صديقي الدكتور شوقي يوسف

أمام السونيت التي أرسلتها لي ثم رشّحتَها للترجمة، اعتراني شيء من خوف الضعيف ورهبة الممتحَن. فأنا في مضمار النقل من لسان الى لسان، طري العود قليل الدراية بغرائب اللغة الفرنسية وشواردها. وكلما حاولتُ الخوض في ثراء نوادرها خرجتُ منها كَفَافا. لذا تمنيتُ أيها الصديق، لو ألقيتَ أثقالك و نفائسك على أحد آخر كُفءٍ لما تريد. وإذا نَدُرَ الآخرُ وقَلَّ نظيرُه، فلكَ عمٌ خبير بآداب اللغة عليم بصيد المعاني النائمة بين سطورها. وفوق ذلك ثمةَ في هذه الترجمة بالنسبة لي مدعاة لقليل من الحذر، فالنص لشاعر فرنسي مغمور من القرن السادس عشر، سعى باضطراد يشوبه كثير من العناد لتغيير جوهري في بُنية الشعر، ما يعزز خوفي ويزيد من عثرات الترجمة. فأنا لست مترجما أيها الصديق ولا ناقدا مُطّلعا، لكنني في مواجهة النص قارئ فطنٌ ومدرك لما يتكبده المترجم من عناءٍ عندما يتوزّع عقله بين حرفية النقل وبين المرونة والإجتهاد. كما أنني مدرك لعناء النبش في قواميس اللغة بحثا عن الكلمات المترادفة التي تطابق المعنى، فيعتمدها الناقل مرة ثم يعرِض عنها، يقدمّها ثم يؤخّرها، يثبّتها مترددا ثم يلغيها ثم يثبّتها… حتى تقع الكلمة أخيراً على دلالتها. مخاض عسير أيها الحكيم هو دائما وجع الولادة، تمسك بعده الترجمةُ بالمعاني الجديدة والعميقة مسكاً واثقا وشديدا.

لقد اختار الشاعر الفرنسي الكبير Ronsard سبعة شعراء من أصدقائه، ليكوّن الثريا. (La Pléiade). كان من بينهم Jean-Antoine de Baïf و Etienne Jodelle والشاعر (1522ــ1560)Joachim du Bellay صاحبُ السونيت التي أؤدي فيها امتحاني العسير. والثريا هن البنات السبع لأطلس. تسمية أُطلقت أول ما أطلقت زمن بطليموس على سبعة شعراء من القرن الثالث قبل الميلاد. وعلى مجموعات ليست متأخرة، ثم على سبع شاعرات من تولوز. كانت ثريا رونسار مرابطة في خط الدفاع الأول ذودا عن جدارة اللغة الفرنسية المنافسة بقدراتها الإبداعية للاتينية، كما كانت كتابات “الثريا” حول الحب والطبيعة من أجمل الكتابات المحاكية للشاعر الإيطالي Francesco Petrarca، والمؤسِّسة فيما بعد لأفول الكلاسيكية وبداية الأدب الرومانسي. يقول الشاعر بيليه في التوشيحة المشبعة بالحنين والميثولوجيا:

Heureux qui, comme Ulysse, a fait un beau voyage,
Ou comme cestuy-là qui conquit la toison,
Et puis est retourné, plein d’usage et raison
Vivre entre ses parents le reste de son âge !
Quand reverrai-je, hélas, de mon petit village
Fumer la cheminée, et en quelle saison
Reverrai-je le clos de ma pauvre maison,
Qui m’est une province, et beaucoup d’avantage ?
Plus me plaît le séjour qu’ont bâti mes aïeux,
Que des palais Romains le front audacieux,
Plus que le marbre dur me plait l’ardoise fine
Plus mon loir gaulois, que le Tibre latin,
Plus mon petit Liré, que le mont palatin,
Et plus que l’air marin la douceur angevine.

القصيدة من الشعر الذي ظهر في إيطاليا وعرف بالسونيت او السونيتّو، ويتألف من رباعيتين (2 quatrains) وثلاثيتين (2 tercets) وهو شعر غنائي كُتبَ بداية في عشرة مقاطع صوتية ثم استقر على اثني عشر مقطعا. وعادة ما يُسمّى البيت الرابع عشر بالسدادة أو الخاتمة أو الخُرجة (Le cap , La chute). وقد ترجم د. كمال أبو ديب السونيت بالتوشيحة لقناعته أن الموشح العربي في الأندلس قد يكون النموذج الذي اقتبسه شعراء أوروبا. (استاذ كرسي العربية في جامعة لندن) وللبحاثة في ذلك آراء مختلفة، فقد نسب بعضهم السونيت الى بترارك شاعر أيطاليا، وزعم آخرون أن البنية الشعرية موضوع الخلاف قد سبقت بترارك بقرن من الزمن. ويُرجّح بعض الدارسين أن Lentino الصقيلي الذي خدم في بلاط فريدريك الثاني هو من ابتكر السونيت. ويُعتقد ـــ للعلاقات الوثيقة بين الأندلس وصقلية ـــ أن محمد بن حمود القُبري هو مخترع السونيت الى أن طورها بعده شاعر الأندلس عُبادة بن ماء السماء في القرن التاسع الميلادي. وقد ذكر الأديب وشاعر الموشحات المصري ابن سناء الملك، وكان يغشي مجالس صلاح الدين الأيوبي، أن للغناء دورا رائدا في التوشيحة “فهو يُصوّب أوزان الشعر إذا اختلفتْ أو إذا خرجت عن مألوفه. فما يُعلمُ صالحُهُ من مكسوره إلا بميزان التلحين. فإنَّ من التوشيح ما يشهد الذوقُ بزِحافه بل بكسره، فيَجْبُرُ التلحينُ كسرَه، ويُشفي سقمَه، ويردّه صحيحا ما به قِلَبَةٌ، وساكنا لا تضطرب به كلمة”. وهي القاعدةُ الملِكةُ في تصويب الوزن نصح بها قبل ابن سناء شاعرُ النبي حسان بن ثابت عندما قال:

تغنّ في كل شعر أنت قائله…….إن الغناء لهذا الشعر مضمارُ
يَميزُ مُكفاَه عنه ويعزله…………كما تَميزُ خبيثَ الفضة النارُ

صديقي العزيز

عرف العرب القدماء هذا الشعر الغنائي (السونيت) وسمّوه المُسمّطَ. لاحظ القرابة اللفظية بين اسمَيْ المفعول: المُسَمّط والمُسَنّت مع الإشارة للتبادل الممكن في المواقع بين حرفي الميم والنون. فالسَمْط عند ابن منظور هو الخيط ما دام فيه الخرزُ وإلا فهو سلكٌ، والمُسمّط من الشعر أبياتٌ مشطورة يجمعها قافية واحدة. وقال الليث: الشعر المسمط الذي يكون في صدر البيت منه أبيات مشطورة أو منهوكة مقفاة، ويجمعها قافية مخالفة لازمة للقصيدة حتى تنقضي. وأورد ابن بري سونيت امرىء القيس حيث قال أو نُحِلَ القولَ:

توهمتُ من هندٍ معالمَ أطلالِ.. عفاهن طولُ الدهر في الزمن الخالي
مرابعُ من هندٍ خلتْ ومصايفُ….. يصيح بمغناها صدىً وعوازفُ
وغيّرها هوجُ الرياح العواصفُ………..وكلُّ مُسِفٍ ثم آخرُ رادفُ
بأسحمَ من نَوْء السِماكَيْن هَطّالِ

المصراع نصف البيت، والمصرّع من الشعر هو ما يجمع في صدره وعجزه قافية واحدة. هكذا استهلّ امرُؤ القيس موشحه ببيت مصرَّعٍ، تلاه بأربعة أقسام أو مصاريع من غير قافيته ثم ختم بقسم واحد من جنس ما ابتدأ به. وقد يكون المُسمّط ثلاثي الأقسام من غير بدايات مصرَّعَة، على شاكل ما أورده أيضا ابن بري في قول أحدهم.

غزالٌ هاج لي شجنا………فبتُّ مُكابدا حَزَنا
عميدَ القلب مُرتهنا…….بذكر اللهو والطربِ
سبتني ظبيةٌ عَطِلُ………كأن رُضابَها عَسَلُ
ينوءُ بخصرها كَفَلُ…….بنيل روادف الحَقَبِ
يجول وشاحُها قَلِقَا……….إذا ما أُلبستْ شَفَقَا
رِقَاقَ العَصْبِ أو سَرَقَا… من المَوْشِيَّة القُشُبِ
يمُجُّ المسكَ مَفْرِقُها…. ويُصْبي العقلَ منطِقُها
ويُمسي ما يُؤرِّقُها……سَقَامُ العاشقِ الوَصِبِ

قبل أن أكتب ترجمتي لتوشيح بيليه أو مُسَمّطه، أحببت أن أسبقها بإضاءة نقدية هي توطئة للترجمة أو ترجمة أولى وَلُودةٌ لمعاني النص، ساعدتني في لملمة خيوطها قراءةٌ للناقدة Tina Malet. فقد قضى الشاعر اربعة أعوام في روما بمعية عمه الكاردينال جان دى بيليه، لم تكن إقامته على سعة فيها، فقد كانت الذكريات الحميمة لمسقط الرأس (Liré) تهيّج أشجانه، تؤرقه، وتوزع روحه وكيانه بين حضارتين ضاغطتين. فتُظهر بدايةُ النص حماسا يتملك الشاعر ليبحر نحو آفاق جديدة، يخوض مجاهلها وقد انفتحت أوروبا على العالم الواسع، مثلما خاض Ulysse بطلُ الأوديسة هول البحار، ومثلما قطع Jason سواد القوقاز مغامرا ليفوز بجزة الصوف الذهبية… عرف هؤلاء الأبطال بعد معاركهم الملحمية الجريئة، سعادة طمح اليها الشاعر وتمنّاها، ليقضي مثلما قضوا بين أبنائهم وأقاربهم، شيخوخةً هانئة.

لقد كان بيليه يحلم في منفاه ان يعود الى بيته وقريته الصغيرة، فهُما مصدرُ ذكريات سعيدة. يرمز دخان المواقد فيهما لما في الداخل من حرارة تشكّلها العائلة، أو أُلفة ينسجها في ما بينهم القرويون المتحلقون حول مواقدهم. ويعني سياج البيت أن المكان آمنٌ ومحميٌ من مخاطر الخارج المقلق في روما. البيتُ البائس المتواضع والحديقةُ الصغيرة يشكلان مقاطعة واسعة الأرجاء، أرحبَ بما لا يُقاس من المقاطعات التي يمنحها الأباطرة للأمراء وأصحاب الحظوات الطامعين بالمغانم الوفيرة. والقصور الفخمة المزنرة بالمرمر القاسي، ثم الهواء البحري الذي تتنفس منه تلال Palatin، يملآن النفس بالذهول والعجب العُجاب. لكنهما لا يَغْبطان المرءَ، ولا يُسعدان سريرته اكثر من بيت متواضع بناه الأجداد، وأكثرَ من ساقية صغيرة من نهر Loire يتضوع في أرجائها نسيمٌ رطب وتاريخٌ عريق. (نهر اللوار الغولوازي بدل الفرنسي)

صديقي العزيز

تنتهي الموشحات عادة بالخُرجة أو السدادة، وهي للسونيت كرائعة النهار أو المركز الذي تدور حوله القصيدة. ومن الجميل المناسب أن أذكّرك ببعض السِدادات الفريدة والحكيمة للشاعر الأنكليزي الكبير شكسبير، ففي خاتمة موشحه ” لصوصُ الطبيعة” قال:

ولقد شاهدتُ أزهارا عديدة أخرى
لكني لم أر حتى زهرةً واحدة
لم تسرق منك إما الحلاوةَ أو روعةَ اللون.

وفي سدادة ” الحب المضلِّل” قال:

آهٍ أيها الحب ما أدهاك! بالدمع تُبقيني دائما أعمى، لئلا تكتشفَ عيناي إذا انجلى بصرُهما، عيوبَك الفاحشة.

صديقي العزيز

أعتقد بعد ما سلف من توطئة، أن الترجمة التي لا تخلو من اجتهاد باتت ممكنةً. وحَدُّها للمبتديء حدُّ التفسير، أيْ بيانُ المُجْمل منها، حيث يبتعد فيه المعنى قليلا عن المُراد أو يقترب منه قليلا. وبالرغم من محاذير الجاحظ حول ترجمة الشعر، تبدو المهمة سهلة مطواعة لمن لا يعتبر مثلي بنصائح أبي عثمان، فيتطفل بخفة زائدة على نادي الترجمة. ومن تطفل على نادٍ أيها الصديق زَلَّ وكَثُرَ عِثارُه. ومع ذلك عرّبتُ بنثرٍ كأنه الشعرُ وبشيء من الفراهة التوشيحةَ الجميلة التي لازمتك من زمان الدراسة الثانوية، والتي أبت يومها أن تغادر الذاكرة التي ضجّت مرهقة كما تضج الآن بمعارفها الأدبية والطبية الكثيرة. فقد قال شاعرك الفرنسي:

سعيدٌ من أبحرَ مثلَ أوليس في رحلة ساحرة
أو مثلَ ذاك الذي فاز بجِزّة الصوف الذهبية
ثم عاد طافحا يفيضُ بالحكمة ووديعة التجارب
ليعيشَ سنيّ عمره الباقي هانئا بين أقاربه
واحسرتاه! متى من قريتي الصغيرة
أرى دخانا يُصَعِّدُه الموقدُ في السماء؟ وفي أي فصلٍ
أرى من جديد سياجَ بيتيَ المتواضع؟
الذي يشكل بالنسبة لي إيالةً كثيرةَ المغانم
لشدَّ ما يُعجبني هذا البيتُ الذي شيده أجدادي
أكثرَ مما تُعجبني القصورُ الرومانية بواجهاتها المتكبرة
وأكثر من المرمر القاسي، يُعجبني حجرُ السجيل الرقيق
وأكثر من التيبر اللاتيني، يُسحرني اللوار الغولوازي
وأكثرَ من هضاب بالاتان، تطيبُ نفسي في مسقط رأسيَ المتواضع
ويثير وجدي أكثرَ من الهواء البحري، نسيمٌ رطبٌ يتضوعُ من أونجو.

ويبقى من جَداء ما يثيره نسيم الصًّبا المتضوعُ، أو من فضائل هذه الخُرجة العطرة للسونيت، أن يتذكر المرء شعراءَ وجدوا نسيم نجدٍ وساكنيه وجدَ الشاعر الفرنسي، وقالوا فيهما ما قاله في نسيم Anjou، لا بل أجمل مما قاله وأكثر حرارة وحنينا. فقال إعرابي:

ألا حبذا نجدٌ ومجرى جنوبه………. إذا طاب من برْد العشي نسيمُها

وقرأت للشريف الرضي قوله:

خذي نفسيَ يا ريحُ من جانب الحمى…..فلاقي بها ليلا نسيمَ رُبى نجدِ
فما شرِبَ العشاق إلا بقيتي…….ولا وردوا في الحب إلا على وِردي

وقال أيضا:

خليليّ هذا رَبعُ ليلى بذي الغضى…. سقى الله ليلى والغضى وسقاكما
فكيف أذود الهمّ عني تجلدا…………إذا غِبتُما عن أرض نجدٍ كلاكما

وقال إعرابي آخر:

ومن فرط إشفاقي عليكِ يَسُرني… سُلوُّكِ عني خوفَ أن تجدي وجدي
وأُشْفقُ من طيف الخيال إذا سرى……مخافةَ أن يدري به ساكنو نجدِ
مذاهبُ شتّى للمحبين في الهوى……ولي مذهبٌ فيهم أقول به وحدي.