رابط الجزء الأول
إلى الفرنسية

صديقي الدكتور شوقي يوسف

يؤمن كثير من الناس بقدسية الكتب الدينية، ويعتقدون بكمال نصوصها وسلامتها من التحريف أو التلف، فيجلّونها عن النقد والتحليل. لكن اختراقا ما حصل عندما فرضت العلوم سيادتها، وابتدأت شكوك العلماء تتزايد حول تاريخية الأبطال الذين تحدثت عنهم الكتب. وزاد الإلتباس عندما مُزجت تلك الروايات زمنَ كتابتها ببعض الوقائع التاريخية. وكان من شأن هذه الشكوك أن دفعت العلماء ليتعاملوا مع المقدس كما يتعاملون مع كل الكتابات القديمة بصفتها تراثا إنسانيا يختلط فيه التاريخ والأسطورة كما يختلط فيه الشعر والأدب، الدين والرويات ذات الطابع الملحمي. الأمر الذي دفع ببعض رجال الدين الى الإعتقاد أو التسليم أن النقد والغربلة لا يضران التراث الديني، وإنما يمُدان في استمراره. ذلك أن إغلاق باب النقد يحافظ على سطحية النصوص، وبالتالي يتزايد رفضها من الأجيال التي لم تعُد ترضى إلا بالعقل هاديا ومعلما. فبالنقد تتحول الأديان بدل أن تموت وتندثر. وبه تتولد حركة جديدة في أكثر النصوص بلاهة وسكونا.

وكان زميلك فرويد من أوائل العلماء الذين عملوا على قراءة الكتب الدينية قراءة نقدية، لا ليمُدَّ في استمرارها ولا ليمنعها من الموات ولكن ليُعيد الى أسطورة موسى سياقها الطبيعي وملامحها التأسيسية، إذ أرجع موسى الى بيت أبيه المصري، بَرّدَ ظهره، وسلب منه نُبُوّته، أي براءة اكتشافه لعقيدة التوحيد ليعيدها الى مالكها الحقيقي اخناتون. كما وازر ما وصل اليه عالم اللاهوت الألماني (1946-1867) Ernest Sellin حول النهاية المأساوية لموسى من خلال قراءاته المتأنية لسفر يشوع، فقد قُتل موسى الموصوف بالشدة والغلظة بعد أن أصبحت ديانته القاسية عبئا على أتباعه، فارتد المؤمنون الى بداوتهم، ممثلة بديانة يهوه وإيل وعشتار. ويؤكد فرويد ” أن هذه اللحظة من مقتله كانت اللحظة المواتية لتلفيق الخرافات التوراتية، ومنها إعادة تنسيب موسى لإبراهيمَ أوَّلِ البطاركة. “امتعض (1979-1895) Immanuel Velikovsky مما ذهب اليه فرويد وفار فائره، وهو طبيب الأعصاب الروسي الغارق في يهوديته، فحاول تهويد التاريخ المصري القديم من خلال إعادة روايته لأحداث القرن السادس عشر قبل الميلاد حتى تتوافق المروياتُ الجديدة مع إيقاع التاريخ الإسرائيلي للقرن العاشر قبل الميلاد. أثارت كتاباته جدلا واسعا وغبارا كثيفا ألحق أضرارا بالغة بالدراسات الأكاديمية. فقد حرّك من أجل تاريخه المزعوم مذنّبا من منظومة المشتري ــ وهو الدارس في حقل الكوارث الطبيعية ــ ليصدم به الأرضَ ويغيرَ محورها وجهاتها، فهزّتها الزلازل أو هزّها خيال الطبيب، أغرقها الفيضان، وعصفت بها الأعاصير عصفا شديدا تواصل حتى ابتعد المذنب عن مساره الأحمق ثم استقر مشكلا كوكب الزُّهَرَة. وكان من مفاعيل هذه الكارثة، أن انشق البحر الأحمر ليعبر موسى ببني اسرائيل، ويتوقف بعد عبوره اختلال الأرض بأمر من يشوع بن نون.

صديقي العزيز

لقد هرب فليكوفسكي من لسعات الحقائق التاريخية الى دفيئة أحلامه فأقام أبحاثه على هدْيِ بناء ديني صممه في سريرته، ثم أعاد معه توليف الوقائع التاريخية بما يلائم رغائبه. فزرع المدن القديمة في غير مواقعها، قرأ الحفائر قراءة ضيقة ومغرضة، وتخيل من الكوارث الطبيعية ما يخدم مخيلة مغالية وخصبة الى حدود المرض. لاقت هذه الروايات رواجا في الولايات المتحدة لأسباب محض دينية، وهي في حقيقتها لباقة في التخليط أو على قول لفيف من المؤرخين المصريين فروض مثيرة للسخرية، تشبه نظرية تتوهم وجوب التحكم بالقدم لتلائم مقاييس الحذاء. كما ترمي لتهديم نظرية فرويد الخارج عن نصوص توراته، والعامل على سلب موسى عقيدة التوحيد لينسبها الى الفرعون الذي حاول فليىكوفسكي الطعن بجلاله، واعتباره فرعونا شاذا تزوج من أمه وبناته وجلب اللعنة لبيته وبلاده. ما يوحي أن زميلك الروسي كان متأثرا بالروايات التي لفّقها الكهنة لتشويه صورة إخناتون والنيل منه ومن إلهه الواحد. فقد سبق وأشاروا إليه بساقط تل العمارنة بعدما شَجرتْ بينهما الخلافات الدينية . ويذكّرني تأثيم الكهنة لفرعون التوحيد بما رواه فولتير عن اثنين من أهل أثينا كانا يتحدثان عن مروق سقراط عندما جرّمه أحدهما بالقول: ملحد عاص وخارجيٌ يزعم أن هناك الها واحدا فقط. لكن لا بد من الإعتراف أن لُقية فليكوفسكي الثمينة كانت في ما كتبه عن ” أوديب وإخناتون” حيث أكد فيه أن الفرعون المصري كان النسخة المصرية الحقيقية التي تشظت منها رواية أوديب متعجبا كيف أن عالِما بحجم فرويد غفل عن الربط بينهما فتحدث في دراسته الموازية عن اثنين متباينين.

وافق أحمد عثمان النحاتُ المصري – البريطاني والباحثُ في علم المصريات فليكوفسكي في قليل من أبحاثه، واختلف معه عندما ربط العالِمُ المصري بين موسى وإخناتون واعتبرهما شخصا واحدا. فالفرعون بعرفه هو نبي التوحيد موسى، الذي لم يكن يهوديا لأن اليهودية نشأت بعده في بابل قريبا من القرن السادس قبل الميلاد، ومن قواطع أدلته أن الوصايا العشر لم تكن عبرية لأنها كُتبت باللغة الهيروغليفية وهي نسخة من كتاب الموتى المصري. كانت أطروحات عثمان مخالفة لما ورد في القرآن والتوراة اللذين افتقرت نصوصهما لتزمين الروايات. والنصوص الدينية عموما ليست ــ ولنفس السبب ــ وثائق تاريخية يطمئن لمضمونها الباحث الحذر. لذا وضع عالم المصريات مزيدا من النظريات التي تجمع بين الرواية الدينية وبين الإكتشافات الأثرية الجديدة. فالنبي يوسف هو نفسه الكاهن يويا الذي تحكم في خزائن مصر ووالد (تي) زوجة أمنحتب الثالث. لاحظ أيها الصديق التقارب اللغوي بين يوسف ويويا، وقد طالب عثمان بإجراء الفحوصات الطبية التي تؤكد هذا التطابق خلافا لإعتقاد التوراة أن موسى حمل رفاة يوسف معه اثناء الخروج. كما اعتقد عثمان أن التوراة سرقت فصولا كثيرة من تاريخ الإمبراطورية المصرية التي بناها تحتمس الثالث ما بين الفرات والنيل كما سرقت سيرته الذاتية بما فيها زوجاته الكثيرات (٣٠٠ زوجة) لتسقطها جميعا على سليمان العبري الذي يشكك بوجوده علماء الأنتروبولوجيا. و (تي) هي أُمُّ اخناتون الذي عاش مطاردا ومنفيا ولم يُعثر على موميائه في المقبرة التي أعدها لنفسه. (غريب في وادي الملوك. أحمد عثمان). ومن المفيد الاشارة الى اعتماد عثمان على التلمود في قوله أن موسى حكم مصر من طيبة بعد أن تزوج الملكة أدونيت وهي مؤنث الاله الإسرائيلي أدون في الصلاة العبرية.

أما سيد القمني (١٩٤٧) فادّعى في أبحاثه أنه اكتشف طرف الخيط ” في شرنقة معقدة من الألغاز التاريخية غير المحلولة أو التي سبق حلُّ بعضها بحلول متسرعة أدت الى أخطاء تراكمت وتحولت بمرور الزمن الى لون من الحقائق الثابتة.” وإذ اعتبر القمني نفسه مبدعا ومجاهدا في تصديه لهذا اللون من الكتابات التاريخية ذات الطابع الديني، فقد ذهب الى أن اخناتون وموسى وأوديب شخص واحد في ثلاث روايات. إخناتون في رواية مصرية تاريخية وأوديب في تراجيديا يونانية وموسى في رواية دينية عبرية. علماء ثلاثة غفل كل واحد منهم عن جزء من الحقيقة. لم يلتقط فرويد أن أوديب هو نفسه اخناتون، ولم يلتقط فليكوفسكي بسبب قناعاته اليهودية المسبقة أن اخناتون هو نفسه موسى، كما لم يلتقط عثمان أن اخناتون هو ذات أوديب. فالفرعون المصري في دراسات القمني هو بطل الخروج Exodus والنسخة المصرية الأصلية والتاريخية، التي عرفتها اليونان باسم أوديب، وعرفتها التوراة باسم موسى. دعني إذاً أيها الصديق أنتقي من صفحات كتبه أو كتبك الحميمة بعض المطابقات التي تؤكد هذا المنحى وتزاوج بين الروايات الكثيرة، والتي لا تشكل بالطبع حقائق صارمة وناصعة البياض، لكنها تشكل قرائن لطيفة وشديدة الذكاء، اعتمدها سيد القمني في كتبه الثلاثة ” موسى وآخر أيام تل العمارنة. ” والتطابق لا يعني توافقا في التفاصيل التي لا بد وأن تختلف لإعتبارات عديدة. واختلاف التفاصيل لا ينفي أساس الواقعة.

هل تتذكر أيها الصديق قليلا من قراءتك القديمة لنبوءة دلفي؟ تلك اللعنة التي نزلت على لايوس وأُسرتِه لأنه أدخل المثلية الى بلاد اليونان. كانت النبوءة تشيع أن الطفل الذي ستلده الملكة يوكاستا سيقتل أباه ويتزوج أمه. ليفسد لايوس القضاء ويلغي مفاعيله، كلّف موظف البلاط أن يترك ابنه موضوع النبوءة فريسة للوحوش الضارية. وتشاء الصدف أو رغبة سوفوكل أن يسلمه الموظف الى راع من كورنثة. يتبناه الملك Polybos بالإتفاق مع زوجته Periboea ويطلقان عليه اسم أوديب أو القدم المتورمة. لاحظ أيها الصديق المطابقة اللفظية بين إسميْ أوديب وحُتيب (إسم اخناتون الأساسي والمركب هو أمن ــ حُتيب الرابع) وتقول رواية ل (1985-1895) Robert Graves الأنكليزي المتخصص في الأدب الإغريقي بما يوازي طفولة موسى أن لايوس أوثق قدمي أوديب ثم وضعه في صندوق مغلق ورمى به في البحر، فحمله البحر الى شاطيء كانت ترتاده بيروب مع وصيفاتها، حيث تم التقاطه وتبنيه من العائلة المالكة. ولو حاولتَ أن تحذف أيها الصديق التصريف الإسمي (حرف السين) لوالد أوديب لأصبح لايو مطابقا لِ لاوي البطن الذي أنجب موسى. ولم يكن لايوس مثليا إلا ليحاكي والد إخناتون وهو بملابس النساء على واحدة من رسوم الكرنك. ويطابق نفيُ أوديب الى Atica بعثةَ الفرعون رمسيس الثالث الى عتيقة (أتيقة) حيث منفى اخناتون ومناجم النحاس في البلاد المديانية. كما يطابق جبلُ كاثرين الذي يعود الى حمي موسى يثرون أو جثرون أو كاثرون جبلَ أوديب المقدس كيثابرون الذي جلس عليه مع ابنته أنتيغون عندما أمرهما أحد الأهالي بالإنصراف لأن الجبل مقدس ولا يصح أن تدنسه أقدام بشرية تماما كما أُمِرَ موسى أن يخلع نعليه لأنه بالوادي التوراتي المقدس هوا أو الإسلامي طوى. ومن الغريب أن يطلق على جبل كاثرون تسميات كثيرة كطور سينين وطور سيناء وجبل موسى، لكن التسمية المثيرة للغرابة والذهول هي جبل حوريب المطابقة لِ إسميْ أوديب الإغريقي وحُتيب المصري. وقد تربع على هذا الجبل التاريخي لموسى، جامع صغير وكنيسة يونانية ربما تكون أقدم الكنائس الأرثوذكسية، يخدمها حصرا رهبان يونانيون يكرزون هناك في الموطن الأول لتراجيديا البطل الإغريقي. ومن جميل المطابقات أن يصعد أوديب الى الجبل متتبعا نداء الآلهة ليختفي ولا يعود وسط الرعد والعواصف (سوفوكل) مثلما صعد موسى مع يشوع الى جبله البركاني ولم يعد وعاد بعده يشوع القاتل أو المتهم بالقتل ليقول لشعبه أن موسى قد مات. يقول ابن كثير: فلما جاء يشوع بالقميص، أخذته بنو اسرائيل وقالوا قتلت نبي الله!؟ فقال: لا والله ما قتلته لكنه استُلَّ مني.

صديقي الطبيب

قد لا يشعر المرء غير المولع بالأنتروبولوجيا بشيء من الحماسة لإعادة قراءة الأحداث الفارطة للتاريخ، أو التي كانت على مشارفه. وقد تسبب له هذه القراءات دُوارا وألماً وجيعا، فلا يشعر بالرغبة ولا بالحميّة لإعادة ترتيبها وضبطها، لا سيما في هذا الحشد الهائل من الروايات المتضاربة ومن المطابقات الجميلة التي تتزاحم لإضاءة القصد أو الهدف بمزيد من القرائن الموزعة على مساحاتٍ جغرافية وتاريخيةٍ واسعة لم تتعرف جميعها على أمانة النقل وفضائل التدوين، أحداث منسية وغامضة يعيد ضبطَها بين الحين والآخر لقيةٌ أو أثر بمرتبة الكنوز. فلم يولد موسى أيها الصديق بلا نبوءة كنبوءة دلفي، فقد ذكر المؤرخ الروماني اليهودي يوسفيوس قريبا من الميلاد ” أن كهنة مصر تنبأوا أنه سيولد لبني اسرائيل طفل يُعرّض مستقبل الأسرة المصرية المالكة للخطر…” وتقول التوراة أن عمران قد تزوج عمّته يوكابد فولدت له هارون وموسى ومريم، ويفترض سيد القمني أن يوكابد أو يوكابت هي نفسها أُمُّ اخناتون التي أصبحت مع التشظي اليوناني يوكاستا كما تشظى اسم قارون ابن عم موسى الذي ناصبه العداء الى كرايون خال أوديب الذي لم يتوقف عن عداء البطل الإغريقي.

ومثلما كان أوديب إبنا وزوجا لِيوكستا، كان موسى إبنا وزوجا لصفورة. يقول الصليبي في قراءته للنص التوراتي في أصله العبري، إن موسى كان نبيا في بعض النصوص وإلها في بعضها الآخر، فقد جاء في التوراة أنه تأخر في الختان، وأن يهوه التقاه وهم بقتله ” … فأخذت صفورة صوانة وقطعت غرلة زوجها ووصلت الى رجله وقالت: أنت عريس دم لي من أجل الختان.” وجاء في نصوص آخرى أن صفورة لم تكن زوجة الإله موسى بل والدته، “… فتدخلت صفورة فختنت ابنها الإله موسى واتخذته لنفسها عريس دم أي عريس عذريتها استرضاء ليهوه ” (خفايا التوراة وأسرار شعب اسرائيل) وما قالته التوراة وقرأه كمال الصليبي عن موسى باعتباره نبيا وإلها يؤكد نظرية عثمان ثم سيد القمني أن موسى هو ذات إخناتون لأنه الفرعون الوحيد الذي كان نبيا لأتون وإلها في الوقت نفسه. وتلك لعمري مطابقة شديدة الإثارة.

أيها الصديق العزيز

عندما تقرأ في التاريخ القديم، لا يمكنك القطع أن ما تقرأه قد حدث يوما في العصور الغابرة، وأن قناعاتك التي كوَّنَتْها القراءات المتلاحقة هي قناعاتٌ حقيقية وثابتة، فما تضيفه الكتب الى معارفك كل يوم تختلف فيه مساحات الصدق التاريخي. لا سيما وأن في الدينية منها رموزا تتحدى قواعد المنطق وقوانين الفيزياء، ومن الضروري حمايةً لسداد الرأي أن توضع تلك الرموزموضع النسخ اوالنقد والمراجعة فهما الغذاء الملكي للعقل.

انطلاقا من هذه القاعدة الرصينة يعود سيد القمني الى أسطورة موسى والسبب الذي دفع أمه لإلقائه في الماء. فقد تزوج عمران من عمّته ثم أبطل القانون العبري مثل هذا الزواج باعتباره زنى، لذا يراود المرءَ شكٌ أن أُمَّ موسى في الشكل الأصلي للرواية كان يدفعها سبب خاص (شرعية موسى) لطرح ابنها في النهر، حيث كانت المعتقدات القديمة تلجأ لهذا الخيار في حال الزنى، فمن ينجو يعتبر إبنا شرعيا ومن يشده الماء القدسي الى قاعه يشده بصفته ابنا غير شرعي. وأخيرا أيها الصديق هل تُكمل رواية الفيلسوف والمؤرخ اليوناني Plutarch (نحو46م نحو125م) ذاك التطابق المريب مع أوديب في قتل الأب عندما قال: أن اسم موسى يعني في المصرية القديمة ابن الماء وهو لقب فرس النهر الذي تعوّد في سلوكه الغريزي أن يقتل أباه ليتزوج أمه.

إن الفرعون أمنحتب الثالث والد إخناتون والصورة الأصلية لِ لايوس، لم ينس ما تنبّأ به الحكيم أمنحتب بن حابو (ترزيا س ) فأرسل ولده إخناتون الى المنفى ليأمن شر النبوءة وشر الكهنة الأمونيين. وقد ذكر مانيثو المؤرخ المصري في كتابه الذي نجا من حريق الإسكندرية بفضل ترجمة سابقة له الى اللاتينية ” أن امنحتب الثالث أرسل ابنه وهو في الخامسة من عمره الى صديق ما، وقد ظهر الأب وهو يودعه على لوحة من ألواح الكرنك، ثم يختفي ذكر الإبن من كل النقوش المصرية حتى يعود ملكا ” فيتزوج نفرتيتي شقيقة الملكة ( تي ) أي خالته الجميلة. ثم يقتل أباه قتلا رمزيا متعَمدا بمحو اسمه من جميع الآثار المصرية. هدم إخناتون تماثيل أبي الهول المصري كما هدمها من بعده أوديب وعاش في مدينته الجديدة تل العمارنة وهي اسم الجمع لعمران والد موسى والموضع الذي تعيش فيه حاليا قبائل بني عمران. وكان ( أي ) خال إخناتون قد تحول الى عدو له بعد رجحان كفة الأمونيين وتشظى اسمه يونانيا الى كرايون (كر ـ اي ـ ون) خال أوديب وألد أعدائه.

صديقي العزيز

إن من يكتب في فلسفة التاريخ أو في تاريخ الإجتماع الديني وعن أحداث تفصلنا عنها آلاف السنين، لا بد أن تلاقي افتراضاته شكوكا، أو تضاربا واسعا يتجاوز الشكوكَ ليبلغ حدَّ الحمق كفروض زميلك الروسي. وربما يلامس المؤرخ أطراف الحقيقة عندما يعيد رواية الأحداث وتزمينها، لا سيما رواية نصوص يعاني تاريخُها القديم اضطرابا عظيما أقل قليله من الشطط: المغالاة والأسطرة. وبالرغم من محاولة الكاتب سيد القمني التدرجَ في الكشوفات، وفتحَ نوافذ في أبحاثه مشرعة للهواء الرقيق، فإن القارىء يتفاجأ مع سلاسة تدرجه بما لم يكن يعلم أو يعتقد أو يتوقع، فيعيش في حفل معرفي واسع وبهيج. تلك أيها الصديق خَصوصية الدراسات التاريخية، التي لا تخرج عن كونها متعة لها ذائقة فريدة هي متعة الفرح بالكشوفات العلمية الصادقة وغير المسبوقة. فتشعر أن القناعات التي خزّنَتْها البُنى القشريةُ يوما في الدماغ بحاجة لإعادة درس واعتبار ونظر. البنى القشريةُ أيها الصديق تعبيرٌ استعرتُه من قاموس العلوم الطبية، فأبطالي في هاتين الرسالتين أطباءُ أعصاب يحضّون في كتاباتهم على إعادة النظر بالقناعات القديمة التي ترسخت في أذهاننا بمرور الزمن أو يحضون وذلك أضعف الإيمان على الزحزحة الدائمة لها. أمرٌ يضعني كما يضعك دوما في المكان القلق، كأننا في مكابدة أبدية غالبا ما تؤدي أوجاعُها الى ولاداتٍ جديدة أو الى أبوابٍ مغلقة.

المانيا مكتب السنابل ٢٨ – ١٢ — ٢٠١٩

رابط الجزء الأول
إلى الفرنسية