“أحيانًا تَقْتُلنَا مشاعرٌ لا أسْمَاء لها”

فِي الْوَهْلَة الْأُولَى الَّتي أَقّبَلتْ نحوي تِلك الْمرْأَة المُسنّة، بلباسها القرويّ الْبَسِيط، وفستانها الكُحليّ أَبُو العُبّ الفضفاض الَّذِي يجْعَل المرْء لا يُميّز بيْن مُحيط صدرِها وخصرِها، ومشّايتها الرثّة الْقَدِيمَة الَّتِي تجرُّ مَعَهَا عُمْرِهَا كلّه..

كَادَت تتعثّر بشرشفها الصّوفيّ الدّاكن، ذُو الخُطُوط الْحَمْرَاء الكاشحة والّذي كَان يلفّها مِنْ رَأْسِهَا حَتَّى أَخْمَص قَدَمَيْهَا، عِنْدَمَا جَلَسَت بِجَانِبَي عَلَى الكرسيّ الْكَبِيرِ في صُنْدُوقٍ الْمَرْضَى، كَانَت تُغَطِّي فمِها بِكمِامَة مُجعلكة نوعًا مَا وكَأَنَّهَا اسْتَعْمَلْتها مرّات عَدِيدَة وَخَطَر بِبَالي، رُبَّمَا حتَّى المصورين المحترفين بعدساتهم العصرِيّة الخرْقاء والَّذين يَسْتَطِيعُون رَصَد وردة جوريّة تتفتَّح؛ أَوْ سوقٍ شعبيٍّ بكلّ تَفاصِيله الصَّغِيرَة، لأهون عَلَيْهِم مِنْ رَصَد تِلْك اللَّحظة الـمُـهيبة، الَّتي زَغْرَد فِيهَا قَلْب تِلْكَ الْمَرْأَةِ وانفرجت أَساريرُها، عِنْدَمَا نَادَى مُكبّر الصَّوْت فِي الْقَرْيَةِ مُعلِنًا عن حَمْلِة التنزيلات الْهَائِلَة عَلَى كلّ أَصْنَاف اللُّحوم وَاَلَّتي تشْمل الدَّجاج الأمريكانيّ العتقيّ الَّتي جفّت عناقيدِه وشحّ انتاجه، وَبدَل دفنه فِي حُفر الرَّدم الصّحّيّ، يُباع بِأسْعَار زهيدة لسُكان القُرى الَّتي مَا زَالَتْ تُعْتَبَر هَذَا الدَّجاج سِرّ جودة طَبْخِة “المُغربيّة” والَّتِي يعتبرونها أشْهى طبخات كوانين..

– سمعْتِ يَا خَالَتِي شُو قَال..؟ خمس جاجات بميّة..!
سَأَلْتنِي بَعْد أنْ خلعتْ كمامتها وأعادتها بسرعة البَرْق، خوفًا مِنْ الْوَبَاءِ اللَّعين..
– نَعَمْ يَا خَالَتِي سمِعْت..
أجبتها دُونَ أَنْ ألْتفت إلَيْها، حَيْثُ كُنْت مشغولةٌ بِفَتْح رَسَائِل وصلتْني عَلَى الواتس أب، لَمْ يَسْمَحْ لِي وَقْتي بفتْحِها..
– يَا رَيّْت يَا خَالَتِي لَو حَدا بياخذني أشْتُرِي ولَوْ أَنَّه بمية شيكل، بكفّوني كُلّ فَصْل الشِّتَا..
تَابَعَت التحدِيق بصندوق الْعجب خاصَّتي وَلَم أجبها..
– سقا اللهُ عَلَى أيَّام زَمَان، كنّا نسّتنى برْد كاوانين عَلى أحرّ مِنَ الجَمْرِ، تنذبح الدُّيُوك اللَّي كبَّرْت فِي القُنّ.. ونطبخ عَليْها..
– “….”
– لَو معِي نَمْرَة كنتي..؟ أَو حَفِيدِي تَامر.. كُنْت قُلتلك تحاكيهم منشان يوصلوني..
– يَا ريْت يا خَالَتِي . . لَو بِعُرْف نُمرتهم كَنْت حاكيتهم . وساعدتك مِن كلّ قَلْبِي..
أُنْزِلَت كِمامَتَها مرة أُخْرى، وَقَالَت بحسْرة وامتعاضٍ:
– لو.. في حَدا يُوصلني.. الدَّجاج الأمريكاني بيجي مرَّة واحدةٌ فِي السَّنة!

– آسْفَه . . أجبتها بضجر.. – كمان شوّيَة مَوْعِد عَوْدِة وِلادِي مِن الْمدرسة.. وقتي ضيّق جدًا يَا خَالَتِي.. وَالْخَيْر وَفِير؛ كل يَوْم تُوجَد فِرَاخٌ طرَّية طازجة فِي كلّ المحلّات التجاريَّة وَهِي أَطْرَى عَلَى أسنانك، وَلَا تَأْخُذُ غَلْي عَلَى النّارِ..

– أَخ مِنْكُمْ يَا بَنَات الْيَوْم! قَالَت بعصبية، عَلَى زَمَانِنا كَان اْلولد يَشْبَعْ مِنْ عيق المجدْرة، حَفْنَة عّدس وحفْنَة بُرغَل ، بيطعموا كلّ الْعيْلة ونبعث صَحْن للْجِيران.. وإسّا بطّل الدَّجاج الأمريكاني يعجبكوا!؟

– يا خالَتِي الْيَوْم الدُّنيا تغيَّرت، الكنتاكي والشنيتسل والمسخَّن والجريل، بكبسة زرّ؟ توصلك جاهِزة مَعَ كُلِّ السَّلَطات والمُقبّلات بلا تَنْظِيف وَطَبخ وَنَفخ وَوَجَع سِنان..

وخيّل إليَّ أَن جُملتي الْأَخِيرَة، استفزّتها وَزَادَت حدّة غضبها وأيقظت فِيهَا مَشَاعِر مكبوتة مُنْذ أمدٍ طويلٌ؛ حَيْث خلعتْ كمامتها نهائيًّا واسترسَلَت فِي حَدِيثِهَا بصوتِ عالٍ، جَعَل السكرتيرة الْمَشْغُولَة فِي الرَّدهة، تَتْرُك حاسوبها وعملها وَتُتَابَع حَدِيث تِلْك المرْأة، مَعَ كُلِّ الحَاضِرِينَ فِي الْعِيَادَةِ وَبَدَأَت تتكلَّم بِثِقَة واعتزاز وكَأَنَّها قَرَأْت كلّ كَتَب إِبْراهِيم الفقيه وَكَانَت كلُّ كَلِمَة تَقُولُهَا تُسَاوِي “ليّرة ذهب” عصّمليّة..

بَدَأَت بحديثها عَن دُكان عمَّي أبُو حُسَيْن، الَّذي كَانَ يَبِيعُ فِيه كلّ شَيْءٍ، مِن الإبْرَة حَتَّى فتيلة اللوكس والخُضار وَالْفوَاكِه الطّازجة يوميًّا، وسمّ الْفِئْران وَشُرْبَة الْمِلْح لمغص الْبَطْن، وَصِبْغَة الْمَلابِس وَأَبَرّ الْخِيَاطَة، وَالسُّكْر وَالْمِلْح وَطَحين الإعاشة، ونُقلية الْعِيد وشوكلاطة “سلفانا” مِنْ مَدِينِهِ رَام اللَّه.. وأخيرًا وصلت لشاحنة الدَّجَاج الْبَلَدِيّ، الَّتِي كَانَتْ تَصِل فِي سَاعَاتِ الْفَجْر الأُولى مِن كلّ يَوْم أحد، وأسْهَبتْ حَدِيثِهَا عَن الْقَفَص الْكَبِيرِ الَّذِي كَانَ يزِجُّ بِه عمّي بُو حُسَيْن الدّجاجات.. وطابور النِّسَاء الطَّويلِ الَّذِي كَانَ يَنْتَظِرُه، كُلُّ امْرَأَةٍ تتأبط سلّتها البلاسْتِيكِيَّة وتنتظر دَوْرها، حَيْثُ كَانَتْ تؤشّر لَه نحو الدَّجَاجَةِ الَّتِي تُريدها، فيمدّ الرَّجُل قَضِيب حديديّ ذُو رَأْسٍ مَعْقُوفٍ ويصوّب عَلَى سَاقٍ الدَّجَاجَة الْمَقْصُودَة ويجرّها إلَيْه بِحَرَكَة سَرِيعَة، مُباغتة، وَبَعْد مَعْرَكَة ضارية كَانَ فِيهَا الشَّيْخُ الْجَلِيل، المُنتصر دومًا، رَغِم الخَدُوش وَالْجُرُوح الَّتِي كَانَتْ تُدمي يَدَيْه الخشنتين، حَيْثُ كَانَ يَقْبِضَ عَلَى الدَّجَاجَة بِكُلّ قوّته، ويلفّ جناحيها الْوَاحِد فَوْقَ الْآخَرِ ويضعها في السَّلَّة وَتَعُود النِّسَاءِ إلَى بُيُوتِهِنَّ، لتبدأ مَرَاسِيم وطقوس الِاحْتِفَال بوليمة الدَّجَاج البلديّ..
– إيهِ يَا خَالَتِي . . تَنَهَّدْت الْعَجُوز وتابعت لتُحدثنا عَن حَفْلاَت الشِّوَاء فِي الحَارَةِ، بَعْدَ قُدُومِ شَاحِنَة الدَّجَاجِ مِنْ شَرِكَةِ تنوفا..
كُلُّ ذَلِكَ كَانَ يُحَدِّثُ… ؟ يَوْمَ الْأَحَدِ بِالتَّحْديد..

– كُلّ الْحَارَّة كَانَت تشْوي يَوْمَ الْأَحَد، كَان عنّا عِيد فِي الحَارَةِ.. وانتو مَا لحقتوا هاي الأيّام الحلوة وَلَا حسّيتوا فِي بَرَكَتُهَا..
– يَا رَيْت يَا خَالَتِي لحقناها وَيَا رَيْت تذوّقناها، الْيَوْم الْخَيْر فَائِض، بِس الْأَكْلُ بِلَا طَعْمِه..
أجَابَتِهَا بانفعالٍ إحْدَى السَّيدات الَّتِي كَانَتْ تَجْلِسُ عَلَى الْمُقْعَدِ المُقابل..

فأردف أَحَدٌ المُسنّين قائلًا بحماس:

– صَحِيحٌ.. كُلِّ شَي مُتَوَفِّر الْيَوْم وَتَأْمِين الختياريّة مَا مخلينا نَحْتَاج حَدا.. بسّ طَعْمة الْمَغْرِبِيَّة الْمَطْبُوخَة بالدَّجَاج الْبلَدِيّ، مَا بِعِوَضِهَا إشْي..
بلعَتْ الْعَجُوز ريقها، وَنَظَرْت حَوْلَهَا بيأسٍ ثُمّ أَرْجَعْت ظَهْرِهَا للوراء، وَأَسْنَدْت رَأْسها بَيْن كفيّها المُخضّبان بتجاعيد الزَّمَان وتمتمت بِهُدُوء:
– يَا رَيْت لَو في حَدا بيوصلني.. خَمْس جاجات؟ بس بِمِيّة! نَظَرْت إليّ السَّيِّدَة الجالسة عَلَى الْمُقْعَدِ المُقابل وهمست بِصَوْت خفيض لم تَسْمَعَه الْعَجُوز الْمُسْتَرْسِلَة فِي أمنياتها:

– سُبْحَانَ اللَّهِ بَنِي آدم بخلق صَغِير وبيرجع صغير..

أومَأتُ لَهَا بِرَأْسِي كعَلَامَة على مُوَافَقَتِها الرَّأْي واستأذنتُ مِنْ الْجَمِيعِ لأنَّهُ أَتَى دَوْرِي للدّخول عِنْد الطَّبيب.. غادرتُ الْعِيَادَةُ فِي عُجالة مِنْ أَمْرِي دُونَ أَنْ الْتَفَتَ إلَى الْوَرَاءِ؛ كَوْمَة هُمُوم وأشغال تنتظرني فِي بَيْتِي وَما لي وَللّدَجَاج الأمريكانيّ؟ فِي الْأَسَاسِ عائلتي لا تستسيغه!
مرّت أيّامٍ قَلِيلة؛ فَرَضَتْ فِيهَا الدَّوْلَة الْإِغْلَاق الكُليّ، بِسَبَب تَفَاقُم انْتشَار الْوَبَاء اللَّعِين وانصرفتُ لِأُمُورِي وكتاباتي، حَتّى أَتَى ذَلِكَ الصّباح، الَّذِي نَفَخَ فِيهِ صَوْت المُنادي فِي مُكبّر الصَّوْت..

كَان صباحًا هادئًا، بَعْد عيانة دَسِمَة غَسَلَتْ كُلّ طُرُقَات قَرْيَتِي الوادعة وَبُيُوتِها الْجَمِيلَة، تَمَنَّيْت مِن كلّ قَلْبِي أَنْ يُنادي عَلَى حَمْلِة الدَّجَاج الأمريكانيّ، وَقَد عزمتُ النِّيَّةِ أَنْ أصطحب تِلْكَ الْمَرْأَةِ الْعَجُوز خَفِيفَة الظّلّ، لِمَحَلّ الدَّجَاج ونحضّر سويّة طَبْخة مَغْرِبِيَّة بنكهة أَهْل زَمَان..

شَعَرْت بغصّةٍ كَبِيرَةٍ فِي قَلْبِي، عِنْدَمَا أَعلن المُنادي عَن رَحِيل امْرَأَة.. امرأة كُنت قَد تجاهَلتُ مشاعرها الصَّادِقَة، ودفء رُوحِها.. هذِهِ الْمَرْأَة كَانَتْ صَاحِبَة الْأُمْنِيَّة الصَّغِيرَةِ فِي صُنْدُوقِ الْمَرْضَى وَالّتِي رَسَمَتْ فِي مخيلتي لَوْحَة جَمِيلَة كُنْتُ أَعْرِفُ كُلّ تَفَاصِيلِهَا الدَّقِيقَة، وفَتَحَتْ لِي نَافِذَة عَلَى ماضٍ جَمِيلٍ، رَحَل مُنْذُ أَمَدٍ طَوِيلٍ.. كَم كُنْت أوَدّ أَن اصطحب تلك الْمَرْأَةِ حَيْثُ يَبِيعُون الدَّجَاج، وَأخْبَرَهَا بأَنَّنِي أيضّا كُنْت انْتَظَر مَع أُمِّي فِي طابور يَوْم الْأَحَدِ، وبِأَنّنِي مَا زِلْت أَشْتَهِي “المُغربية الْمَطْبُوخَة بالدَّجَاج البلديّ” واشتاق لرائحة دُكَّان عَمِّي بُو حُسَيْن الَّتِي فَاقَت خَدَماتِه كُلّ خَدَمَات الْمَتَاجِر الحَدِيثَة بِكُلّ تقنّياتها وبضاعتها الْعَالِيَة الْجَوْدَة، واشتاق لطعم الْمَفْتُول الأصليّ الَّذِي كَانَتْ تَجْتَمِعُ كُلّ نِسَاء الْحارَّة لتحضيره وَلَكِنَّها رَحَلْت.. كَمَا رَحَل الكثير من مُسنّي قَرْيَتِي الَّذِين قاوَموا سَنة الثّلجة وَالْجَراد والنّكبة وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا مُقَاوَمَة وَبَاء الكورونا اللَّعِين وصدقًا أَقُول؛ هَذِهِ الْمَرْأَةُ تُرِكَتْ فِي قَلْبِي غصّة لَن تبارح فُؤَادِي مَدَى الْحَيَاة.. مَاذَا لَو أغلَقْتُ جوّالي قليلًا.. أَوْ تَأَخَّرَتْ عَنْ أَوْلَادِي.. ؟ وَعَن مَوْعِد الْغَدَاء أَوْ حَتّى عَنْ كلّ الدُّنْيا..
مَاذَا كُنْت سَأَخْسَر لَو كُنتُ أوصلتها لتشتري دجاجاتها الْعَجيبة وأُحقّق أمنيتها الصَّغيرة..
*********

الحِوَار فِي القصّة بِلَهْجَة أَهْل الرِّيف فِي الْجَلِيلِ.
عيانة: الْمَطَرِ الشَّدِيدِ الَّذِي يهطل لَسَاعَاتٍ طَوِيلَةٍ دُونَ تَوَقُّفٍ؛ ويروي الْأَرْض لِأَيَّام عَدِيدَة.
المُغربية: أَكْلَةٌ شَعْبِيَّةٌ تراثيّة؛ أَصْلِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ، تُعدّ مِن الْأَكَلَات الشَّعْبِيَّة فِي رِيف الْجَليل.