صديقي العزيز الدكتور شوقي يوسف

لاقى هذا البحث الموضوعي ـ كما تتوقَّع ـ إعتراضا عنيفا من اللاهوتيين ماضيا وحاضرا، وهم الذين يشككون بالباحثين لأن الباحثَ ليس بعيدا عن المنفعة التي تجلبُها الكشوفُ، قد يكون ذلك صحيحا بعضَ الشيء كما يقولُ راسل “لكن لا يمكن تفسير تاريخ العلم من خلال المفاهيم البراغماتية” واللاهوتيون ـ بعيدا عن عناء البحث وشجونه ـ يعتبرون أن النصَّ إلهيٌ محفوظٌ من التحريف، والزيادة، والنقصان، وبالتالي فلا داعيَ لتطبيق قواعد المِنهج التاريخي على نصوصه. {إنَّا نَزَّلْنا الذِكْرَ وإنَّا له لحافِظون} 9 الحجر. وهي نظرية تحتمي بالسلطة الإلهية لرفض النقد وخلق حزام من المحرَّمات حول القناعات الدينية للطائفة، علما أن الكتب المقدَّسة انتقلتْ متأخرة من الثقافة الشفهية الى الثقافة المكتوبة. قلتُ في مطلع مقالتي، أيها الصديق العزيز: إن النقدَ مِنهاجٌ وعِلمٌ، يصحُّ إسقاطه كبقية العلوم، فتأمَّلْ هذه المطابقة الكاملة في طرُقِ البحث على امتداد الزمن الغابر والحاضر أيضا. لقد ملات الخرافاتُ تاريخَ الامم على قول فولتير، حتى جاءت الفيلولوجيا، خاصة الألمانية منها، لتكشفَ عن البعد الإنساني لمنظومة المقدسات الدينية، وهو منهاجٌ يُعْلي من شأن اللغة، ويدرسُ الكلمة في إطار القاموس الذي يلاحق تطورَ الكلمة في معانيها التاريخية، وليس قاموسُ ابن منظور إلا صفحة منه.

يعتقدُ سبينوزا أن عزرا هو من أعطى الرواياتِ التاريخية صيغتَها النهائية، نقلها من ذاكرة المؤرخين الأوائلِ بلا مراجعة ولا تحقيق. وقد ترك النقلُ المكررُ والتنقيط أخطاءً كثيرة حوَّلها المتحذلقون الى أسرارَ إلهيةٍ، كأسرارِ النقاط والحروف المقطَّعة في أوائل السُور، أو العلامات الفارقة والمساحات البيضاء التي تركها النُسَّاخ. وهي أسرارٌ وخرافاتٌ لم تزلْ تُشغِلُ العقلَ الديني طالما يتأخَّرُ النقد التاريخي في إداء وظيفته. والتفسيرُ ليس حكراً للمؤسسات الدينية ورجال الدين، بل هو حقٌ للفرد يفسِّرُه كما يشاء ويعتقدُ فيه كما يريد.

يشترطُ البحثُ التاريخي معرفة عميقة بخصائص اللغة التي دُوِّن بها الكتابُ المقدس، أوالتي تحدَّثَ بها مؤلفو الكتب. وهو شرطٌ لازم لفهم النصوص حسب المعنى العِرْفيِّ للكلمات، لذا يكون البحثُ سهلا وميسورا في اللغات القريبة زمنيا من النقَّاد، والمحتفظةِ بقواميسها وقواعدِها. أما في اللغات الدارسة ومنها اللغة العبرية، فلا شيءَ معروفٌ ومضبوطُ، فلا قواعدَ ولا مبادىءَ فيها، ضاعت اللغة وبادت قبل أن يعملَ العلماءُ الألمانُ على إعادة اكتشافها، فأسماءُ الحيوان والنباتِ والطير المتداولةُ في الكتاب مجهولةٌ ومشكوكٌ فيها. وزاد في غموض الكتب وصعوبة البحث فيها، تبادلُ الحروف التي لها نفس المخارج الصوتية لمواضِعِها، وكذلك غيابُ الأزمنة في اللغة العبرية إلا الحاضرُ منها في صيغة الأمر، وغيابُ الحروف المتحركة Les voyelles وفوق ذلك كله، غيابُ التنقيط والتشكيل، ويكفي هذا للتشكيك في القراءات الحالية، ولا يُخْفى أن هذه العللَ كانت وراءَ القراءات المغايرة للقرآن.

يتضمن الكتابُ المقدس أيضا، كما باقي الكتب الدينية آياتٍ واضحةً وأخرى ملتبسة، وقد يلجأ الفقهاء لتفسير الملتبس بالواضح كما فعل الفقهاء المسلمون (القرآن يفسر بعضُه بعضا).قاعدةٌ يدينها سبينوزا فيقول: ” إذا كان النص صريحا أن الشمسَ تدورُ حول الأرض فلا يجوز التعسف في التفسير وإخفاء المعنى حتى يتلبَّس المعنى معنى جديداً يتفق مع الحقيقة العلمية.”فلم يكن يشوع فلكيا، ولا كان النبيُ في تأبير النخل مهندسا زراعيا. التعسف يُحمِّل النص فوق ما يَحْمِلُ أو يحتمِلُ.

يُشبِه سبينوزا في هذا الجانب من البحث، الفقهاءَ المسلمين وعلماءَ اللغة فمن أجل الإحكام في معاني اللفظ، قسَّمه الفقهاءُ من حيث صلتِه بالمعنى الى مُحكمٍ ومتشابِه، مُجْملٍ ومُبين،ظاهرٍ ومؤول، وإلى حقيقة ومجازٍ. وقد أنكر بنُ تيمية المجازَ في القرآن، واعتبره بنُ القيِّم ألفاظا متواطئة. كثيرٌ من آراء سبينوزا لها أصولٌ إسلامية ويرجِّح المؤرخون أنها انتقلتْ اليه عن طريق موسى بن ميمون، و منها ما يُعتبرُ امتدادا لنظرية العقل الفعَّال عند أرسطو والفارابي وابن سينا وثنائية الحقيقة عند ابن رشد. فقد نظر سبينوزا الى عقولنا البشريةعلى أنها جزءٌ من العقل الإلهي كما اعتُبرتْ آراؤه مشابهة لآراء الرازي وآراء صاحِبك بنِ الراوندي فقد رفض الأخير على ما تعرف منطقَ المعجزات وآمن قبل سبينوزا بقدرة وصول العقل وحده لِما وصل اليه الوحيُ. فالعقلُ أعظمُ نعمِ الله على خلقه، ثم أن الراوندي رفض الطقوس والشعائرَ جميعَها. كما التقى سبينوزا مع المعتزلة عندما قال : إن الذين تنقصُهم المعرفةُ يتصورون اللهَ كمشرِّع أو أميرٍ بينما يوجِّه بكماله وضرورته كلَّ شيءٍ.

أيها الصديقُ العزيز، ليس لطيفا أن يصفَ المرءُ نهايةَ العلماء، في 21 تموز 1656م أصدر الكنيسُ البرتغالي الحرم التام لباروخ سبينوزا وجاء فيه ” اللعنةُ عليه صباحا ومساءً، اللعنة عليه في دخوله وخروجه، وأنتم الذين تخافون الإلهَ وتعرفونه، يحرَّم عليكم أي علاقة به، لا يقدِّم أحدٌ اليه خدمةً، لا يجالسُه ،لا يقرأ له كتابا، لا يجلسُ معه تحت سقف واحد، ولا يقترب منه أحدٌ أقلَّ من أربعة أذرعٍ”(وللعلم أو الحيطة يا صديقي يبلغُ الذراع 45 سنتم حسبَ جدول المقاييس الطولية للتوراة). انزوى سبينوزا بعد أن مقتَه المسيحيون على اختلاف مذاهبهم واعتبره الأرثوذكس مهرطقا. ولم يخشَ الفيلسوفُ أن يبقى وحيدا على قول أنشتاين عاش فقيرا معزولا يكسبُ رزقَه في صقْل العدسات، توفي في 21 شباط عام 1677م وكتب أصحابُ العقول “الراجحة” على شاهده: هنا يرقدُ سبينوزا ابصقوا على قبره.