image.png

 وأنا التي كنت أظن..؟ أنّه حتى موثّبات الزّهراء، لن تخرجني من تلك الثّلاجة المظلمة، وأخيرًا.. أبصرت النور..وسمعتهم يتهامسون وهم يتبادلون نظرات الاستنكار الممزوجة بالفرح:
– كل شيء خير من بني آدم..
– سامحه الله! كيف فعل هذا بنا؟
– كيف رضي بأن نعيش، بهذا الفقر المُدقع، كل هذه “السنين”، ليكدّس كل تلك الأموال.. بالثلاجة؟!
– حتما، لن يسامحه الله..
وصدقا أقول يا عزيزي القارئ، رغم أنني كنت ما زلت مشوشة النظر، بعد هذه العتمة الطويلة، والبرد القارس، الذي عانيته بجوف تلك الثّلاجة، أو بالأحرى القبر الموّحش!
لم أتوقع، أن المال يغيّر الملامح والوجوه، بهذه السرعة العجيبة!
وليتكم “مثلي” رأيتم وجوههم البائسة، التي أغرقها الحُزن والثكل، تزهو وتخضرّ، فجّأة، كربيع نديّ، أزهر في أوّج تشرين، عندما أبصروا الرزم النقدية، الملفوفة بالنايلون، والمرتبة بإتقان، في العلب البلاستيكية المُخّتلفة الأشكال والألوان..
لم يمض على دفن الوالد، بضع ساعات، حتّى انقض ولداه، الكبير والأوسط، وابنته الصُغرى، على زوايا بيته الوضيع، ليفتشوا كل متر، بل وكل فترٍ فيه! وبعد أن نجح اليأس في السيطرة على أحلامهم البيضاء، صاحت البنت الصُغرى:
لم يبقى لنا إلاّ الثلاجة! دربكم على الثلاجة، لطالما منعني من تنظيفها وترتيبها كلما بادرت إلى ذلك..
وهناك كانت المُفاجأة..!
قال الابن الأكبر وهو يخرج الأوراق النقدية الملفوفة بإحكام بنايلون سميك:
– الويل له..  بخل علينا بكل شيء.. ولم يأخذ معه شيئًا!
وهمست الابنة الصُغرى، وهي تمسح دموعها الغزيرة:
– مسكينة والدتنا المرحومة، قتلها بتقتيره وبخله!
فقاطعها الابن الأوسط  قائلا:
– صحيحٌ أن موته كان مُفاجئا، ولكنه كان خيرًا لنا جميعنا..
وبدأ الكنز، يتفرق بالتساوي، وبدقة لم يسبق لها مثيل..
وحمدت ربي، أنني كنت من نصيب الابنة الصغرى، بعد أن رأيت عدوى الشح والتقتير، تنتقل من الوالد لتلمع في عيني الابن الكبير، والطمع والأنانية، يستعران في عيني الأوسط، بينما بدت الصبية، جميلة الهندام، كريمة النفس، هادئة النظرات..
كم أنت ضعيف أيها الإنسان، مهما نجحت في كتم أسرارك، ونقاط ضعفك، ولكن، لطالما فضحتك عيناك، أمام بريق العملة..
أتظنون..! أننا معشر الأوراق النقدية، لا نشعر ولا نحسّ..؟
نحن نشعر ونحسّ، بل، ونرى ونسمع.. مثلكم، تماما!
وأنا شخّصيا قلّبت وجوها كثيرة، رُغم ضآلة قيمتي..
ولطالما رأيت وجوهًا، كانت تتظاهر كالنعاج، وبسببي، تحولت لذئاب!
وكم رأيت ذئابًا، تنكّرت بوجوه نعاج، لتظفر بي..
لطالما زغرد قلبي، وصدح مع فرحة الصّغار، بابتياع الحلوى والألعاب..
وارتوت روحي، بشهد العزّة والكرامة، في قبضة العامل الخشنة، التي عطّرها ندى جبينه اللُجيّن!
وكم شعرت، بالخزي والعار، في يد الفاجر والمُحتال، وبالقوة والأريحية، في يد الكريم، نديّ النفس والكف..
وكم تمنيت الموت، في يد الخائن الوضيع، الذي باع تراب وطنه، من أجل حفنة نقود!
وكم رقصت بين شرفات الغيم، ولمست أناملي النجوم، عندما بنوا المدارس والمصانع، وموّلوا المشاريع الخيرية، من خلالي..
كم تقلبت على فراش من الجمر، عندما رأيت فلانا يبيع كليته، لحاجته لي..
وآخرٌ، أشعرني بالاشمئزاز والغثيان، عندما باع ابنته القاصر، بسبب طمعه بجمعي..
بينما هذا المبذّر الغني، الذي اشترى ساعة بآلاف الدولارات ليتباهى بها أمام أقرانه..
وتلك المرأة التي أنفقت كل مالها، على طعامها الدسم، الذي كانت تُفرغ كل أحزانها في تناوله! أشعراني بقلة القيمة والهوان!
تباً لك أيها الإنسان.. لا ترى أبعد من أنفُكَ!
أنا مجرد ورقة، ورقة قابلة للاحتراق والفناء، ورغم ذلك..؟ أميل بك، مرة ذات اليمين، ومرة ذات الشمال، وفقًا، لرغباتي وأهوائي، وانت حتّى لا تدرك هذا..
أُقرّب البعيد، وأُبعّد القريب!
كم من عليلٍ شفيت، وكم من سليم بدنٍ، سلبته عافيته..
كم من عزيز نفسٍ، ذللّتهُ، ومن وضيعٍ رفعتهُ!
كم من مُزيّفٍ، أصبح أصيلاً.. ومن أصيلٍ، أصبح مُزيفًا.. بسببي!
كم من يتيم شرّدتُ، ورحم قطعتُ، وما زلت في نظرك، أيها الإنسان، سدرة المنتهى، وغاية الغايات..!؟
ليتك جعلتني وسيلة، لا غاية، لكي أشد أواصر نسيجك الاجتماعي، وأُقوّيَ خيوطه الواهية!
أنا الآن سعيدةٌ، بل في قمة السّعادة!
لأنني أبصرت النور، وخرجت من هذا القبر الموحش، لأغدو، طوق ياسمين، يُعانق زهر جدائل حفيدة ذلك الرجل البخيل، الذى سيذوب في تُراب هذه الأرض..؟
إلى الأبد..
بينما..؟ سأبقى “أنا”، حرّة طليقة، ألِفُّ وأدورُ، في دنياكم العجيبة، الغريبة!
وكل ما أصلي له.. أن لا أعلق مرة أُخرى، كهذه العلقة السوداء، في تلك الثلاجة اللعينة..!