من يوميات نملة
وبساط الريح

ليسا إلا نموذجا مقتضبا
من مضمون 
المجموعة القصصية الأخيرة
يد الحكاية” للكاتب الصديق”
عبد الجليل لعميري من المغرب

من يوميات نملة

C:\Users\ibrah\OneDrive\Desktop\نملة.jpg

الطفل ابن الخامسة، أو أكثر قليلا، يحمل في يده اليمنى قطعة (كرتون) صغيرة بقياس سبابته. يحركها بانتظام يمينا ويسارا ليعترض طريق النملة. النملة سوداء وصغيرة جدا، تحمل بين فكيها الدقيقين المرنين (فتات كيكة)، ألقى به الطفل المشاغب. كان يرغب في معرفة رد فعلها. واستجابت النملة – فعلا- لإثارته.

 ها هي تحمل قطعة الفتات، وتحاول الذهاب بها إلى مكان ما. تتحرك بهمة وبلا تسرع فقطعة الكيكة البنية التي لها رائحة مغرية تكاد تشكل نصف حجم النملة. تحث السير، لكن قطعة الكرتون تنتصب أمامها، يحركها ذلك العملاق الواقف فوق رأسها. تصطدم النملة بالجدار الضخم – في نظرها- وتغمغم:

 ما هذا بحق الرب؟! وتترك قطعة الفتات تسقط من فكيها، تستريح قليلا وتعاود حملها والتحرك في اتجاه آخر. تحث السير. وتغمغم: هذه طريق سالكة. لكن ظلا عملاقا يغطيها ويظهرُ جدارٌ جديد ينبت في طريقها:  (اللعنة!) تقول (ما هذا الحظ العاثر؟!). تضع الحمل، وتتنفس الصعداء، ثم تعض على الفتات الذي بدأ يفقد شكله وحجمه. تفكر النملة الصغيرة في تسلق الجدار. تحاول لكن الحمل يسقط، فالجدار شديد الارتفاع وشاهق.

 تعود إلى حملها، تتأمله ثم تنظر حولها: حواجز كثيرة وظل عملاق يبدو شامخا الجسد الذي يحمله. من يكون صاحب هذا الظل؟ وتعود إلى حملها تعض عليه بالنواجد! أو الأصح بالفكين الصارمين رغم صغرهما. وتنظر في اتجاه سالك ثم تخطو خطواتها الواثقة. الطفل يراقبها ويبتسم و يتلمظ متحسسا بلسانه ما علق من الكيكة بشفتيه. يتجشأ فتنزعج النملة من ذلك الرعد. تفكر (لعلها ستمطر؟ علي أن أسرع). 

لكن الطفل يحرك حاجزه فيسد عليها الطريق. تدور النملة وتغير طريقها فينتصب أمامها الجدار. تضع الحمل وتتنفس وهي تحرك أطرافها الأمامية للاسترخاء! وفي لحظة يختفي الظل وتنظر إلى كومة عملاقة تسد الأفق ويتساقط الجدار! تسارع إلى حملها تضعه بين فكيها، وتتحرك في طريق سالكة. وقبل ان تختفي بعيدا عن كتلة الحاجز المتداعية، تسمع صوتا كموج رعد متتالي (اخخخر… اخخخر …اخخخر). لكنها تتابع سيرها حاملة قطعة الكيكة، بدون أن تنظر إلى الوراء….

بساط الريح

C:\Users\ibrah\OneDrive\Desktop\downloadبساط الريح.jpg

كنت أسمع جدتي تغني: بساط الريح يا بو الجناحين، مراكش فين وتونس فين؟! وتدندن وهي سعيدة في لحظة صفاء. أقول لها: جدتي، ماذا يعني بساط الريح؟! تتكلم جدتي وكأنها تغني، تقول كلاما كثيرا لا أذكر منه سوى: اسم حكاية السندباد….أسمع وأهز رأسي كالفاهم. … 

وحين اختلي  بنفسي، في غرفة أخي الكبير، أعيد التفكير في كلام جدتي وصوتها الرخيم يقطر في أذني حكاياتها. … وأسأل نفسي: هل يمكن أن يكون لي بساط يحملني عبر الهواء ويذهب بي إلى أماكن جميلة؟ –  نعم يمكن ذلك. … أثار الصوت انتباهي وخوفي. بحثت عنه حولي، فلم أر أثرا لأي كائن.. تحرك بساط صلاة  قزحي اللون قربي وحرك شعيراته قائلا: أتبحث عني؟! أنا  صاحب الصوت. … دهشت وكدت أهرب. …

لكن البساط تحرك في الهواء وانطلق في جولة قصيرة بالغرفة. غمرتني الفرحة وكدت أطير محلقا قربه وأنا أرى كلمات جدتي تتحقق أمام عيني… نزل البساط وخاطبني: – أنا بساطك الطائر ….الى أين تريد الذهاب؟!

– أريد الذهاب إلى أرض الحلوى. … والسكاكر. . –  الحلوى والسكاكر؟! إذا أكلت منها الكثير قد تضر بصحتك. .. –  لا أريد أكل الكثير وإنما أريد جلب كمية منها لأهديها لأطفال محرومين منها. … وبعدها نسافر إلى أرض الملابس ونحمل منها معنا ما يكفي لأطفال في حاجة لها. … ملابس دافئة تقيهم هذا البرد. … –  نعم هذا جميل سنجلب معنا الكثير من الحلوى والملابس والكتب واللعب لأطفال  حينا. ..

 ركبت بساطي القزحي وغادرت المكان. طرنا فوق الجنائن والأنهار والجبال. نزلنا بأرض الحلوى ثم أرض الملابس والكتب واللعب. وحملنا منها الكثير حتى تقعر ظهر البساط. فقلت له: سامحني أيها البساط لقد حمَلتك هموم جميع أطفال حينا. ابتسم لي وقال: لابأس من أجل  سعادة الأطفال تهون كل الصعاب. ونحن نجتاز أرضا بها دخان كثيف وأصوات فرقعة قوية سألت البساط: ماذا يقع في هذه الأرض؟ ! أجابني وفي صوته حزن عميق:

 إنها الحرب. .. قلت: و ما  الحرب؟! قال: يصنعها الكبار ويعرفونها وأنتم ضحيتها الأولى. … التمست منه: هل يمكن أن توقفها من أجل الصغار؟ ! تنهد و قال: دعنا نوصل الهدايا أولا إلى أصدقائك الأطفال. … ولنعمل جميعا على إيقاف الحرب. …إننا نحتاج للكثير من البسط لمحو الحرب وآثارها. … وزعنا جميع الهدايا تلك الليلة ونام الأطفال فرحين في انتظار الآتي.

 ونمت في حضن جدتي وهي تعيد علي حكاية بساط الريح والسندباد وتغني: بساط الريح يا بو الجناحين مراكش فين وتونس فين؟!