أحاديث شمس الجبل (5)

من أعلام “شمسطار”
السيّد علي حسن الحسيني

*****
(بقلم) أسرة تحرير السنابل وعائلة السيّد علي طيّب الله ثراه
*****

أسرة التحرير في السنابل
تحتفي.. وتكرِّم

السيد علي حسن الحسيني  
طبيب وشاعر.. وأديب
وصفحة مشرقة
في مسيرة شمسطار

البلدة الساحرة التي تغفو بهدوء
ووداعة على أقدام الجبل الأشم

حيث ينساب “الكْوَيْفْ” غَزِلاً 
رشيقا صافيا من دموع صنين 

فلا يصح أبدا أن يطويها الزمن
ولا تستفيق لكي تنصف الرجل 
ببعض التدوين العادل للتاريخ
ولو بقليل من الحفاوة والتكريم

لعلّه لو لم يكن شاعراً؟
وكان طبيباً فحسب 
لما أسرف بالتدخين
ولم يرحل  قبل أوانه بزمن طويل

 مع التحية العاطرة لعائلة السيّد علي 
التي لم تقصِّر يوما
في التنقيب 
عن الضائع من (ميراث) هذا الطبيب والشاعر 

عندما بْساعة رحيلي.. تِسْمَعي؟
لَيِّ تَعِيّ وتْبَسَّمي.. ولا تِدْمعي
حتّى بعيوني تصَوْرِكْ صورة وداعْ
وطَبِّقْ جفوني وآخدِ الصّورة مَعي

C:\Users\ibrah\Desktop\thumbnail_IMG_2332.jpg


تعريف بالشاعر الطبيب

هو علي حسن الحسيني، من مواليد “مزرعة السيَّاد” في “قضاء جبيل” من العام 1914. أبصر النور في بداية الحرب العالمية الأولى، وقد عمَّ البلاد الجوع وانتشر الجراد، وهرب معظم سكان الجبل إلى حوران في سوريا، ومختلف بلدات سهل البقاع، الذي لا يفصله عن مزرعة السياد، إلا جبل صنين إلى الغرب من السهل الخصيب.

هذا سهل العطاء ومواسم الخير الكثير يفيض على الناس على مدى التاريخ . كما لا يفصل لبنان وسوريا إلاّ هذه الواو الكافرة، وسلسلة من الجبال الطويلة الى الشرق من سهل البقاع، تمتد طويلا من الشمال إلى الجنوب. هكذا هاجر من هرب من الجوع إلى بلدان العالم في أربع رياح الأرض، ممن لم تكفهم مساحة الأرض الزراعية للبقاء في أرضهم، فما بالك بأرملة رحل زوجها عن الدنيا؟ وترك لها طفلا رضيعا لم يبلغ سنته الأولى بعد.

أحسنت أمه – والأمومة تتغلب على الأبوة في معظم الأحيان – وتحملت قسوة الدنيا بصبر، ومسؤولية يتمه وتربيته، حينما خانه حظه العاثر، ورحل أبوه عن الدنيا في طفولة مبكرة لم تتعد سن الرضاع. وعرفته البلدة لاحقا وسائر قرى الإقليم والجوار بالسيد على الحكيم. متحدِّثا لمَّاحا لبقاً ومصغياً عاليَ الفطنة والذكاء.

 كان مميز الحضور وحينما يتحدث؟ يشدُّ إليه المستمعين بشغفٍ وحبٍّ وانتباه وتقدير. ومن الإنصاف حقا أن تتغلب عليه كنيته لأمِّه “روضة”، على كنيته لعائلة أبيه الكريمة.. الحسيني، التي تعودُ في جذورها إلى نسل  طاهر ونبيل، هو الإمام الشهيد أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب، “الخامس” من أصحاب أهل الكساء. 

هكذا تعهدته والدته بالتربيته، وأرسلته إلى مدرسة البلدة حيث ختم القرآن خلال ثلاثة أشهر، اكسبته فيما بعد بلاغة لغوية فائقة، عززها بحثه الدؤوب في تعلم قواعد الصرف والنحو، وشغفه أيضا بعموم نواحي المعرفة ومطالعاته لشتى صنوف الكتب، من شعر وأدب وفلسفة وتاريخ.  وكان يمتلك مكتبة كبيرة ثرية فيها أعداد ٌ وافرة من سائر الكتب والمراجع التي شغف بقراءتها. فكان يقرأ  في اليوم الواحد بلا ملل عشر ساعات على الأقل. 

حينما انتقل مع أمه إلى “جديدة المتن”؟ كانت قد بدأت ترتسم خطوط حياته، وتتشكل معالم مستقبله في البلدة، حيث تعرف إلى “أبي جبور” أحد الشعراء المبدعين في رومية من قضاء المتن. فتأثر به ولازمه وتردد عليه ومعه إلى مجالس الشعر والأدب، التي كانت تقام في محيطه. ثم بدأ نظم الشعر والاطلاع على التراث الشعري العربي قديمه وحديثه حتى صلُب عوده، وكان شغوفاً متلهفاً للعلم والمعرفة، فحصَّل ثقافة متنوعة واسعة للغاية. 

عرف بذاكرته الحادة كالسكين، فلم يكن بحاجة ليقرأ الشعر أكثر من مرتين، حتى يحفظه تماماً عن ظهر قلب. لكنَّ مرضاً عضالاً غزاه وألزمه المشفى لفترة طويلة، ما دفعه إلى اكتساب خبرة جديدة بالتمريض حببته برسالة الأطباء، فقصد المكتبات السورية واستحضر منها المراجعَ، التي يدرسها طلاب الطب في الجامعات، وانكبَّ على دراستها بعد أن انتسب للجامعة هناك، حيث تعرَّف فيها إلى عدد من أساتذة الطب، أعجبوا بتوقه إلى المعرفة وأقاموا معه الود والصداقات. وكانوا  يزودنه بالأبحاث ومقالات في الطب يطلع عليها بشغف واهتمام. 

انتقل بعدها إلى شمسطار العام 1944 حيث بدأ بممارسة الطب، وقد بقيت هذه المهنة رسالته المثلى طوال حياته أكثر مما كانت مصدر عيشه. وكان الطبيب الأوحد في قرى وبلدات منطقة غربي بعلبك، يتوافد المرضى إلى عيادته طلباً  للعلاج، وقد ذاع صيته كطبيب متمكن وبارع. يتباركون بلمساته فتشفيهم من السقام والأوجاع.

بين عامي 1949- 1950 نشر قسماً من نتاجه الشعري، في مجلة بنت لبنان لصاحبيها الشاعرين: حسين سلمان ورامح مدلج. ولم تكن علاقته بالشعر علاقة تَكَسُبِيَّة أو هواية عابرة، إذ كان ينظم الشعر بلا جهد أو تكلف مصطنع، بل بطلاقة باهرة قل نظيرها حتى عن أبسط أموره اليومية. وكان في الصباحات والأمسيات لا ينسى أسرته،  فيمطر أولاده وزوجته بالمعرفة، ووابل من شعر التراث أو من أشعار غيره من سائر المبدعين . 

عشق الشعر العامي والفصيح جنبا إلى جنب. ونظم أراجيز الغزل التي تحرك الوجدان من الأعماق. ولم يقصر في نظم  شعر الحكمة والحماسة على السواء، وأثبت براعة عالية كما في سائر القوافي… والوطنيات.

 كان يتطلع ويتوق إلى بلد حر مستقل، بعيدا من الطائفية والمذهبية والفكر العقيم، قائم على الكفاءة وسيادة العدالة والقانون لجميع أبنائه بلا تمييز. ويقول في هذا المجال أبياتا من العتابا حفروها على ضريحه عند الممات: 

عليكم زمهرير الدين مُذ هبّْ
ذهبتوا بالجهالة كل مَذهبْ
عيشوا في وطنّا بْفرد مذهب
بْسنة بتسترجعوا مجد العرب

كان شعره متنوع التِّيمات، خاليا من التكلف والأغراض الذاتية، متجدِّد التركيب متين البنيان. يتوسل ويمزج بين العامية والفصحى مما أكسب قصائده ثراء البيان، وغنى المجازات والاستعاراتٍ و هو يلجأ إلى الرمزية والخيال، فيأتي شعُره العامي متيناً موشحا، ليس بعيدا من الشعر العمودي، لا سيما وقد تأثر بكثير من الشعراء العباسيين الملهمين كالمتنبي وابن الرومي، والحسن بن هانىء – أبي نواس، وتأثر أيضاً بعنترة بن شداد الشاعر.. وفارس الفرسان. وهذه قصيدة له في الفخر والحماسة، ليست إلاّ على سبيل المثال لا الحصر.. وهي بعنوان:

مصرع الأسد 

الجو اكفهر ودقت طبول الرياح
والليل قلبو بخنجر البرق انجرح
والطبيعة ترطب عليها الوشاح
والنجوم تستروا بغيم الترح
قمت طلَّعت الأصيل من المراحْ*
سرجتو وفؤادي يدق دقات الفرح
وصوب غابات الأسد قمتو طفاح
ومتل خطرات الفكار تحتي سرحْ
وكان الأسد عالبوتو عامل مناح
وفاقد شبالو وبعد حزنو ما برح
وجوعان ومشلهب على قبض الرْواح
وعناب غيظو، كزّْ من حقدو وْقرحْ
وشافني بالغاب خالي من السلاح
فز وإجاني، عبست، بالأرض انطرح

*اسطبل أو أرض ترابية منبسطة تقع بين التلال يرتاح فيها القطيع من عناء المشي)

يتبين لقارئ هذه القصيدة ثراء البيان، وغنى المجازات بل وأنسنة الطبيعة ليلَها ونجومها، فتبدو كأنثى اتشحت بعتمة الليل وزخات المطر، وتبدو لها النجوم وقد تسترت بوشاح” التَّرح” لغياب القمر في تلك الليلة الماطرة الهوجاء. هكذا يبدأ سردَ مغامرته، متوجهاً صوب عرين الأسد ملِك الغابة الذي لا يهزم وتهابه كل الكائنات. 

وهكذا وجد الأسد بحالة مزرية لما أصابه من الجوع واليأس والغضب. كان حزيناً على فقد أشباله وموت اللبوة أنثاه، حينما فاجأه الشاعر في عرينه على فرس “أصيل”، يجري كريح الزمهرير وأسرع من الخاطر بكثير، وهو يقول:” متل خطرات الفكار تحتي سرح”.  هذه السرعة التي تضاهي  ومضة الفكر أو النور.

ثم يتابع رحلته بشغف وعزم لا يلين، ليشرح تحديه وكيف انتصر على الأسد، مشيرا إلى  فرِح خال من السلاح والدماء،  فتأتي القفلة مدهشة إذ يقول: ” فز وإجاني، عبست، بالأرض.. انطرح .” لكأنَّ عبسة الشاعر وحدها كانت كافية ليركع الأسد ويعلن استسلامه الأخير، خضوعا لقوة الشاعر وجبروت شعره! وهكذا تبدو القصيدة كقصة قصيرة، ترُوج في مثل هذه الأيام نظراً للغتها المكثفة البليغة، وسردها الشيق المعبر وقفلتها المدهشة. 

هناك مبالغة.. لكنها مبالغة محببة بلا ريب. إن دلت على شيء فإنما تدل على براعة واقتدار ملحوظ في عموم أصناف الشعر. خاصة الزجلي منه والمناظرات الشعرية المرتجلة. وهكذا فقد نظم الشعر العامي : مثل الشروقي والمعنَّى وأبو الزلف. وكتب في القضايا الوطنية. كما نظم العتابا وكان ناقداً لمّاحا يختار أجمل الأشعار فينقدها ويحسن تقويمها، ويبيِّن حسناتِها قبل أخطائها بغية الوصول بالنظم إلى الإبداع.. وينشره في مجلة بنت لبنان. 

كانت له حوارات زجلية مع أهم شعراء عصره أمثال : يوسف الحسون، حفيظ فرحات، حسين سلمان، راغب الزهر، رفعت مبارك، وكرم عطالله وأبو جبور وغيرهم من الشعراء، ممن رحلوا طيب الله ثرى قبورهم. 

أصيب لاحقاً بمرض رئوي بسبب الإدمان على التدخين، والإسراف في السهرات الشعرية دون مراعاة حالته الصحية، وتفانيه في السهر على مرضاه ممن يكثر حضورهم إلى بيته ليلاً، وبعضهم يأتي وقد بلغ أسوأ حالات المرض. تضافرت هذه  الدواعي  وسببت رحيله المبكر.. حينما غادرنا في الثالث من نيسان سنة 1969.

احتفظ بمعظم قصائده صديق له وشاعر، لكي يعدها ويشرف لاحقاً على تنظيمها للطباعة والنشر. لكنه أبان الحرب الأهلية فقد معظم ما كان بحوزته، ولم يبق منه إلا القليل مما يحفظه أولاد الشاعر ويحفظه كثيرون من أبناء قريته، أولئك الذين يعشقون الشعر ويستمتعون به وينتظرونه، لينتشر بين أبناء بلدته بسرعة الريح.  


لعل في الكلام عنه كطبيب ما يكفي.. لكن لا يفيض، حينما يتذكر الجميع مدى ثقة الناس بكفاءته وصحة تشخيصه، وإنسانيته النبيلة المترفعة عن الحسابات، والمصالح مهما بلغت من الأهمية. هكذا كان شديد العناية والتدقيق وهو يعاين المرضى، ويتحرى أسباب عللهم في زمن لم تكن قد انتشرت الأشعة والتحاليل، التي يتوسلها أطباء اليوم في معرفة وتشخيص المرض. وكان الناس يتوسلون له بالدعاء ويقولون “إيدك مريَّة يا حكيم”.

هذه عينة من بعض المقاطع من قصائده.؛ لكي يتعرف إليها القارىء، ما دامت القيمة ليست بالمقدار بل بالأهمية.  

عتابا في الغزل

سفكت بالهوى دمي ورَقتِ 
(رقت هي أرقتِ أي أرقت دمائي)
ونفضت اليد وطويتِ ورقتي
نْصحيتِ وعاودك رشدك ورِقتِ
اضربي من بعيد عينك عالبوابْ
(وهذا مقطع من قصيدة طويلة )

في الوفاء

الوفا بالناس من نوع الأساطير     كتبنا وما جدت نفع الأساطير
إذا فيك انفجر لغم الأسى طيرْ      لعندي بعدني بِرعى الصْحاب

وفي الفخر أيضا 

سلوا عني المكارم إن فْعالي
جهِلتوها وأرَدتوا اِنفعالي
أنا و بالمهد عندي أنفْ عالي
وعزم عبَّدْ طرُق كانِت صعاب.

وقال مخاطباً صديقه 
الشاعر كرم عطالله 

هدَّد حياتي الشوق حتى راعني
والسهل ضاق بلوعتي وما ساعني
قصدت “الجديدة ” ونصب عيني الوفا
والنفس للأقدار كانت ذاعني
لا زرتك ولا دُقت كاسات الصفا
وأين الصفا وعني الأحبة ظاعني
ولص الأرق من مقلتي استل الغفا
ويد الشقا صارت سُروي طاعني
لكنْ فؤادي خِلّْ غيرك ما اصطفى
وتاركو من زمان عندك يا كرم
ولو كان بعدو بداخلي ما طاعني 

وهذه مقاطع من قصيدة وطنية
عن الصراع مع العدو الإسرائيلي 

يا للخجل والعار من عيد اقترب
يشهد ضحايا بذمة الشعب الغبي
يا عيد ضاعت فيك أحلام العرب
من وقت ما ضاع الكيان اليعربي
وحصن السعادة بمدفع الطيش انضرب

وانهار من ضغط النفوذ الأجنبي
ما دام قبل العيد ما نلنا الأرب
مأتم بعيني العيد لو يخلق نبي
يا عرب تقويم بدو الاعوجاج

حرضونا وجاهروا بتحريضنا
عرضونا نثور, ونثير العجاج
في أكتر من الموت في تعريضنا؟ 
الموت أشرف من مواقف ارتجاج

“الجاني” بها مشرف على تمريضنا
منقدم معاريض شكوى واحتجاج
وياليت عم يقرا حدا معاريضنا ..
كل جمعة مفاوضات واجتماع
من دون فعل ليش تأليب الجموع ؟

غير القوي من الغاب ما اصطاد السِّباع
غير البطل مش ممكن يصون الربوع
شن غارة عالوطن (وaحش) الدمار)
يا بني قومي الحذر ثم الحذر
التاريخ ما بيسمع كلام الإعتذار
بالاتحاد رماح بتصير الأبر
المجهود لازم نبذلو برفع الحصار
كل من بذل مجهود، لو مات انعذر

كلمات تصلح للغناء والتنديد؟ حيث يفتك بفلسطين (وحش) الاحتلال الصهيوني وحيث يكاد يستولى على القدس بكاملها، ليجعلها عاصمة أبدية ل” دولة إسرائيل” كما يحلو للعدو تسميتها في الزور والبهتان والتضليل.

هذه حكاية مقتضبة، عن رجل عصامي مناضل ندر أمثاله من رجالات اليوم . كانت  حياته عطرة وعبقريته هادية وملهمة للجميع، وسيرته في عمق القلوب ترددها الشفة واللسان، دون أن يستوفي حقه منا في الإعجاب والإجلال  والتكريم. لعله يحفز الشباب من جيل اليوم.. بطيب ذكراه وما تركه لنا من الأثر المشرف النبيل.