في 20 نيسان من عام 1792 أعلنت فرنسا الحرب على الإمبراطورية الرومانية. ما أثار خوفا وارتيابا زعزعا استقرار الانظمة السياسية في اوروبا، ودفعا كلا من النمسا وبروسيا إضافة لبريطانيا وإسبانيا والبرتغال ونابولي… لتكوين حلف يعيق تمدد الثورة الفرنسية ويكبح مخاطرها. انهزم نابليون في واترلو بعد اثني عشر عاما من حروب طاحنة، وتوفي عام1821 في جزيرة سانت هيلانة. وصل الحلفاء الى العاصمة الفرنسية في تموز من عام 1815 ، فرضوا على البرجوازيين الفرنسيين مكوسا كبيرة وأعادوا لويس الثامن عشر (الملقب بالمرغوب) الى عرشه الملكي وذلك بعد ان خلّفت حروب نابلبون على امتداد القارة الأوروبية ما لا يقل عن ستة ملايين من ضحايا النزاع.

وكثيرا ما تترافق ظاهرتا الحرب والمجاعة في الحروب الطويلة، فتحصدان من الأرواح مثلما حصدته وتحصده الأمراض و الكائنات المجهرية اليوم أو البكتيريا الزرقاء في الأزمنة الغابرة والمفترضة لسيادة الأوكسيجين. وفي أعقاب الحروب يواجه الناس كوارث لاحقة، غالبا ما تكون أشد قساوة من الحرب وأكثر إيلاما منها، فتمتلىء المدن والسهول ومواقع القتال بالملوثات الحربية وبقايا الألغام والذخائر غير المتفجرة، إضافة لما تخلفه من اضطرابات سياسية واجتماعية. إذ ينعدم الأمن، ينهار الإقتصاد، وتتعزز موجات النزوح. لقد كانت أوروبا في عام 1818 كسوريا اليوم عرماتٍ من رماد، دفعت غوتيه ليشكر الله ويتقدم من جلاله بالعرفان الجميل لأنه ليس شابا فتيا في عالم انتهى على هذه الحال. أما شوبنهور الذي ناصر نابليون وكاد أن ينخرط في عبثية حروبه، فكان خلال تجواله في فرنسا والنمسا حزينا مصدوما بمآسي الحرب، وبما عاينه من الفوضى والقذارة اللتين تملأن المدن والدساكر.

البؤس والالم يدفعان مزيدا من الناس للإنزواء في بيوتهم، وإن قلَّ فيها الدفء. يقرأون في الكتب المقدسة ما يجدون فيه عزاء لأنفسهم ولجوءا لإله قوي قادر (يدير الأمر من السماء الى الارض) ويدفعان (أي البؤس والألم) قليلا من المتألمين للشك بقدرة الروح القدس على إدارة الكون أو للإعتقاد أن الإدارة ليست على وجه اليقين بين يدي إله رحيم ومتوازن. وكثافة البؤس تجيز للعاقل، كما أجازت لفولتير وشوبنهور أن يشككا بوجود كائن متعال يصنع التعاسة للناس ويرضاها. لقد كان الجنرال الفرنسي مديرا للحروب العبثية وصانعا للمناخين السياسي والإجتماعي اللذين نشأ فيهما أرثر شوبنهور(1788 ــ 1860 ) وتكونت في أجوائهما عقدة جوانا.

درس آرثر الطب ثم جنح نحو الفلسفة، فكان فيلسوفا مثاليا ربط بين الإرادة والعقل، وصارع بكثير من الخيبة والعناد ليحجز له مكانا بين الفلاسفة، اعتبر نفسه تلميذا لكانط ” فمن لم يفهم كانط– قال– لن يفهم الفلسفة”. درس الأدب السنسكريتي واعتبره أعظم الآداب قاطبة. اتقن الفرنسية والانجليزية والإيطالية الى جانب اللاتينية والألمانية التي كتب بها. لُقِّب برسول الشقاء مرددا عبارته الشهيرة عن موت الإله. تأثر بالسويسري كارل يونغ مؤسس علم النفس التحليلي، بسبينوزا وديفيد هيوم… وترك وراءه فكرا يتركه عادة رسل الشقاء كنتشيه وألبير كامي وتولستوي… في 1809 أصبح شوبنهور أستاذا جامعيا اشتهر بعدائه لهيجل وفيخته أحد أبرز المثاليين الالمان، ثم توسعت حلقة عدائه لتشمل شليرماخر اللاهوتي الذي اشتغل بعلم التأويل، وعدّ الثلاثة زكائب منفوخة. لكنه لم يُلق دروسه في الجامعة إلا على مقاعد فارغة فقد كان هيجل يسرق أضواء الفلسفة ويحتكر طالبيها فيسارعون لإستقباله وسماعه فور دخوله حرم الجامعة. امتلأ قلب المحاضر الجديد غيظا وحسدا فاعتزل التدريس ليتفرّغ للكتابة ناعتا خصمه الكبير بالقول: إنه قاتل مأجور وخادم وضيع للدولة البروسية. وكان رئيس الفلاسفة أو “القاتل المأجور” قد رأى العالَم عقلا مطلقا يتموضع في النقطة الاعلى للتطور نحو العقلنة. بينما لم ير شوبنهور في العقل الا أداة تتحكم بها الإرادة.

في عام 1831 تفشى وباء الكوليرا، ففرّ فيلسوفا الجامعة من برلين. عاد هيجل بعد حين ليقتله الوباء، غير أن شوبنهور تابع هروبه حتى بلغ فرانكفورت ليموت فيها بعد أن بلغ من العمر المجرح بالمآسي نهايته. فقد أصيبت جدته لأبيه بالجنون، وكانت علاقته بأخته سطحية باردة. انتحر أبوه وهو في السابعة عشر من عمره، وعاشت أمه جوانا متحررة من ضغط الفضائل، زاد احتقاره للام واشتعلت بينهما البغضاء حتى تعذّرانطفاؤها، فماتت بعد سبعة وعشرين عاما من القطيعة الكاملة، لم يحضر آرثر جنازتها وعاش منفردا مشغولا بأوهامه وأحزانه كما انشغل بها الشاعر عندما قال:

بم التعلل لا أهل ولا وطن ولا نديم ولا كأس ولا سكن

إلا صديقا غفل عنه المتنبي وتعلل به الفيلسوف، ذاك “أتما” الكلب الذي سماه على اسم الروح القدس للبراهمة وأطلق عليه معارفه اسم شوبنهور الصغير.

في فايمر وسط شرقي ألمانيا حيث عاش المسرحي الكبير شيلر، كتبت جوانا دزينة من الرويات الرومانسية وأقامت صالونا أدبيا ارتاده المثقفون واختلف اليه الشاعر الألماني الكبير غوتيه الذي حمل لها في القلب شيئا من المودة وكثيرا من العرفان لأنها ما مانعت يوما خلال زياراته المتكررة أن يصطحب معه عشيقته كريستين. لكن تصريحا له أو تقديرا غير محسوب العواقب أفقد الروائية توازنها ودفع علاقتها بآرثر الى مزيد من التوتر والضمور فقد اعترف الشاعر أمامها أن في الإبن موهبة كامنة قد تجعل منه رجلا مشهورا. تصريح أصاب من الكاتبة مقتلا فهي لا تعتقد أن عبقريين اثنين يمكن أن يخرجا من عائلة واحدة أو رحم واحد. وهي ترى أن مرشح غوتيه للعبقرية شخص عدواني تافه ومغرور وقد عبرت له مباشرة عن رأيها في خطاب قالت فيه: ” إنك فتى لا يطاق وغرورك يغمر فيك جميع الصفات الطبيعية بظلاله القاتمة ويجعلها عديمة الجدوى. ذلك أنك لا تستطيع أن تكبح من جنوحك الى إظهار عيوب الناس الآخرين.” وبالرغم من كون عيوب الناس التي يتناولها الفتى هي عيوب الأم، فقد كان في رسالتها شيء من الحقيقة لأن آرثر كان سوداويا كثير الوساوس ” مرتابا في كل شيء، تركبه المخاوف والأوهام، فما أسلم رقبته لموسى الحلاق، ولا نام إلا بعد أن حشا مسدسيْه ووضعهما تحت وسادته.” (ول ديورانت. قصة الفلسفة). لقد كان يرى أعداءه في كل مكان ويرى الصراع قائما عميقا وعقيما يمتد من الفندق الصغير في فرانكفوت الى كل الأرض ولا يكفي في حروب الإبادة من الاسلحة مسدسان. فهل جعلت المآسي من شوبنهور فيلسوفا يحمل عقدة جوانا الموازية لعقدتيْ اوديب والكترا

لقد كان يقتله الخوف، وينتابه الغثيان في كل مرة تحيط به صراعات الكون، فبدا جُلُّ ارتيابه في الحرب الأهلية التي وصفها في كتاب ” العالم كإرادة وتجلي” حيث ذهب يقول: “في الغابة الهادئة التي تبدو حالمة تبهر الشعراء تمتد حرب أهلية بين الأعشاب، كل نبتة تحاول امتصاص غذاء جارتها. هوذا الطحلب واللبلاب يتشابكان حول شجرة البلوط ليسلباها النسغ… انظروا هذه الشجرة المصفرة على وشك اليباس إنها ضحية أختها التي قهرتها… آه يا سيدي العزيز إن النباتات أكثر ضراوة من البشر، فلا أستطيع أن أمر في الغابة دون أن أشعر بالغثيان الذي ينتابني حين أشم رائحة الموتى وهم يحيطون بي من كل جانب”.

لا في الغابة التي يقصدها الشعراء طمأنينة وسلام ولا في المدن العامرة كفرانكفورت صفاء وهدوء يناسبان توقد الذهن بل فيها من الضوضاء “عذاب عضوض ينزل بجميع المفكرين”. إن العرض المفرط للحيوية الذي يتخذ شكل القرع والطرق وزحزحة الأشياء لهُو عذاب عانيته طوال حياتي. وكراهية الصوت من الرُّهاب النادر يتبعه القلق والإضطراب، وهو ما يعرف بالميزوفونيا أو متلازمة حساسية الصوت الإنتقائية، وقد لا تتوقف هذه الحساسية على حدة الصوت بل ترتبط حتى بالأصوات الخافتة. الميزوفونيا تعيد دائما للذاكرة الإحباط والغضب اللذين يؤلمان المتحسّسَ عند سماع الصوت تماما مثلما آلماه أول مرة.

لقد جعلت جوانا من شوبنهور رسولا للشقاء، تجلّى بؤسه وشقاؤه في آرائه حول المرأة وهي على كل حال جزء من بنائه الفلسفي فعدّ البوذية أعمق الأديان وأنضجها لأنها تدمر الإرادة (النرفانا) وتحقق انعدام الشهوات وبالتالي تُنهي إرادة النسل وتقطعها. غير أن الطبيعة قد زودت المرأة بمفاتنَ لاقطةٍ تعيق تدمير الإرادة. “فتغوي الرجل في كل مرة للتناسل وليس لدى الفتيان من العقل ما يكفيهم ليروا كم قصيرة الأجل هذه المفاتن”. و جوانا تتحمل هذه الخطيئة أو هذا الألم اللامتناهي. وليس احترام المرأة عموما إلا عاطفة ألمانية أو ثمرة من ثمار المسيحية “فعندما ساوت القوانين بين الجنسين كان ينبغي أن تهب المرأة أيضا عقل رجل”. قد لا تكون الحياة أكثر راحة بدونهن لكنها بالتاكيد أقل ألما. الجنس مفتاح السلوك والشاغل المربك للناس. وهو لا يكف ان يشكل على الدوام هدفا يسعى وراءه “الشباب والمتقدمون في السن وهو التفكير الدائم للمتهتكين والخيال المتكرر للمتعففين”.

ما أحببت أن استعرض في هذا المقال الوجيز شيئا من الأبحاث الفلسفية لشوبنهور فقد كانت أبحاثه مبهمة كثيرة الالغاز وقد أجمع الناس على غموضها فساءه ذلك حتى قال: “عندما يتصادم رأس وكتاب ويرن أحدهما رنين الفارغ فهل يكون الكتاب هو الفارغ دائما. وهل هتاف النظارة يُشعر الموسيقي بالإطراء إذا عرف أن معظم الحاضرين صم تقريبا”. ما أحببت أن أترك من الشواهد الجميلة التي ذكرها ديورانت لطائف تزيد من غرابة هذا المتعفف الألماني. ولا أحببت أن أترك واحدة من نوادره أختم بها مقالي المتواضع، فقد اعتاد رسول الشقاء أن يتناول عشاءه في المطعم الانكليزي الذي يرتاده ضباط الجيش. وكان يضع في بداية العشاء قطعة نقد ذهبية أمامه على المائدة ثم يعيدها الى جيبه قبل أن ينصرف. غير أن نادلا متعجبا أوغاضبا هو الذي سأله عن سر هذا الطقس الذي لا يتبدل؟ أجاب شوبنهور أن ما يقوم به مراهنة صامتة، على أن يلقي بقطعة النقد في صندوق الصدقات في أول يوم يسمع الضباطَ الأنكليز يتحدثون فيه عن أي شيء آخر غير الخيول والكلاب والنساء.