” النبش في أصل المباح و الممنوع
زمن الجائحة”

جواد كوفي 

يقول الشيخ الرئيس ابن سينا “فنحن من حيث ندرس الطب، لا يعنينا إن كان هذا المرض ناجما عن جن أو غيره بل نبحث عن سببه القريب ” كتاب القانون في الطب.

 إن تاريخ الإنسان هو تاريخ الخوف و الرغبة في تجاوز هذا الخوف من خلال تفاعل جدلي بين التأثير و التأثر ،الإنتاج و إعادة الإنتاج المضاد بشكل إهليليجي لا ينتهي إلا بتحقيق وعي جمعي بمكر التاريخ ومكر من يحاول ترويض المكر و توجيهه نحو غاية خاصة أكثر مكرا و خديعة  تفقد المجتمعات توازنها و تكرس غلبة فئة على أخرى . إذ تعتبر الظواهر الطبيعية و الأوبئة  المغدى الفعلي و المباشر لهذا الخوف من خلال انعكاسها الملاحظ على ذهنية و سلوك  الفرد و الجماعة فيستحيل المعتقد الغيبي و الجانب النفسي غالبا هو المؤسس الفعلي لكل تفسير عام ،و يقف العقل و المنطق أمام مأزق الحدود و امتحان الاختراق و التجاوز إذ كان السياسي و الفقيه و العالم على محك الإقناع و بسط السيطرة  و في خضم هذا السعي تتأسس قوانين و تتجاوز أخرى و تظهر قيم و أخلاق لتخبو أخرى و قد تتم قطيعة شاملة مع الماضي بطرق مرنة وناعمة لا يلقي لها العامة بالا ،إنها فرصة سحرية للتغير دون مقاومة .

تتبع أحداث التاريخ أثناء الظواهر و الجوائح المؤلمة التي حلت بالبشرية يقف على حجم ضعف العقل الذي لم تكن تسعفه طبيعة المجتمعات على فرض منظوره إلا على الخاصة ليترك مجال التفسير و الفهم  للخرافة و الغيبيات  و نظريات تغلب عيلها فكرة العقاب من قوة   أو فكرة المؤامرة التي تسعى من خلالها جماعة  خفية تريد تحويل الناس إلى كائنات لا واعية متحكم فيها كالآلة  او ربما يتم فهم الظاهرة و الوباء على انه  حركة عارضة لمجموعة من الطلاسم السحرية  .

في خضم هذا السجال القريب من العقل المتوغل في الخرافة يعيش العالم اليوم . وفي غفلة من الأغلبية  تشتغل السلطة في كل مكان كما يؤكد ميشال فوكو -“العالم في وضع يتحول فيه إلى نوع من السجن..” – غايتها السيطرة و إعادة إنتاج ذهنية مستسلمة لأوامرها مستغلة الظرفية المؤقتة  لتأسيس قواعد أخلاقية و قانونية تابثة . 

باعتبار أن التاريخ البشري تاريخ المنع و الإباحة ،الرفض و القبول … تاريخ لصناعة الثقافة و التقاليد و الطقوس بالاعتماد غالبا على هذه  الظواهر الطبيعية عامة و الجوائح المستحدثة  خاصة.

كل طارئ على الجماعات البشرية إلا  و يؤثر بطريقة مباشرة على معتقدات الجماعة بشكل ما ،فتركز و تجذر اعتقادا جمعيا عفويا حينا أو مبنيا بطرق منظمة حينا آخر من طبقة أو فئة تسعى إلى تركيز ثم إنعاش سلطتها لتضمن روحا جديدة  واستمرارية في الزمن ،وقد تستغل بشكل مقلوب جذريا لأجل كسر و تجاوز معتقدات و طابوهات تعتبر مقدسة.

تمت الإشارة إلى موضوع المنع الخفي أو الناعم في مقال الشاعر و الكاتب الفلسطيني فراس محمد حاج عن السمات المشتركة بين الكمامة والكيلوط في محاولة  ذكية منه للنفاد إلى عمق الجائحة و مقاربتها من خلال إسقاط أثرها على تاريخ الإنسان لفهم ما بعدها وما سيترتب عنها من طقوس و معتقدات جديدة قد تؤسس لحقبة جديدة من القيم و الأخلاق .

فراس يفتح قوسا على اكسسوار مهم في هذه الحقبة من تاريخ جائحة كورونا وهي الكمامة التي أضحت ملاصقة للفرد (تحمينا و تخنقنا في نفس الآن  تمنع عنا الفيروس و تمنعنا من الاسترسال في الكلام إلا بشق الأنفس ) ليرمز هذا التكميم إلى المنع القادم على مهل مستغلا التطبيع العفوي مع هذا العارض الذي قد يستحيل أصلا في الزمن القادم  إذا لم نتنبه ونفطن لما يمرر باسم الجائحة . فهل سيُّدجن الفم و يطوع ليلتزم بهذا التكميم العملي سياسيا و اجتماعيا و فلسفيا وفكريا ؟ يحيلنا فراس على الكيلوت الذي يغطي فتحة كانت في فترة من التاريخ  البشري لا يطالها المنع و العيب و لا تزال في بعض القبائل البدائية على ذلك الحال على الطبيعة الاولى متاحة و مباح تركها دون غطاء  .

ثم تدجين الفروج و تطويعها عبر الزمن حتى صارت ملتزمة اليوم بثقافة الخطيئة و العيب على هذا الطريق قد يجرم اليوم تعرية فتحة الفم و تركه دون (غطاء رمزي) يجعله لا يتكلم إلا بما تسمح به السلطة الأخلاقية السائدة  و أن يطلب  إذا رغب في الخروج عن المسموح عقدا شرعيا تخصه به نفس السلطة ليتكلم  بحرية في أمكنة معينة بما يريد  وفي سرية تامة أو في النوادي المرخصة الخاصة بذلك ،وقد نسمع بجيل قادم يحمر خجلا إذا رأى فما  يتكلم بحقيقة عارية تكشف وضعا خاصا و تنادي بطريقة خليعة إلى رفع القداسة عن صنم ما.

إن المهتم بالتاريخ البشري يحاول الوقوف على الوقع والتحول الجذري الذي يتركه الحدث الضخم في المجتمعات بغاية كشف التوظيف الإيديولوجي لهذا الحدث من طرف جهات أو سلطة كيف ما كانت طبيعتها لأجل فرض معتقدها ،مستغلة الخوف الذي يتركه هذا الحدث في النفوس، وقد تتظافر هذه السلط مع بعضها البعض في  مثل هذه الظروف الخاصة لتسهيل السيطرة  .

إذن لا يمكن فهم تاريخ الممنوع و المباح و الأخلاق والقيم إلا من خلال هذا التتبع الذي قد يجعلنا نكشف مكر التاريخ و حيل صانعي التاريخ البشري المفروض و المحروس بالقداسة.