الحب في زمن الكورونا،استعير هذه الجملة مع تغير بسيط من الروائي العالمي غابريل غارسيا ، في رائعته “الحب في زمن الكوليرا “.وكأنه تأكيد على ان الحب لا يلقي بذوره الاولى، لا ينمو الا في ظلال المأساة ، زمن الضيق الوباء و الجوائح، التي تصيب كل شيء الا القلوب فهي تبقى على فطرتها الاولى ،تهوى لا قرار لها وتهفو الى شبيهها من الافئدة المتشوق الى الاحساس المشترك. انه ربما التوحد الصوفي في كل الذوات،وكذلك ارادة الانحلال من هذا الجسد المهدد بالفناء و الفساد .وكأن الحب في مثل هذه الازمنة يتوسل به الافراد كسلاح وكردة لا واعية تعلن انتصار الروح و الحياة على الجسد و الموت.

ان فلسفة الحب هنا ربما تؤسس على البؤس و تمتح من ألام العشاق لتحول ضعفهم قوة و قوتهم ضعف تدفع بهم الى حدود الانهيار و الجنون،لتتلقفهم في لحظةقف انك تحب و ان من تحب يغالبه الشغف اليك عد الى حاضرة العقل فغذا اللقاء“.ان الحب يتبدى سيزيفي المعنى يعلن المغامرة و يحسم العود الابدي صخرة تتدحرج فنحملها دون كلل ،ان بعض الحب مشوه اذن هناك تكمن اللذة في الالم في الحزن الانتظار ،ثم المواجهة المفتوحة مع القدر فيستحيل الوباء في مثل هذا الظرف (الحب) محفز للبقاء و المحافظة على الجسد لأجل اللقاء الموعود و الاحلام المتخيلة .ان الحب يلعب دور الترياق و الجندي لأخير لهذا الجسد الفان، وهذا ما يقف عليه غابريل غارسيا ماركيز من خلال بطل الرواية ان الحب شعلة متوقدة في سن ( المراهقة) التي تمد الحياة بنفحة البقاء على امل اللقاء ولو بعد حين (الكهولة).

اكتب الحب في زمن الكورونا مواساة لصديقي حسن بإيطاليا الحزينة التي تعاني كباقي دول العالم من فيروس مستحدث كورونا -الالم والامل -القادم من الشرق. صديقي حسن جمعتنا محاضرات الفلسفة بالكلية ،لكنه في السنة الثانية دفعته ظروفه الخاصة الى الهجرة نحو الغرب ، في الشهور الاخير من التواصل بيننا تغيرت طريقة تفكيره و خطابه بسبب حالة حب “نوريتا ” الممرضة الايطالية التي تعرف عليها صدفة ،و هو في زيارة لاحد معارفه بالمستشفى.

لتتغير مواضيع النقاش بيننا فبعد ان كانت الفلسفة (نتشه واخلاق العبيد او سارتر و منظوره للحرية ، محنة ابن رشد ،هيدغر والانسان المقذوف ..) او عن بعض الرواءين المغاربة خصوصا الاديب حسن اوريد وغيره . الى الحديث عن الحب و منظور الفلسفة الى هذا القرين المحايث للإنسان او الروح الاستثنائية المتجددة فيه.

لاقف على الاثر السحري لهذه الكلمة المختزلة جدا في حرفين (ح.ب) على الافراد تهذيبا وتثقيفا و مواساة ،كان يصف ايطاليا بالسجن الكبير ومظاهر الرقي و الثراء بالكذبة الكبرى ، ثم اصبحت ايطاليا قطعة من الجنة و كل دروبها حدائق مزهرة وصار المطر اكثر دفئا..

صديقي حسن كان ينظر بعين الشغف اصبح يكتب بعمق تارتا و تارتا اخرى يهلوس بين الجنون والعقل ،اصبح معلقا وزاده هذا الفيروس رهبة و خوفا عن نوريتا الممرضة ارجأ العودة للوطن حين سنحت الفرصة و اختار مشاركة الارض الهواء و المصير في زمن الكورونا مع قرينته ازداد الوباء سعارا وزاد شغفه قوتا .يبعث لي بعض مقاطع الفيديو و بعض الصور المؤلمة من هناك،لكن حجم المأساة لم يؤثر فيه ولم يزده الى شغفا وصمودا ،مستشهدا بفهمه لفكر الفيلسوف الالماني فريدريك نتشه يقول حسن ولادة الانسان المتفوق ستشهدها ايطاليا خاصة والعالم عامة ،و لن يتفوق الا العشاققالها قبل اربعة ايام في رسالة قصيرة تركها لي ربما على عجل لأنه لم يقرا الجواب الا بالأمس و الذي مفاده وهذه الارض يرثها عباد الله المخلصين ومن اخلص منكم انتم ايها العشاق طوبى لكم مازحا

ليجيب في جملة ماتت ( نوريتا) اليوم جراء العدوى بهذا الوباء لم يستطع جسمها النحيل والتعب و قلة الغذاء ان يقاوم شدة السعال و ضيق التنفس فقهره ،اردى الجسد لكن الروح لا تفنىنعم صديقي وكذلك لحب.

ج.كوفي 30/03/2020