من لا يتقنُ لغة أخرى؟

حكاية
علي أسعد راشد

كتبها للأطفال
إبراهيم يوسف – لبنان

قبلَ الطوفان؟ لم تكنِ القططُ مَخْلوقَة بعد، فلم تكنْ في عداد
الحيواناتِ على ظهْرِ السفينة.. لكنْ حينَ انتشرتِ
القوارضُ والفئران، وأخذتْ تلتهمُ مَخْزونَ الطّوْفِ من الزاد..؟ 
أوحى الرَّبُ لربان السفينة كما تقولُ “الأسطورة”
أن يضربَ الأسدَ على رأسِه..؟
وحينما فعل عطسَ السَّبعُ، فانحدَرَ من منخاريه زوجانِ من القطط
ذكراً وأنثى. ومنذ ذلك الوقت خُلقَتْ هذه الكائنات.. وتولتْ مَهَمَّةَ
القضاءِ على الزواحفِ والهوام 

أمَّا وقد تبدَّلَ الزمن، وَتَقَلّصَتْ قدرةُ القطط على النّيلِ من الفئران،
وتحولتْ إلى “دمىً” تطيبُ ملاطفتُها فحسب..  باتَ “توم وجيري” 
وحدهما يذكران بالعَداوة الأزلية بين الهرِّ والفأرة،
ويحتلان حيزاً يثيرُ الدَّهْشَةَ، في عقول الكبار والصغار على السواء 

http://t2.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcRKMoSx-xmDHV3Q4_0_D3dcYYTLF6mlN_CJ6rhfGLhONnLb5X8q

توم” تخطى مرحلة المراهقة إلى عُمْرِ البلوغ. شرسٌ بطبعِه، خشنٌ في التعاطي مع الأطفال، ومختلفِ القوارضِ والهوام، متمردٌ يعيشُ على هواه. صوفه أنيقٌ ولامع أسود. عيناه فيروزيتان مدهشتان، فيهما شررٌ من نارِ  وغضب. يرى عن بعدٍ حبةَ الخردلِ في الظلام، ينامُ مفتوحَ العينين، ويلتقط الإشارة والأصوات بكفاءَةِ “الرادار”. 

يتمتعُ بمرونةِ مدهشة في استعراضِ عضلاتِه وإداءِ أرشقِ الحركات. نالَ المِدالية الذهبية في كمالِ الأجسام، وسَجّلَ رقماً قياسياً جديداً في العَدْوِ السريع. مخالبُه تخدشُ المَاسْ، وقريحتة حادة في المكرِ والمناورةِ والدّهاء. 

لكنّ فأرةً مراوغةً عَصِيَتْ عليه، فقضى معها ليلة في الكرِّ والفر. ولم تنتهِ ليلتُه إلا مع خيوطِ الفجر. لمَحَها مراراً تفر بسرعة السهم، لكنه فشلَ في تعَقبِها والنيلِ منها؛ فالفأرةُ (1)”البَاتَارْدْ” أذكى وأشدُّ دهاءً من توم العدو الأول.

“جيري” أيضا فازتْ بالمرتبةِ الأولى، ونالت سَعَفاً ذهبياً مضفوراً كالتاج، جائزة على براعتِها في حلول الرياضيات ولعبةِ الشطرنج. هَزَمَتْ “لاسكر”، وحاصَرَتْ له المَلِك، بعد تَرَبُّعِهِ على عرشِ البطولةِ سنواتٍ بعدَ سنوات! 

اسْتفاقَ “توم” من نومِه مُعْتكِرَ المزاج، والنعاسُ ما انفكَّ يراودُ جفنيه، والعجوزُ كانتْ قاسية معه، أدَّبَتْه بعصا “الكَنَّاسَة”، فالمرأة لا تتساهلُ في توبيخِه وعقابِه كلما أغضَبَها، أو نشرَ في بيتِها الفوضى والفساد. لكنّها سرعانَ ما تسامحُه وتنسى، فتعقدُ عليه آمالاً كبرى، لعله يؤدّي رسالتَه ذاتَ مرّة، فيرضيها وينال من الفأرة..!؟ 

“جيري” هي الأخرى؛ نامتْ في جحرِها ملء عينيها؛ وتجاوز الوقت الضّحى. فلم تستفقْ من نومِها إلاّ والهرُّ يموءُ ويتملَّقُ عندَ أقدامِ السيِّدة، والعجوزُ كانت مُنْكَبَّة تُحَضِّرُ حليبا لقِطِّها.. وجبةَ طعامٍ كاملة دَسِمَة.. لكنّ مواءَ الهررة محطةَ إنذارٍ مبكرة..؟ يموءُ الهرُّ فتهربُ وتتوارى عن النظر الفأرة.. هكذا تنجو من مخالبِه في كلِّ مرة.  

وما إنِ انتهى الهرُّ من شربِ الحليب.. حتى نادى الفأرةَ قائلاً لها: أين أنتِ أيتها الغبية اللئيمة..؟ وردَّتْ “جيري” تقول: الغبي من يفشل في النيلِ من الفأرة..؟ وابنُ الحرام اللئيم؛ من يصادقُ العجوز الدردبيس الخرفة..!

 لن أتركَ جحري هذا النهار، سألتزمُ السكينةَ والهدوء، فكتابي معي سأقرأه وأرُدُّ على رسائلِ المعجبين.. ومؤونتي قطعةُ جبنٍ كبيرة تكفي ليومينِ وأكثر، غَنِمْتُها حين خدعتُك وخدعتُ العجوزَ”البقرة”. هذه الساقطة نَصَبَتْ لي فخاً في الممر إلى “التّسقيفة”، ألا ليتَه أطبَقَ على يديها الاثنتين، وكَسَرَ أصابعَها العشرة. 

هكذا مَضَتِ الأيام وتوالتْ معها فصولُ الحكاية، فأعدَّ الهرُّ عدَّته ورابطَ في المطبخ في الليلِ والنهار، وراحَ يتجسسُ على الفأرة مستنفرَ الأحوال، يتوقفُ في الزوايا يرهفُ السمعَ مخطوفَ الأنفاس، يَشْتَمُّ الروائح، يُمَوِّهُ نفسَه بين الأمتعةِ التالفة، (2)”والكراكيبْ” بالتعبيرِ المبتكرِ الجديد..؟ “وجيري” تعودُ لجُحْرِها؛ تلجأ إليه بسرعةِ البرقِ كلما تناهى إلى مسامعِها حركةٌ أو مواءْ..!؟ 

بعدما وَصَفَتْهُ الفأرة بالحقود والعاجزِ المعتوه، أمعن فكره جيدا وأدركَ الهر سِرَّ اللعبة. وضعَ الإصبعَ في الجرحِ؟ وناداها صبيحةَ اليوم المشهود؛ بعد أيام من ليلِ المعركة؛ وقد لجأ في ومضةِ وحيٍ وَتَنْوير.. إلى حيلةٍ أخرى..؟

 انتظرَها أياماً ثلاثة، حتى قرأتْ كتابَها وردّت على قرائها ونفِدَ منها زادُها.. وحينما أرهقَها الجوع وألحَّتْ عليها أمعاؤها..؟ لجأ إلى الحيلةِ الأخرى.. فبدلاً من المواء كما تفعلُ الهررة، راحَ ينبح ويقلِّدُ كلبَ الحديقة.

وحينما تناهى إلى مسامعِها صوتٌ صديق..؟ خرجتْ “جيري” آمنةً مطمئنة، تفتشُ من جديد عن رزقِها في كسرة خبزٍ يابس، أو قطعةِ جبنٍ أخرى.. لكنّ الهِرَّ المُخادع أطبَقَ عليها وأمْسَكها، فنالَ منها بخطّة بارعة واستوفى الثأرَ لنفسِه، ووقعتِ الفأرةُ في أسره، فقالتْ له واللومُ يسْحَقُ قَلبَها: من يقرأ ويكتب..؟ ولا يتقن لغةً أخرى..! تنطلي عليهِ الخدعة، ويُمْنى بخسارةٍ كبرى، فيقعُ بين مخالبِ الهرّ.. ويموتُ بداءِ الغباءِ والحسرة.

-1- (باتارد) Bâtarde إبنة حرام، مفردة فرنسيَّة.
-2- إشارة إلى موضوع بعنوان “كراكيب” للطبيبة الكاتبة أمل النعيمي من العراق.