بعضهم يرطن بالانكليزية
وبعضهم ما زال يغرّد بالفرنسية
وأخرون لا يكادون ينطقون إلّا بفصحى شيخ الأسلام ابن تيميّة
وآخرون يمتهنون البكاء،

ولا ينتحبون إلّا باللكنة الفارسية
ومنهم من يتألّم
ويجلد نفسه ووطنه بسياط النقمة.

حين قلت أنّ “روحي عربية”

وأنّي متفائل بثورة تشرين اللبنانية،
تحرّكت فيهم لواعج الانسانية
وعذابات الشعوب الشقيّة؛
عاتبوني على مجاعات أفريقيا
وحرمان الصومال،
وقضية اليمن،
ومصائب ادلب وأحوال كركوك
ولمّا عجزوا:
قالوا “فلسطين”

وكأنّي قد خنتها أو بعتها
أوكأني أنا من احتَلَّ أرضها وشرد أهلها منها
ثمّ قمت فأتممت معاملات تسجيلها لنفسي في دائرة بعلبك العقارية.
ومنهم من يتّهمني بمحارق لم يقم بها هتلر زمانه.


كالوا لي كل الشتائم بالتعصّب والعنصرية وما شابه…
ولم يقصّروا.
وتعجّبوا كيف لا أهتمّ بقورش،
ولا بكسرى على إيوانه.
واستشاطوا غضباً حين لم أرفع القلنسوة مثلهم لكبير الكهنة.
وهكذا بدأت ألطم وجهي على خيبتي بهم جميعاً
ولعلّهم يلطمون صدورهم على خيباتهم بي
ويرددون مرثياتهم السرمدية المتوالية!
ويا للهول!

تركت الجميع إلى غرفتي المتواضعة
ونظرت في صندوق الفرجة قليلاً (اللابتوب)
ثم جلست إلى الزاوية “أترنَم من لغة القرآن”

مع مظفّر النوّاب في وتريّاته الليلية.
*****

هذه رسالةٌ إلى شاعرٍ أرادَ بَيْعَ هويّته:

تحياتي أيها الشاعر، وبعد:

كيف يبيع أحدهم الهوّية
وهي مكوّنات دمه،
وخصائص جيناته،
وبريق عينيه،
وخفقات قلبه،
ولهفات روحه.


تمهّل قليلأً أيها الشاعر
وعدّ بتاريخك نحو الماضي
وتذكّر من أي بلدةٍ أتيت
بل ما هو أول معبدٍ مررت به

قبل أن تُولَدَ بقرون كثيرة؟
وأية لغة نطقت بها الشعر لأول مرّة؟


هل يمكنك التنكّر لزينون الصوري
؟
أو لنيقوماخوس الجرشي؟
أو لثابت بن قرة؟
لا بل أنت أيها الشاعر أتيتَ قبل ولادة الرهبان
ْ
وقبل مشايخ الحديث والتفسير وفتاوى التزّمّت؛
قبل ابن تيمية وابن كثير والخاقاني

وقبل القمّي وابن عبد الوهّاب الأخير
وكلّ مَنْ مٍنْ بعده كفّر وأنذر
ْ

قبلهم جميعاً بدأتَ بأبياتك الأولى

يومها لم تكن تنطق العربية
ولم تكن لهجتك قد تكونت بعد


ومن هم هؤلاء النكرات من “سخام الأحزان”؟
من أمراء وملوكٍ تزينوا كالعاهرات “بأعلام الدول الكبرى”
؟
تمكنوا من خليجنا فحكموه؟
وهل يحبس البحر وتُحْكَمُ الرياح والأعاصير؟


أنت أيها الشاعر

أنت لسان أمتّك
وقلبها الخافق
وعقلها العميق
أنت مجنونها

وأنت نبيّها.

هي قررت أن لا تخرج منك،
فكيف لك أن تخرج منها.


بوركت تلك الروح الصافية المحبة للخير والجمال، بين خافقيك.
أيها الشاعر

انظر في خبايا روحك العميقة
روح الانسان الذي هو أنت
وتكلّم

فأنت نبيّ مثل جبران،
ومجنون مثل قيس،
وحكيم مثل زهير ابن أبي سلمى،
وفيلسوف كالمعري رحمه الله وطيّب ثراه.

ولعلّك من شهداء الفكر؟.

مع هؤلاء تجد هويتك الحقيقية
!
دع هويّتك الزائفة، المفروضة عليك،
تنزوي في نفسك في مكانها اللائق بها،
وتحاسب معها ساعة تشاء،
ثمّ ننتظر قصيدةً لك لنسمع بقية الحكاية.