شرفُ المصفاةِ

في الرد على التعليق

هوِّن عليك يا صديقي.. ففرنسا اليوم والفرنسيون معها، وكل أوروپا غيرها بالأمس البعيد.. أقله أن نهضة شاملة في وقت قياسي قصيرعمّت هذه البلدان “ووحَّدَتْها”، بعد كل الدماء الغزيرة التي أريقت خلال الحرب العالمية الثانية. وتحوّلت العلاقة بين مختلف بلدانها إلى رابطة متينة، ومصالح متبادَلة في سوق أوروپية مشتركة؛ أين منها العرب..؟ وحدها بريطانيا انسحبت من السوق منذ عهد قريب.

أما إذا شئت الحديث عن فرنسا الأمس..؟ فعندي ما يكفي ويفيض وأدَّعي أنني ممن عرفوا الفرنسيين عن قرب؛ وعاشروهم لوقت طويل. وإن شئتَ أن أحدثك عن مدنيَّة الغرب مثلا، وكيف تتساوى عندهم المرأة بالرجل..؟ فينبغي أن أحدثك أولا عن مساواة المرأة بالرجل عندنا وكيف ينبغي أن تشرِّع المرأة لنفسها، بأن “تُفَنْتِرَ” على حيطان الأزقة وعلى المفارق في الطريق من باب المساواة مع الرجل وحسب. هذا الحق الذي شرَّعه الرجل لنفسه عندنا وتمسك به لوقت طويل!. معذرة يا صاحبي على وضاعة الإشارة، والتعبير المبتذل ونحن في بداية الحديث.

مهما يكن الأمر ودواعي الشرود عن الموضوع..؟ فلقد كتبتُ نصاً منذ وقت لم يمضِ عليه زمن بعيد، والنص تناولتُ فيه لويس الرابع عشر أحد الملوك الفرنسيين، وكيف جلستُ في قصره وعلى كرسيه، فاستنفرتُ وأربكتُ الحارس المكلف بمراقبة المكان، وكاد يطردني من أرجاء القصر والمتحف، ولو أتيح لي النوم يومئذٍ في سرير الملك، ومعاشرة واحدة من خليلاته لفعلت.

كنت سأتحامل على نفسي يا صديقي، وأتحمل عبر هذا التاريخ الطويل رائحة الوساخة من سرير الملك العظيم، وكنت تمشّيتُ بعد فعلتي وما خطر في فكري في باحات القصر، مزهواً مُسْبَطِرَّاً أنني تمكنت من العبث بالتاج الملكي المجيد. اللعنة على الشيطان كيف يستدرجنا يا صديقي إلى الحديث عن “الحريم”، بتعبير “الأخوة” الأتراك ومسلسلاتهم المنفِّرة للذوق السليم.

نشرتُ النص الذي أشرتُ إليه في جزئين، ونال نصيبا ملحوظا من التعليقات وعدد القراء، ممن راقهم كيف تجرأت “بوحيٍ مما يفعله الحمصيّ”، وجلستُ على الكرسي المعروض في إحدى باحات قصر “ڤرساي” للفرجة لا للراحة والجلوس.

ولقد تناهى إلي منذ أيام قليلة، ومن خلال بعض نشرات الأخبار، ولست واثقا بعد من صحة ما سمعت؛ بأن ولي عهد المملكة العربية السعودية أسعد الله محياه، قد أشترى قصر لويس الرابع عشر، إضافة إلى يخت ملكيّ ولوحة المخلص يسوع المسيح.

كل ما اشتراه الرجل كان مقبولا إلا القصر..! خلته للوهلة الأولى قد اشترى قصر فرساي بعينه، فهل يعقل أن تكون قد جُنَّت هواجسي بالقصر وولي العهد الجديد..!؟ ألم أقل لك ولم تسمعني يا صديقي، إن باريس مربط خيلنا، كما زهر البنفسج ربيع بلادنا.

أرأيت بعينك..؟ ولكن لم لا..!؟ فمن يضمن أن لا يشتري سموُّه  في صفقة مربِحة أخرى، رفاة “ماري أنطوانيت” ونابليون “والإنڤاليد” ومثوى “كورناي”، ومعهما يشتري”البانتيون” بكامله..!؟  وأخشى ما أخشاه على تاريخ التراث الفرنسي المجيد..؟ أن يعرضوا قصر فرساي بذاته ومتحف “اللوڤر” مع “الجوكاندا”، بنسخة ليست مقلَّدة وفي مزاد علني يرسو مرة أخرى على سمو الأمير.

فولي العهد ملك هو الآخر؛ ولو بعد حين، ولذلك فلا ينبغي أن يضيِّع الفرصة لكي لا يقل أهمية عن لويس الرابع عشر؛ لكنني في الحقيقة لا أدري إن كان من حقّنا أن  نشتري بالمال، قصورهم ولوحاتهم وطائراتهم وسياراتهم وحواسيبهم وهواتفهم الذكية؛ ورفاتِهم وأسلحتهم الفتاكة بنا وحدنا دون سائر أهل الأرض، ما دمنا لم نبذل من الجهد ما يكفي لنلحق بركب العالم المتمدن السريع، وما يستدعيه من التضحية والسهر والجهد المبذول.

خوفي أن يأتي يوم تنضب فيه أموالنا مع نهاية النفط، بينما يستمر فكر العالم في الاكتشاف والاختراع والإنتاج، وربما يجد بديلا عن البترول وعن الشمس وطاقة الريح.

فاتني في الفقرات السابقة يا صديقي، الاعتذار من سائر أبناء حمص الكرام. المدينة التي نكبتها الحرب على سوريا، عندما تجاوزتُ لياقتي في الإشارة إلى “غباء” الحمصي. حمص الخير والبركة والتاريخ بنعمة نهر العاصي والنواعير.

حمص الأرض الخصبة الكريمة بالغلال، وما حفلت به من عبق الماضي بأبهى معانيه.. كفيض من الشعراء والأدباء والمفكرين والكتاب وما أنجبت من المبدعين في كل حقل ومجال، من أمثال أمين الجندي وديك الجن الحمصي، وجوليا دومنا من زمن الأمبراطورية الرومانية في العهد القديم.

بالعودة إلى القصر المباع، ولويس الرابع عشر الأقوى نفوذاً من ملوك فرنسا جميعا، الذي تناولتُه في النص، ومن بنى قصر ڤرساي في ضواحي العاصمة الفرنسية. هذا الملك التعيس كان يعاني من رائحة الفم وتسوس الأسنان، وعشيقاته الكثيرات كن يتّقين رائحة فمه الخبيثة أثناء معاشرته لهن، فيضعن على أفواههن المناديل بلا حرج أو خجل من صاحب الجلالة الملك العظيم.

كان الملك أصلع الرأس يخفي صلعته بشعر مستعار، وينتعل حذاء عالي الكعب ليبدو أطول مما كان عليه في الواقع، وكان مزهوا بنفسه أكثر من سائر الملوك الآخرين؛ لا يستعين بخدم القصر لارتداء ملابسه، بل الحاشية من الوزراء هم من كانوا يتزلفون له، كما يحصل غالبا في كل مكان وزمان. وهكذا كانت الحاشية الكريمة تتولى خدمته ومساعدته على ارتداء ثيابه، وانتعال حذائه والخضوع أمامه خداما كالعبيد.

أطلقوا عليه لقب “الملك الشمس” (Le Roi Soleil) وليس “ملك الشمس” كما صَحَّحَها لي د. شوقي طبيب الأعصاب وصديقي العزيز، “ممن تخونهم أعصابهم بسبب هفوات قيادة الآخرين”، فقد أوضح لي ونحن نتحدث في الطريق إلى البقاع، أن في التسمية الثانية تحقير لا يجوز بجلالة الملك العظيم؛ وهو الحاكم المطلق وهبة الله على الأرض.

ولمّا كان الملك قد ولد بعد ثلاث وعشرين سنة على زواج أبيه لويس الثالث عشر، وعزز سلطته على البلاد وهو يتولى الحكم بعد بلوغه السن، فقد اختزل بشخصه صلاحيات الدولة والمسؤولين فيها، وكان يقول عن نفسه: “أنا الدولة”؛ واعتبره بعض الحاشية يمثّل سلطة الله على الأرض. وبعض حكامنا أيضا يا صديقي من يرى في نفسه ربَّاً للبلاد والعباد على السواء.. فأين ما يستدعي العجب من سلطة الملوك، في ذلك العهد المظلم  من تاريخ القارة العجوز.  

أما ملحمة سعيد عقل الشعرية، عن “قدموس” وأخته “أوروپا“، الأميرة السورية وابنة أجينور ملك صور، التي خطفها من الشاطىء السوري “زيوس” كبير آلهة اليونان، المتلبّس هيأة ثور أبيض، فتنتسب إلينا ولنا فيها نصيب كبير.

أوروپا في الوقت الحاضر، غيرها عن أوروپا الأمس إبّان العصور الوسطى، حينما كان معظم سكّانها يخشون الاغتسال بالماء، ويعتقدون أنه يسبب آفات جلدية وأمراضا جسديّة. لذلك فقد اقتصر الاغتسال في العموم، على أهم مناسبتين اثنتين: الزواج أومرض الموت.. “رحمة بأنف الإله وهو يتولى حساب الموتى الراحلين”؛ وقصر”ڤرساي” على أهميته الخيالية كان لا يحتوي على قنوات للصرف الصحي. لذلك، كانوا يستخدمون بعض المراحيض النقالة القليلة لقضاء حوائجهم ويفرغونها لاحقا في حفر بعيدة من القصر.

حتى نساء ذلك الزمن كن يغتسلن مرة أو مرتين على الأكثر في العام، وهناك كثير من المراجع الموثّقة التي تؤرّخ لعهد الوساخة في أوروپا، حينما كان الناس يطلقون حاجاتهم ويتبرّزون على الطرقات. ربما لهذه الأسباب اجتهدت وبرعت فرنسا على وجه الخصوص بصناعة العطور ومستحضرات التجميل، لكي يغطوا روائح النتانة الخبيثة فلا يتجشموا عناء الاغتسال مرة واحدة في الشهر أو الأسبوع، أقلّه للقضاء على القمل أو “درر الرأس” كما كانوا يسمونها إبان حقبة من تاريخ ملوكهم.

حينئذٍ كان الناس يرمون أكياس النفايات والقمامة من نوافذ منازلهم، والجزارون يذبحون خنازيرهم ومواشيهم في الطرقات، لتختلط الدماء بالأوساخ المنتشرة في كل مكان. ثم يلجأون إلى الخنازير يطلقونها تقتحم الشوارع وتنظفها، فتلتهم الفضلات المنتشرة، ثم تترك الخنازير بدورها فضلاتها في الشوارع وعلى الطرقات. وبعد كل ذلك، فالفرنسيون لا زالوا حتى يومنا هذا يأكلون”البودان” “نقانق” محشوة بفصيد دماء الخنزير. وأشهد أنني رأيت بعيني شابا فرنسيا يدسُّ النقانق تحت ثيابه، وهو يهم بالخروج من المطعم خلال طقس ممطر.

كانوا يقيمون احتفالا سنويا لمناسبة اغتسال “الملك الشمس” هبة الله على الأرض، فتتقدم الموكب الفرق الموسيقية والخيّالة الفرسان. ثم يستنفدون الوقت وهم يسكرون ويعربدون ويرقصون في باحات القصر وممراته، حتى ساعات متقدمة من الليل ليزفّوا “الملك لويس” أبْخَرَ الفمِ “مغسولَ الجسد” إلى عشيقاته، كما تزفّ العروسة للعريس.

ذلك بعض ما كان يجري في أوروپا عبر فترة من التاريخ، حينما سبقتها بوقت طويل الحمامات والصابون والعطور، في الأندلس وفي بغداد ومعظم بلاد الشام، حيث كان العرب ومنهم هارون الرشيد وهشام بن عبد الملك بن مروان، وكانت حديقة قصره تمتد لعشرات الأميال من “عنجر” وسط البقاع اللبناني، وتنتهي في “مرجعيون” على الحدود مع فلسطين المحتلة.

ويقول سعيد عقل في قصيدة “سائليني يا شآم” عن عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي العاشر: “أمَـويُّـونَ فإنْ ضِقْـتِ بهم..؟ ألحقـوا الدُنيا بِبُسـتانِ هِشَـامْ”. فأين يكون يا صديقي الكريم، قصر لويس من قصر هشام!؟  يوم كان الخلفاء والأمراء والحكام العرب، والميسورون من سائر الناس، يغتسلون بالطيب والصابون المعطّر في حمّامات من المرمر، ويتوضؤون في النهار الواحد ثلاث مرات على الأقل. في الوقت الذي كانت أوروبا ترزح فيه تحت نير الجهالة والوساخة والحرب.

ولولا البلاء “وشر النساء” يا صديقي؛ ولولا الحسد والبغضاء والعطور والبخور، والعيون الملونة الجميلة والترف ورخاء البلاد، “وليالي الوصل” “وجادك الغيث”، “ولسان الدين بن الخطيب”، “وابن سهل الأندلسي “يقبِّلُ الخدَّ الأحمر”. وفيض لا يحصى من المغنّين والمغنّيات والشعراء، ولولا أمراء الطوائف، والأنانية والخيانة وحبّ الذات. لولا ذلك كله لما ضاعت إلى الأبد بلاد الأندلس من أيدي العرب.

وما ضاعت معها تضحيات طارق بن زياد “واحترقت سفنه” يا حرام..! حينما سقطت تلك البلاد الساحرة، التي احتلها العرب لمئآت السنوات وأقاموا فيه حضارة لا مثيل لها في التاريخ، لتعود وتسقط  في يد الفرنجة أصحاب الأرض والحق، ويطرد منها أو يقتل فيها العرب شر قتلة وآخرهم بنو الأحمر. انتبه جيدا يا صديقي بأن الفقرات الآنفة ليست “برسم الاستثمار”.!؟ فعرب اليوم يُدَوِّنونَ أسوأ ما في تاريخ الشعوب والأمم والأعراق.. تبا للعرب.. ويكفينا ما فينا يا مهند.

وبعد يا أخي وصاحبي وصديقي، إذا كان لويس الرابع عشر قد أطلق على نفسه لقب الملك الشمس..؟ وأدولف هتلر أنهك البشرية بالحروب للسيطرة على العالم.. ورضا إيڤا براون..؟ ونابليون غزا روسيا وعاد مهزوما ليضاجع جوزيفين لا أدري كم من المرات..؟ وموسليني مؤسس الحركة الفاشية في إيطاليا نكّل وروع وقتل وأرهب. هؤلاء وغيرهم من طغاة العالم ومستبديه.

إذا كان كل ذلك حدث في أوروبا في عصر الظلمات..؟ فما بالك بما نحن عليه اليوم في عصر الديموقراطية والحريات والتنوير، وتقدم مذهل في كل المرافق والمجالات، وبعضنا يحكم ويستبد بأهل الأرض ويتطلع بطموح يتجاوز حدود الأرض إلى السماء.                      

وحينما ينتفض البعض على الأوضاع القائمة في البلاد، تنحني مع العاصفة الدول النافذة المهيمنة على مقدرات الشعوب، وتجيَّر في نهاية المطاف كل ما يحدث لحسابها ومصالحها، ونواصل التبجّح بلا يأس أو ملل، وندَّعي أننا خير أمة أخرجت للناس، لنعود أسوأ مما كنا عليه زمن التعسف والاضطهاد “ونتحول بعد كل ربيع عربي من تحت الدلفة إلى تحت المزراب”.

مع الأسف والمرارة والخيبة والحسرة والوجع يا صديقي: “إذا كان شرفُ المصفاةِ ثقبٌ..؟ فلِمَ لا يكونُ الثقبُ عيبَ الطنجرة”..؟! تَبَّاً “للملك الشمس وتَبَّاً لأبي الفوارس عنترة”، وتبا لي ولك وحكام العرب من المرتكبين المستبدين الفاسدين، وتبا للناس المستسلمين الخانعين ومن يعنيهم الأمر من بعيد أو قريب.

وعد بنا إلى السينما ولا بأس هذه المرة بأفلام “الپورنو“، الوسيلة الأهون لتحرك مشاعر حكام العرب، وتفجِّر طاقاتهم الجنسية المكبوتة من زمن العطش، والصحراء والربع الخالي وأول هطول للمطر منذ الأزل. وتلك “الواحة من قلب الصحراء العربية”، التي ينبغي نشرها خلافا لاعتقاد  البعض من الأخوة الأصدقاء؛ ودعنا من السلاح الفتاك: “عليهم يا عرب”.. وكل الفتاوى للجهاد المقدس.