إلى ذكرى الشاعر الكبير محمود درويش


أنتَ لستَ الآنَ منّي

لا ولا أنت بُني

قِفْ على مفرقِ الروحين دهراً

لن ترى غيرَ الأثافي

أنتَ لستَ الآن منّي

لا تساومني انتساباً

جُرحُ ميراثي يَنِزُّ

أنت لست الآن مني

أنت من أنت بُني؟

أنت خيطُ الرايةِ السوداءِ والبئرِ العميق

لا رفيقٌ مرَّ من بابِ انهزامي

لا شقيقٌ لا وريث

أخوةُ الأحلامِ غطّوا في تفاصيلِ المنام

ضاعتِ العيرُ بحينا حين ظلوا سارقين

لم أكُنْ يوماً أباهم لا ولا حتى أباك

زوجتي ظَلَّتْ عجوزاً

مُنذ فَجرِ الجنةِ الأولى رمتني

وأنا شيخٌ عقيمٌ

لم أُجُرِّبْ لذةَ الموتِ اشتهاءً بينَ أحضانِ النساء

طارتِ الأيامُ من كفي سرابًا ومياهً وغُثاء

أنت لست الآن من بعضِ أوراقِ الحريق

لسْتَ سيفاً من حروبِ الرومِ رمحاً

يفتحُ الريحَ أسرابَ الغمامِ

لست ذئباً

يا سليلَ الغدرِ ما فتَّقتَ أزرارَ القميص

أحمر الحبرِ تبدى في عويل النادبات

ليس في البئرِ دلاءٌ

كاذبٌ حبلُ الرجاء

قد توهمت خروجاً

أنت لست الآن شيئا

يوسفُ الصدِّيقُ ماتَ قبلَ ميعادِ الكلام

بَعْثر الياقوتُ أخلاقَ الرجالِ

يومَ كانَ الخبزُ وجهاً يَشْتَهي لونَ النهار

زنبقُ الروحِ رغيفٌ أوقَدَ التنورَ في رأسي وطار

أنت في البئرِ تُغني

تَحْسَبُ الموتى أكياسَ الدقيق

أنت وهمٌ حطَّ فوقّ كفيك الخيال

صاحبُ السجنِ فطينٌ حَطَّمَ الحُلْمَ انتحاراً في متاهاتِ السلام

صاحبُ السجن فطينٌ ظلَّ مرهوناً لقتلي

يرْسُمُ الأيامَ ملحاً وحريراً في مناديلِ الكلام

ذاتُ نصرٍ كان للوقتِ مكانٌ خلفَ أوراقِ الزمان

طعمُ نارٍ

كان للبيتِ سياجٌ

كان للعيسِ حاديها الرشيقِ

أنت لست الآن قديساً يُصلّي أو جميلاً

تفتنُ الألبابَ

عندَ البابِ لمْ تَقِفْ تلك الـ ( زليخة )

يومَ أعلنتَ للقمحِ انتصاراً

وانهزمتَ حين فسرتَ المنام

أنت لست الآن مني

لم أُرِقْ وهماً عليك

مبصرٌ

كلُّ ما فيَّ بصيرٌ

يُكْمِلُ الحقلُ أعراسَ السنابلِ

وقِطَافُ التوتِ خمرٌ عتّقَ الكأسَ بظلي

راحَ يرمي باقيَّ الخوخِ لقلبي

حين مرَّ الطيرُ رأسي

كنتُ مشغولاً بنصفي

أرسُمُ الغُصْنَ مشتاقاً

وباباً يبتغي ماءً لوجهي

شمْسُكَ الآنَ تموتُ

والفراشاتُ تَظَلُّ بين عينيك تطير

تَنْقُرُ الجبَ والقمحَ والصاعَ والقصرَ

والسكينَ والكفَ العزيز

أنتَ لستَ الآنَ شيئاً كي تُفَاوِضَ أو تساوم

أنت تحت الصفرِ أصفارٌ طويلة

أفتح التاريخ وأخرج من ثقوب الخلف سراً كي ننام

فغدا يأتي الشتاءُ