كان لبنان من الدول القليلة التي بكّرت في انفتاحها على الغرب المادي، والقليلةِ التي تعرفت وإن مُتوانيةً على روحانية الشرق القديم. فقد تأثر أدب جبران وميخائيل نعيمة بثنائية الطبيعة والروح وما تركته تلك الثنائية على طبائع السياسة والأخلاق. ووافى كمال جنبلاط المؤمنُ بالتقمص وأبدية الروح بلادَ الهند والسند سعيا وراء مَعِين الفلسفة التي تُسعف اعتقاده وتُعزز إيمانه بعظمة الحياة الإنسانية وضرورة رعايتها. وقد سبق جميعَ الناس في توجهاتهم الروحانية وانفتاحهم على الثقافات الشرقية القديمة حركةٌ ألمانية قادها يوهان غوتيه مؤسس فكرة الأدب العالمي، والذي أثّر على معظم من جاء بعده في ألمانيا وخارجها ابتداء من النصف الثاني للقرن الثامن عشر وحتى أوائل القرن العشرين. فكتب جبران – وكان في العقد الثالث من عمره – يقول: “عندما تكلم زرادشت أخذ أقواله من روحي، وجنى فاكهته من نفس الشجرة التي جذبتني”. ما يعني أن صاحبَ النبي قد شحن رِئَتيْه من هواء الذُرَى الذي تنفسه نيتشه، فامتلأ بكتاب زرادشت وحمله دائما في حقيبته، تحدث عنه بشغف شديد، ونصح بقراءته كل من صادف أن جلس معه أو التقاه من معارفه. وقد تنسّم وهو في ظلال تلك الشجرة الباسقة للفيلسوف الألماني، ريحا نشرته جنائن هسّه التي بُنيت على ثمارها حضارة غربية باهرة. فما أن انتشرت دعوة هِسّه للفردانية حتى تلقّفها هيبيّو أوروبا وأميركا وبدأت تتجذر في صفوفهم حركاتُ التمرد على الأهل، والثورةُ على النظام المجتمعي وعلى الديانات والتقاليد الموروثة. فالإبداع ملكة فردية، تفكير أُحاديٌ مختلف، زاوله نيتشه وهسّه ومن بعدهما جبران… فكانوا روادا متواصلين ومبدعين.

بدأ فريدريك نيتشه (1844 ــ 1900) مسيرته الفكرية ناقدا عدوانيا ثم أستاذا جامعيا لـِفقه اللغة. ترك التعليم بعد اعتلالٍ عصبيٍ لم يمنعه من إنجاز كتابه “هكذا تكلم زرادشت”، الذي اعتُبر أقوى ما كُتب في مجال الفلسفة التي تمحورت سابقا حول هدم القيم الدينية. فالمسيحية من قيم العبيد التي تُعلل النفس بالحياة الآخرة، فتدعو للتواضع والمسالمة، بينما الإنسان الكامل إبنٌ للحرب، للغَلَبَة، وللسادة المغامرين. فما أروع نابليون – قال على لسان ناسِكِه – “وقد وهبه الملايينُ أنفسَهم كي يتخذ منهم وسائل لأغراضه، فإذا ما سقط منهم جندي تغنّى باسم قائده قبل أن يسلم الروح.”ً “ولم يكن القائد في أغراضه سفّاحا بل محسنا كبيرا وفّر لرجاله الموت المكلل بالمجد العسكري بدل الموت الذي يوفره التآكل الإقتصادي البطيء. ” وما سماه نيتشه أخلاقَ العبيد هو ما اعتقده “مسيحيةً منحلة ومُنكِرةً للمعرفة ولقيم الكبرياء والإختلاف والغضب والثأر وتأليه العاطفة وللنزعة الحيوانية الرائعة… وكلها عناصر خير استمهنَتْها المسيحية ووضعتها في باب الشرور الكبيرة. ” (برتراند راسل) وقع في حب سالومي (صورة المقال) Lou Andreas -Salomé الفتاة الروسية التي قيل إنها كانت — إضافة للزُّهري وتناول العقاقير المهدئة — من دوافع جنونه. وضع أمامه عام 1883 المخطوط الجديد “هكذا تكلم زرادشت ” وكتب الى ناشره يقول: ” لديّ خبر عظيم أزفه إليك… لقد خرجتْ من بين يديّ الآن مقطوعةٌ شعرية أو إنجيل خامس أو أيّ شيء لا يوجد له إسم بعد… ثم أردف يقول:” إن من يكتب بالدم والأمثال لا يريد لكتابه أن يُقرأ وإنما أن يُحفظ عن ظهر قلب”.

كان نيتشه يطمح أن يصبح الإنجيلُ الخامسُ بشارةَ الأزمنة الحديثة، وقد كتبه على شكل ملحمة من الشعر المنثور الذي يسعى لتأليه الإنسان الكامل والقوي والملحد. لم يبلغ الإنجيل طموحا توقعه الفيلسوف إلا بعد وفاته، ذلك أن الكاتب والكتاب امتلكا من الإرادة والجرأة ما فصلهما عن راحة القطيع، ومع ذلك طبع إنجيلُ القوة بعضَ النشاطات الأدبية والفنية والإيديولوجية وحتى الحربية بطابعه الخاص، فأثّر على تشكّل الأحزاب السياسية، وعلى حماسة الجنود في الحرب العالمية الأولى فحملوا الكتاب في حقائبهم كأنه ذخيرة حربية أو حِرْزٌ من المتعلقات الثمينة، ألّف Richard Strauss مقطوعته الموسيقية الشهيرة عن الكتاب، ومنه أيضا استلهم المخرج Stanley Kubrick أوديسة الفضاء. وكتب الأميركي Irvin D. Yalom أستاذ الطب النفسي في جامعة ستانفورد كتبا دراسية حول التحليل النفسي كان من بينها ” مشكلة سبينوزا” و”علاج شوبنهور” و”عندما بكى نيتشه”. حلّت في الرواية الأخيرة عيادةُ الطبيب محلَّ الفلسفة في تشخيص عاهات الروح. وقد دفعت سالومي بنتشه الى عيادة الفلسفة، وصارحت الطبيب المعالج أن صديقها قد يقدم على الإنتحار، وإذا وقع ذلك فإن الخسارة ستتعدّاها كصديقة لتطال ليس فقط مغامرة نيتشه الفريدة في تاريخ العقل وإنما لتُصيب الثقافةَ الأوروبية في مقتلها. وعندما استُدرج الفيلسوف الى العيادة، أبدى الطبيب (وهو في الرواية Josef Breuer) استغرابه من وجود التناقض بين كلامه الرقيق خلال الزيارة، وبين صوته الحاد الذي يكون أقرب إلى صرخة المحارب في كتبه. وما أن سمع نيتشه هذا الكلام حتى قال موضحا: أن ليس في الأمر لغز مربكٌ، فإذا لم يستمع إليك أحدٌ فمن الطبيعي أن تصرخ.

يقول المؤلف الأمريكي في ملاحظات تاريخية على هامش كتابه، أن نيتشه عانى أدواءً كثيرة، وأصيب بخَرَفٍ شَلَلي هو في حقيقته شكل من أشكال الزُهري. وثمة إجماع عام أنه كان يعاني من داءِ شقيقةٍ حاد. وأن سالومي ذات النهدين الضامرين امرأةٌ منفتحة في علاقاتها، ولم يكن يثقلها الشعور بالحب وإن أثقلتها عروض الزواج الملحاحةُ من أصدقائها الكبار. تعرّف إليها نيتشه في كنيسة القديس بطرس بينما كان يفتش عن فرائسه، غازلها متسائلا عن الكوكب السَنِي الذي سقطا منه سويا، ولم يلبث الصائدُ بعد رحلته الإيطالية إلا قليلا حتى علق في حبائل الفريسة وأقام معها علاقة حب عفيفٍ وجارف، فالفريسة مفعمة بضبط النفس في ما يتعلق بممارسة الجنس مع الرجال. شعر فيلسوف القوة بصُحبتها أن عملا عظيما بدأ يتهيّأ للظهور، لقد شرع زرادشت يتحرك لكي يولَد. ربما بذرت سالومي قبل تسعة أشهر في دماغه بذرة المولود الجديد، وربما كان من قدَرها تلقيحُ العقول الخصبة بالكتب العظيمة. فقد كانت أديبة لامعة ومحللة نفسانية متميزة، قبلت صداقة الفيلسوف ورفضت الزواج منه لأنها تعرفت بالسرعة الكافية على روحه العدمية، كما تعرفت على ما تُكِنّه لها شقيقتُه من عداوة سافرة فقد واصلت اليزابيت حملتها لترحيل ” لو” من ألمانيا بدعوى التهتك والخلاعة فكتبت في 26 تشرين الثاني من عام 1882 رسالة لوْمٍ الى شقيقها قالت فيها: “ليس هذا هو الوقت المناسب لتختفي، إن قردتك الروسية لا تتوقف عن نشر الأكاذيب، فقد ادعت أنك تحب طعم سياطها، وأنك لا تهتم إلا بشيء واحد منها … وهو جزء صغير من جسمها…” لازمت سالومي الفيلسوف بول ري ، ثم رافقت فرويد وكتبت له دراسة عن الجنس الشرجي، كما خادنت الشاعر الألماني Rainer Maria Rilke الذي دخل حياتها مثلما تدخل اليها الضرورة، علمته اللغة الروسية ليقرأ تولستوي وبوشكين، فكانت الرقيقة التي نادته باسم الدلع: راينر، وكانت القوية القاسية التي تعودت أن تنهي العديد من علاقاتها الغرامية بقليل من الندم.

تأثر (Herman Hesse(1962 – 1877 ثاني الأنبياء بدعوة نيتشه فهو على علاقة ساخنة مع الفلسفة الشرقية، فقد زار الهند وأقام فيها وكانت أمه السويسرية هنديةَ المولد. ثم عاد الى ألمانيا ليمزج ثقافته الشخصية ذات اللون الصوفي بثقافة نيتشه وشوبنهور، ما جعله أكثر قدرة على معالجة ثنائية الروح والطبيعة. تمرد على عائلته، ونفر من التعليم الديني والتقليدي، هرب من المدرسة ليشتغل ساعتيّا في إحدى الورش الصناعية، ثم بائع كتب عكف في أجوائها وبين صفحاتها على البحث والقراءة المتواصلة. اختار الإقامة الدائمة في سويسرا، فأينما يكن المرء في الشرق الصوفي أو الغرب المأزوم بماديته، توصلْه القراءة الهادفة إلى الموقع المتقدم في فهم الثقافات وهضمها. ألّف في ” بال ” مزيدا من الروايات الفلسفية ذات الطابع العقائدي أو الصوفي. وعندما كتب سيدرتا (ألإسم الحقيقي لبوذا) كان يسعى لفهم المعنى البيّن والجليّ للوجود، وبالتالي حل التناقضات الوجودية التي تعصف ليس بفكره فحسب، وإنما بفكر الجيل الأوروبي الذي مزقته الحروب الدينية والعالمية. كوّنت رواية سيدرتا إنجيله السادس وكانت أكثر أعماله رواجا وتجسيدا للفردانية ومن ثم تحريضا للتمرد على الأهل والدين والمجتع بكامل قيمه ونظامه العام. وهي رواية ذات طابع غنائي مليئ بالرموز والإنزياحات الشعرية المحاكية لكل ألوان المجاز أو الخَرْقِ بتعبير ابن جِنِّي، وخَرْقُ الشىءِ لغةً: النفاذُ منه أو المرورُ من خلاله كما نقول: خَرَقَ الحصارَ أو خرقتِ الرصاصةُ، كأن المجاز خرقٌ لرتابة اللغة، ومَثَلُ الخرق عندي – قال النحوي – مَثَلُ الجموح بلا لجام. فالخرق يصنع في أغلب الأحيان كاتبا أو شاعرا حرا وشاذا في تعامله مع نظام اللغة. خاض سيدرتا مغامرة البحث عن الحقيقة بكثير من المعاناة والتأمل، ثم عاد بعد انسداد الأفق الروحي ليجرب الملذات الجسدية، فتقاسم مع الزانيات وبائعات الهوى فراشا دافئا ووثيرا. ولما استفاق من مجونه، وراودته فكرة الإنتحار، سمع صوتا يردده النهر داعيا لوحدة الوجود. ما أدخله في غيبوبة تجمعت فيها الكائنات العاقلة وغير العاقلة في تموج وتداخل جعلا الكون جسدا واحدا. لقد وصل في لحظة نادرة التحقق والحصول إلى الحقيقة الكاملة التي جددت طاقته وأغنت خَلَدَه.

حاز هسّه جائزة نوبل للآداب عام 1946 ودفع بأفكار اعتبرها النقاد مخاضا لولادة جيل الأنا (Me – Génération)، “وهي أفكار دفعت نحو المزيد من التحرر الفكري… ليكون كل شيء مباحا الجنس والمخدرات والمساكنة… فانطلقت حركة تحرر جنسي غير مسبوقة في السينما والأدب وبقية الفنون رافقها ميل للتعرية الجسدية كتعبير عن تحرر الروح… فللجسد حق التمتع بالهواء وأشعة الشمس أو التظاهر مكشوفا أمام البرلمان… أو في شوارع المدن من أجل حرية الجسد أو من أجل قضية عادلة تتعرض للتصدع والإنتهاك”. (تاريخ لبنان الثقافي. كمال ديب).

في عام 1929 وضع جبران بالتزامن مع سيدرتا اللمسة الأخيرة على نصوصه، التي بقيت زمنا قصيرا تعاني — كما تعاني كل النصوص — من صعوبة اختيارها للعناوين المناسبة. فكتب يصف الولادة العسيرة للنبي بقوله:” كأنني كنت أفكر فيه منذ آلاف السنين، وحتى العام الماضي لم أدون صفحة واحدة منه على الورق. هذا الكتاب يمثل ولادتي الثانية… لقد وضعت فيه كامل كياني” (وهو نبي المسلمين المصطفى أو المختار قياسا للنبييْن السابقين زرادشت وبوذا). ولا شك أن كيانه هذا كان مأخوذا بالرومانسية الألمانية التي سحرتها روحانية الشرق كما مثّلها نيتشه وشوبنهور، هسّه ويوهان غوتيه. لقد كان جبران كاتبا غربيا وشرقيا متطرفا ومنطويا على نفسه، منقطعا عن الأصدقاء والأقارب ومتمردا على عوائد البشر وعقائد الدين. وقد وضع نفسه في الموقع الراديكالي المتشدد الذي أكّده بقوله: ” أنا متطرف حتى الجنون، أميل إلى الهدم ميلي الى البناء، وفي قلبي كره لما يقدسه الناس وحب لما يأبونه. ولو كان بإمكاني استئصال عوائد البشر بتقاليدهم وعقائدهم لما ترددت دقيقة واحدة. أما القول ان كتاباتي سم في دسم فكلام يبيّن الحقيقة من وراء حجاب كثيف، فالحقيقة العارية هي أنني لا أمزج السم بالدسم بل أسكبه صِرفا. غير أني أسكبه في كؤوس شفافة”. (العواصف)

لم يكتب جبران نبيَّه بالحبر، وإنما كتبه كنتشه بدم القلب. وهو أثرٌ ذو طابع أخلاقي يحاكي لغة الإنجيل (الحق أقول لكم) وقد صُنّف في مكتبات العالم في قسم الكتب الدينية. فعندما قرر المختار او المصطفى أن يغادر أورفيليس الصاخبة (نيويورك) عائدا الى الشرق الهادئ والنقي (لبنان) الذي غنّاه وغنّته فيروز في قصيدة المواكب، تجمع الناس لوداعه فسألوه عن الحب والصداقة والزواج عن الحرية والقانون والدين وعن أشياء عديدة أخرى حتى تشكّلت النصوصُ الجميلة للكتاب. فلما سألته امرأة تحمل وليدا عن الأطفال قال: ” أطفالكم ليسوا لكم، أطفالكم أبناء الحياة، من خلالكم يأتون ولكنهم ليسوا لكم، يمكن أن تمنحوهم محبتكم ولكن ليس أفكاركم… يمكن أن تقدموا لهم مأوى لأجسادهم لا لأرواحهم. لأن أرواحهم تسكن في بيت الغد.” وعندما سأله آخر عن الزواج قال:” ولدتما معا وتظلان معا… ومعا حين تبددكما أجنحة الموت البيضاء. وليكن بين وجودكم معا فسحاتٌ تفصل بعضكم عن بعض… ليملأْ كل واحد منكما كأس رفيقه ولكن لا تشربوا من كأس واحدة… قفوا معا ولكن لا يقرب أحدكما من الآخر كثيرا لأن عمودي الهيكل يقفان منفصلين، والسنديانة والسروة لا تنمو الواحدة منهما في ظل رفيقتها”

وبينما كان المصطفى يهبط من التلة بعد أن شكّلت الإجابات الحكيمة إنجيله السابع، غلبتْه موجة من الحزن فقال في سرّه: كيف يمكنني أن أغادر هذه المدينة دون أن أحزن ودون جرح عميق نازف في القلب…

في عام 1895 عامَ وصوله إلى بوسطن كان جبران ابن ثلاثة عشر ربيعا، تعرف على Fred Holland Day أو تعرف عليه داي. رسام يهوى تصوير الأولاد الشرقيين عراة أو بملابسهم التقليدية. وكان الرسام يدخن النارجيلة ويعتمر عمامة مستوحاة من ألف ليلة وليلة. يقول Robin Waterfield كاتب السيرة الجبرانية أن الرسام عامل الفتى الشرقي كأمير صغير، اشترى له ثيابا مزركشة كثياب الأمراء الشرقيين، وتصرف جبران على هذا النحو فتربع سريعا ومطواعا على كرسي إمارته. أثار غيابه المتكرر عن البيت ريبة أمه ذات التربية المحافظة فقد كان والدها السوري مبشرا مسيحيا، ثم أن داي مثليٌ بروتستنتي مناهض — فوق ميوله المثلية — لعقيدة كنيستها المارونية، ما دفعها لإعادة طفلها سريعا الى مدرسة الحكمة في بيروت خوفا من انحرافات داي وليس تقية من تشرّب الإبن ثقافة أجنبية كما يزعم اللبنانيون المغالون من كتّاب سيرته.

ولما عاد الى بوسطن تعرف على Mary Haskell التي زودته فيما بعد بالمال اللازم لدراسة الفنون التشكيلية في باريس. وقد تركتْ هذه الإقامة القصيرة انطباعا لم يُمح من ذاكرة الشاعر أو الفنان فوصف كيف كان يعود بروحه كل مساء الى باريس ويتيهُ بين بيوتها. وكيف كان يستيقظ كل صباح وهو يفكر بتلك الأيام التي أمضاها بين معابد الفن ومعابد الأحلام. ومن باريس المثيرة لغرائز الحب أغرق ماري بفيض رسائله المشتعلة، واتفقا بعد إعلان الخطوبة في بوسطن أن يتزوجا فور استقرار الكاتب العاشق واللاعاشق. لكنه لم يسع وراء قرارٍ أو سكينة بل انصرف لملاحقة “سالومات” أميركا الصغيرات، وجاء في سيرة هاسكل أنها تعرت أمامه برغبة المضاجعة فتراجع مذعورا زاعما أن علاقتهما علاقة افلاطونية. حاولتْ عبثا أن تكون المرأةَ الأثيرة في حياته وأن يعلم الجميع بحبها على عادة ما ترغبه النساء في إشهار حبٍّهن. لكنه ومع كل ما قدّمَته أنكرها علانية ولم يقدِّمها حتى الى أصدقائه، واستمر مع ذلك يتقبل شيكاتها بالرغم من وضعه المالي المتحسن من عائدات الكتابة والرسم وإصدار الكتب.

فكّر جبران أن يكتب بالأنجليزية باعتبارها لغة المجد والشهرة، وكانت ماري المتمكنةُ من شوارد اللغة جاهزةً للمساعدة، فكان على ما ترويه يقدّم لها الفكرة فتجتهد في انتقاء الكلمات والتعابير المناسبة للإحاطة بمضمونها وإشباعها بالمفردات التي تقع مباشرة على لطيف معانيها، ما جعل ماري مشارِكة فاعلة في التأليف. استمر عملها في قراءة النصوص وإعادة كتابتها حتى أصابته المنية عام 1931 بسهام السُّل أو ربما تليّف الكبد الناتج عن إفراطه في تناول الكحول، فقد عاش حياة لاهية ومناقضة لما كان يدعو اليه في كتبه من قدسية طاهرة ورومانسية تُجللها روحانيةُ الشرق الهادئ والخامد والنقي. فكان حريصا على بقاء صورته ناصعة البياض بين الأقربين من معارفه حتى لا تشوّه الكحول والمغامرات النسائية صورة رسمها لنفسه كناسك وكائن علوي.

كشف روبن واترفيلد أن جبران كذب كثيرا أمام الإعلاميين، فروى لهم فصولاً من أحلام يقظته ليُخفي على ما توهّم ضِعة منبته، فزعم أنه من عائلة نبيلة، تسكن قصرا منيفا في بشِرّي، (وكان الوالد راعيا للماعز، ثم موظفا في صيدلية، ثم جابيا هجرته العائلة بعد أن سُجن بتهمة الفساد المالي وتبديد أموال الضرائب على طاولة القمار.) كما ادّعى أن أسرة أمه هي الأكثر ثراء في سوريا لما تملكه من قرى وأراض شاسعة (قليل من يذكر الأصول السورية لجبران خليل ميخائيل سعد وقد نزحت عائلته من دمشق الى بشري) وزعم أيضا أن الأساتذة الألمان والفرنسيين كانوا يتوافدون الى داره الفارهة والفخمة لتعليمه كأرستقراطي صغير ومدلل. وأنه خلاف أقرانه كان مقتنعا منذ صغره أن مصيرا عظيما بانتظاره. وكانت ماري تصدق هذه الأكاذيب وتواصل دعمها المالي مخاطبة جبران بما يشبع غروره وبما يحب أن يُخاطَبَ به كقولها: يا جبران المتألق بروحك الأبدية. كما دونت ماري بعضا من شطحاته المجنونة، فقد خال كما يخال الأنبياء أو الصوفيون أنه استحال مرة الى صخرة، وأنه تبخر أكثر من ألف مرة في الهواء ليسقط على الأرض قطراتٍ من ندى. وزعم أمامها أن نظرية النسبية حضرت في ذهنه قبل أينشتاين، ولكن لم تسنح له الفرصة لتدوينها.

وبالرغم من هذه الشطحات الصوفية كان لجبران فضلٌ في تدشين عصر النهضة وإثرائه، فدعا للحرية ونبذ التقاليد، مستخدما في دعوته أسلوبا قصصيا وإنشاء فريدا ترك بصماته لاحقا على أدباء لبنان والعالم العربي، فترددت في كتاباته موسيقى جبرانيةٌ خاصةٌ ومميزة، حالمةٌ حينا وصاخبةٌ بعض الأحيان، كما توزعت ما بين سطور لغته الجديدة والجميلة أمثال كثيرة وحكيمة. لم تعرف الولايات المتحدة في الربع الأول من القرن العشرين في ما أصدرته من كتب، كتابا قطف من الشهرة ما قطفه النبي. فقد نافس الأسبرين مبيعا، وقرأه الأمريكيون ككتاب ديني يداوي القلق يزيل الإضطراب وينشر الراحة النفسية. ردد القضاة عند تلاوة أحكامهم شيئا من نصوصه الأخلاقية، واقتبس الرئيس الأمريكي جون كندي في خطاب القَسَمِ مقاطع من نصائحه السياسية دون أن يشير اليه. وكانت مجلة الفنون السبعة The seven arts التي كتب فيها برتراند راسل طريقَه لمزيد من الشهرة بعد أن نشر فيها بعضا من رسومه ونصوصه الأنجليزية الأولى. تُرجم النبي الى الألمانية والفرنسية بعد سنتين من صدوره، فقد كان موازيا في مضمونه لما كتبه نيتشه الذي غلبت على معالجة نصوصه فلسفةٌ رمزية، بينما كان جبران وفي نفس المواضيع روحانيا وناسكا علويا. وفيما أعلن نيتشه موت الإله ونهاية الهيمنة الكنسية God is dead وضع جبران كل البيض في سلّة ” الإله الميت”.

كانت رسوم جبران العارية بروحها الغامضة والهائمة، تُضافر كتاب النبي وتزيد من جلال نصوصه. فمنذ أن أهدته أمه ألبوم دافنشي سحره هذا الرسام والنحات والمهندس المعماري وسكن بين جوانحه حتى قال: “لم أر قط أعمال دافنشي إلا وانتاب أعماقي شعور بأن جزءا من روحه يتسلل الى روحي”. وبينما كانت اللوحات المرافقة للكتاب تختمر في ضميره كَتب الى هاسكل يقول: ألم أخبِركِ كيف رأيتُ وجه النبي؟ ذات ليلة كنت أطالع كتابا وأنا في فراشي، تعبت، توقفت، وأغمضت عينيّ… فرأيت وجه يسوع واضحا جليا… وقد أكون نائما أو مع صحبي فتتراءى لي تفاصيل جديدة من وجهه فأنهض لأرسمها… عرض لوحاته في أكثر من صالة في الولايات المتحدة وعرض في باريس لوحة الخريف في الصالة الوطنية للفنون الجميلة ومضى يترقب أن يمر أمامها الفنان الفرنسي الكبير رودان. ولم يتأخر شيخ النحاتين حتى دخل المعرض، وقف أمام اللوحة قليلا، هز رأسه ومضى. وقد ظهرت المرأة في هذه اللوحة مخلوقا متغيّماً مثلَ الآلهة تماما في الضبابية والتقديس وهي — كما رآها في الشعلة البيضاء – ” امرأة تمنحها الآلهة جمال النفس مشفوعا بجمال الجسد، ظاهرة غامضة نفهمها بالمحبة ونلمسها بالطهر، وعندما نحاول وصفها بالكلام تختفي تحت بصائرنا وراء ضباب الحيرة والإلتباس… إنها نوع من النبوغ الشعري الذي نشاهد أشباهه في القصائد السامية والرسوم والألحان الخالدة.” وقد رسم هذا الكاتبُ والفنان المتألق – إضافة للمئات من لوحاته — بورتري Thomas Edison وعالم النفس السويسري Carl Jung اللذين قبلا الجلوس أمامه. ووعده Henri Bergson ان يعطيه في باريس الوقت اللازم لرسمه، وقبلت الممثلة الفرنسية Sarah Bernhardt أن تجلس أمامه شريطة أن يرسمها عن بعد، حتى تختفي — وراء سديم المسافات البعيدة — الملامحُ الدقيقة والطارئة لوجهها الجميل وقد بلغت عامها التاسع والستين. (تاريخ لبنان الثقافي. كمال ديب)

م عادل الحاج حسن