عزيزي الدكتور شوقي يوسف

تعودتُ أن أكتبَ إليك، فأنت قلمٌ حرٌ، مساند قوي، وأذنٌ صاغية، والكتابة الهادفة تتضافرُ ويساندُ بعضُها بعضا، فهي عملياتُ خلقٍ جديدٍ تتعاملُ مع الوقائع ـ على اختلاف الأزمنة ـ بجدلية شديدة المرونة، وتلك لعمري ميزةُ الفكرِ الخصبِ. للأفكار يا صاحبي أجنحة ٌ تطيرُ بها، تنتشرُ بسرعة الأساطير. يتداولُها الناسُ فتتحولُ في دمائهم إلى قوة مادية طاغية، تزيدُ مداميك الحضارة أو تُنقِصُها، ثم تخرجُ من التداول بعدما تفقدُ قوَّتَها الأسطورية، أو حصانتَها العلمية. فإذا استمرتْ متداوَلّةً بغير حصانةٍ، كان محلُّ تداوُلِها مكاناً أو مجتمعا لم يدركْ بعدُ عتبةَ التنوير، فيعملُ النقدُ على هدمها وتسريعِ أُفولِها. وربما كانت الكتابةُ في غياب التنوير جرأةً متماديةً، تدفعُ الناسَ بحرمان كنسيٍ أو غير حرمان ليرجموا الكاتبَ ويبتعدوا عنه أربعة أذرعٍ أو أكثر.

يقول أصحاب الرأي: إن الأبنية التاريخية للحضارات ليست متطابقةً، هذا صحيحٌ، لكنها متجانسةٌ بعضَ الشيءِ. وما هو متجانسٌ فيها، مناهجُها واعتمادُها جميعا على الثقة بقوى العقل، لتعملَ قواه على غربلة الموروث القديم. من يقرأ أيها الصديقُ فلسفة القرون السابقة، وما تناولت من قضايا المجتمع الغربي وشؤونه، يشعرْ بالحاجة إليها أو لمثلها اليومَ. علما أنّ نقلَ الفلسفة إسقاط ٌ لا يراعي خصائصَ الوضعِ الراهن ومنحنياتِه، ثم أن الفلسفة قد افترقت عن العلوم، أو افترقت عنها العلومُ كما يفترق الأبناءُ عن أمهاتهم. لكنَّ مناهجَ البحث إرثٌ إنساني يبقى كالعِلْمِ حيا، صالحا، فاعلا، وقابلا للنقل.

كان ديكارت 1596ـ1650م متفقاً مع رجال الدين، مناصرا لهم. حاول إثباتَ عقائدِ الدين المسيحي، معتبرا أن ما أوحاه اللهُ هو اليقينُ الذي لا يعدِلُه يقينٌ. ولا يقوم العِلمُ برأيه إلا على صدق الحقائق الدينية، كما كان متصالحا مع النظام السياسي والإجتماعي مؤيدا لهما. إنه ثقلُ المواطنة كما يقولُ، وواجبُ الإنصياع والطاعة لقوانين البلد وعاداته، وللدين الذي أكرمَنا الله به وأنْشَأنا عليه. تتلمذَ في مدرسة “لا فلاش” la flèche اليسوعية التي زوَّدتْه بعلوم عالية في الهندسة والرياضيات، لكنه امتنعَ عن نشر كتابٍ مهم في الفيزياء، عندما ترامتْ إلى مسامعه أنباءُ المحاكمة لجاليليو عام 1633م. فاكتفى بنشر مجموعة من ثلاثة أجزاء عن البصَريات والأرصاد الجوية والهندسة. التحق بالجيش البافاري، وفي يوم شديد البرودة لجأ الى كوخٍ ريفيٍ، وجلس قرب الموقد الحجري، وعندما سرى الدفءُ في أوصاله تكشَّفتْ له الخطوطُ العامة للفلسفة الحديثة. فكان أباها الشرعيَ وصاحبَ المقولة الشهيرة “أنا أفكرُ إذن أنا موجود”. يرتكز مِنهجُه على قواعدَ ذاتِ منحى رياضي عقلي، “فهو لا يَقْبلُ شيئاً على أنه حقٌ ما لم يعرف بوضوح أنه كذلك”. أنت ترى يا صديقي ضعفَ القول، ومنحاه العاقلَ في نفس الوقت، فقد كان يجزِّئُ الموضوعَ الغامضَ الى أجزاءَ صغيرةٍ يَسْهُلُ البحثُ فيها، ليعيدَ ترتيبها بعد البحث ابتداءً من بساطتها وصولا لأكثرها تعقيداً. ولا يستثني في أبحاثه إحصائياتِ الواقع ومعطياتِه الصارمةَ. كما اعتبر أن الحَدْسَ هو المصدرُ الاولُ للمعرفة التي تبدأ بالشك نظراً لكون الحواس حواساً خادعةً، مستثنيا من الشك مقولتَه أنا أفكر إذن أنا موجود.

أمًا سبينوزا 1632ـ1677م أيها الصديق، فكان مخالفا لديكارت، ديكارتيا في منهاجه، درس التوراة وأشار الى تناقضِها، وهو اليهوديُ والبرتغاليُ الهاربُ من محاكم التفتيش، الى هولندا حيث يسودُ التسامحُ الدينيُ. اتُّهِمَ بالهرطقة لأنه اعتبر الإله ممتدا في الطبيعة، والإمتدادُ صفةُ المادة وكان التوحيد بينهما هرطقةً في نظر المتمسكين بحَرْفية النصوص. عالجَ سبينوزا المسائلَ التي استبعدها ديكارت وتركها متعالية على البحث، خاصة في مجال العقائد الدينية، ثم في مجاليْ السياسة والإجتماع. فأعادَ للعقل ما عطّلَ ديكارت من وظائفه. العقلُ أفضلُ الأشياء ـ يقول ـ وأعقلُها. اعتمده في أبحاث الدين والسياسة وأنظمة الحكم، وانتهى الى عكس ما انتهى اليه ديكارت، معتبرا النظام الديمقراطي أكثرَ الأنظمة اتفاقا مع العقل، وإن نتج عنه قليلٌ من السوء، كما يصْدرالسوءُ أحيانا عن حرية الفكر. فكتب قائلا: “ينبغي أن أعترفَ أن أضرارا تترتبُ على الحرية في بعض الأحيان. و من يرمي أن يَحْكمَ كلَّ شيء بالقوانين، لا بد أن يزيدَ من النقائص بدل أن يقللها، ولكن ما لا يمكنُ منعه ينبغي أن يُسمحَ به حتى لو أدَّى ذلك أحيانا للضرر”، فقال عنه فولتير: “ليس هناك من عَقَلَ جيدأ كما عَقلَ سبينوزا”. فيلسوفٌ أشعل ثورة حقيقية فتحتْ مسام العقل الديني وأثارتْ عاصفة في الواقع السياسي للقارة الأوروبية. كانت مهمتُه تأصيلَ الدين وإخضاعَ التوراة للنقد التاريخي، لذا عدَّه رجالُ الدين خطرا داهما على التعاليم التوراتية، حاولوا اغتياله فاحتفظ بردائه وعليه مِزْقُ السكين “ليتذكر دائما أن الفكرَ ليس شيئا محبَّبا لعامة الناس”، خاصة عندما يدحضُ الفكرُ ركيزةً من ركائز اللاهوت.

صديقي الدكتور شوقي

أنت لم تتعلم اللاتينية كما صرَّحتَ في مقالك (إن فيترو إن فيفو) وغفرت لنفسك هذا القصورَ نظرا للعدد الكبير من الكتَّاب المستَخِّفين باللغة الإيطالية القديمة. كان سبينوزا خلافَك يا صاحبي، على معرفة باللاتينية التي سمحتْ له مطالعة ما تركه المفكرون الكبارُ، هؤلاء الذين عملوا على تشجيع العلم والفلسفة، الأمرُ الذي حرَّره من أسْر العقيدة الحَرْفية المغلقة لليهود. فكان على قول هيجل “نقطةً حاسمة في تاريخ الفلسفة الحديثة”. نُشِرَ كتابُه (علم الأخلاق Ethica) بعد موته، وربما تركه قصدا لما بعدَ الموت، فهو من أخطر مؤلفَاته، دعا فيه الى ترْك التصوّرِ التقليدي للدين، والسعيِ نحو آفاقِ العقلنة، فعندما يغيبُ العقلُ تسودُ الأهواءُ وينتعشُ الشعورُ الدينيُ مراوحا بين الخوف والرجاء. وبالتالي يكون التأليهُ نتيجةً للخوف المرتبط بالعجز أو ضعفاً بالإرادة على قول برغسون Henri Bergson. أمَّا الرجاءُ فهو الصلاةُ ومعناها طلبُ العون الإلهي. واللجوءُ اليه في الكرب ـ على زعم الفيلسوف ـ لجوءٌ منافقٌ يمارسه المؤمنون تعبيرا عن العجز.

كان الكتاب المقدسُ ـ وهو أكثر الكتب إيغالا في التاريخ القديم، لا بل أكثرُها طباعة وانتشارا ـ كان شديدَ القداسة حتى لم يشككْ أحدٌ في صحته، أطاعوه طاعة عمياء لمصدره الإلهي. بينما المصدرُ والقداسةُ لا يكونان إلا بالبحث العلمي الجاد في محتوى الكتب. فإيمانُ المتدين القائم على الأوهام إيمانٌ وثنيٌ وحسيٌ سافر، واستمرارُ الوهم ـ من ناحية سياسية ـ وسيلةٌ فُضْلى لتسيير العامة ودوامِ السيطرة عليها.

ينزع العقل أو الفلسفة أيها الطبيب العزيزُ، لصناعة المواطن الحرِّ في فكره وعقيدته، فتأملْ كيف تمرُّ حولنا الأحداثُ، متسارعة بلا مجرى، لا عقل يضبطها ولا رؤيا، فبومة منيرفا ـ على قول هيجل ـ لا تبدأ تحليقها إلا حين يحلُّ الغسق. للحاضر يا صديقي آلام كثيرة وموجعة، إنه حاضرٌ بلا أفقٍ دعنا نهرب منه ومنها الى القرن السابع عشر فللماضي طعم كطعم النبيذ، عتَّقه سبينوزا بسحر رسالته. رسالةٌ صريحةٌ لوضع السياسة واللاهوت في مكانهما الطبيعي. ومن المفكِّرين من ذهب أبعدَ فقال: إن موضوع الرسالة ليس الدينَ ولا السياسة ولا حتى الصلةَ بينهما، وإنما الرسالةُ فلسفةٌ في التاريخ الديني، خاصة عندما يؤكد أن الوحي ينقلب دائما الى ضده فيقول: “أتى الوحيُ للشعب اليهودي حتى يتغلبَ اليهودُ على طبيعتهم الحسية وتكوينهم الوثني، فانتهى إلى أن سادتْه الوثنية ،وتغلبتْ عليه الطبيعةُ الحسيةُ. (وقد تجادلنا في جلسة قديمة من جلسات “السبت”، حول الطبيعة الحسية للُّغة العبرية) وأتى الوحيُ المسيحيُ داعيا للسلام، فملأ المسيحيون الأرضَ نزاعا وحروبا. ثم جاء الوحي الإسلامي ليُكوِّن خيرَ أمة أُخْرِجَتْ للناس، فإذا الأمة مستَعمَرةٌ مسلوبةُ الخيراتِ منتهيةٌ الى عكس ما أتى به الوحيُ”.

كان النقد للتوراة بحثا تاريخيا بامتياز، راعى قواعد النقد وأصولَه، أنصحُك بقراءته، وقد تجاوزتُه في مقالي هذا لأهتمَّ بمدارس النقد ومناهِجه. جاءتْ كلمةُ “نقد” بمعنى الحُكْمِ Krinein في اللغة اليونانية حسبَ ما أضافَه في الهامش مترجمُ الكتاب الدكتور حسن حنفي. وعلى ما قدَّمه جان ستينمان في دراسة النقد وتعريف تلاوينه. “يمكن إصدارُ الحُكم النقدي Critique textuelle على صحة النص التاريخي، بتقرير أخطاء النُّسَاخ والزيادات المقصودة للرواة، ومحاولة العثور على النص الأصلي بدون زيادة أو نقصان” وهو ما يعرف بالنقد النَّصي أو السُفلي. بخلاف النقد العالي الذي يطمحُ لمعرفة المؤلفين، وتحديدِ تاريخِ النص ومكانٍه. أما النقدُ التاريخي Critique historique فيأتي لحسم الصحة التاريخية، وهو ما أسماه النقادُ “نقدَ المصادر” Critique de provenance وما سماه علماءُ الحديث “السَنَدَ”. وأخيرا يأتي “نقدُ إعادة تكوين النص” Critique de restitution أو “المَتْنُ”.

في العصور الوسطى يا صديقي، قام الماسوريون Les massorates بإدخال النقاط والحروف على النص أو النصوص المتوارثة، كما فعل المسلمون في عهد الخلفاء الراشدين أو عهد عبد الملك بن مروان، عندما نقَّطوا القرآن وشكَّلوه. لكن النقد التاريخي لم ينشأ إلا في القرن السابع عشرعلى يدي ريتشارد سيمون 1638ـ1712م وجان أوستريك. ليعلو شأنُه عند سبينوزا وفولتير. فأخْضِع النصُ الدينيُ لقواعدِ العقل الناقد، تماما كما يدرسُ العلماءُ الظواهرَ الطبيعية. وهو نقدٌ مجرَّدٌ من الأسبقيات الدينية، تعاملَ مع الكتاب المقدس “بصفته وثيقة تاريخية، تحتاج لتحقيق تاريخي يدرسُ المحتوى كخَلْقٍ جماعي، وأساطيرَ دخيلةٍ من البيئات المجاورة”.

 للمقالة تتمة