروا العلاقة بين السبب والنتيجة، فهناك على ما زعم الغزالي تجاورٌ في الحوادث، يجعلُ النارَ تُحْرق القطنَ، ولو أراد الله أن يفعل عكس ذلك لفعل. غدا نكرانُ السببية الثانوية راسخا في المذهب السُني، فانبرى ابن رشد للدفاع عن نظرية المعرفة قائلا: من رفع الأسباب فقد رفع العقل راداً على الغزالي القائل: إن الواجبات لا تنبعُ من العقل وإنما من الشريعة، يعني أن الله لا يحرِّم القتلَ لأنه شرٌ، لكنه شرٌ لأن اللهَ يحرِّمُه.

كان الغزالي فقيهَ الردة بلا منازع، واصل بعده ابنُ تيمية عصرَ الإنحطاط، أغلقا سوية عقل المسلم، فضاق العقلُ، ثم ضاقَ، ثم انكفأ وركنَ الى التوكُّل، لذا حظر أتاتورك ترجمة أعماله (الغزالي) عند محاولته تحديث البلاد وترسيخ القوانين الديمقراطية فيها. ذلك أن النظام الديمقراطي يحتاجُ دائما الى أساسه الفلسفي، والإلهُ المستبدُ لا يتَّسِقُ مع الخيار الحر.

دعني أيها الصديق، وقد أثقلت عليك أن أودِّعك بشهاداتٍ ثلاث: الأولى أن تقرير الأمم المتحدة الصادر سنة 2009 أكد على المنحى الإيديولوجي أو الفقهي للدساتير العربية، التي تفرِّغُ النصوصَ المتعلقةَ بالحقوق والحريات العامة من كل مضمون. لتسمح بانتهاك الحقوق الفردية باسم الإيديولوجيا، أو المذهب الرسمي. والشهادة الثانية، للباحث الأندونيسي هارون ناسوتيون، الذي كان مستعدا، مثلك اليوم، لارتداء عمامة الإعتزال الجديد علنا مع ما تحمله من لعنات التجديف. والثالثة لما أوصى به الكاتبُ التونسي العفيف لَخْضر عندما قال: “يجب أن تصبح العقلانية المفتوحة، التي تُخْضِعُ النصَّ الدينيَ للتقصي والبحث، أساسَ التعليم الديني في العالم العربي والإسلامي، لأنه من العبث تصديقُ النصِ وإنكارُ الواقع”.