كْفَرْ دَبَشْ قرية آرامية صغيرة، سكانها يعبدون آلهة الخصب، ويقدّمون القرابين للبعل الذي يحي الأرض بعد موتها بأمطاره المباركة وثلوجه المقدّسة.  اسم البلدة كْفَرْ دَبَشْ يتألّف من كلمتين آراميّتين  كْفَرْ  وتعني البلدة أو القرية  ودبش وتعني الدبس فهي بلدة الدبس.

 تقع بلدة الدبس على “كعب” سفح صنّين المتّصل بسهل شرقيّ “شمس الجبل”[1] وتنتشر بيوتها على تلّةٍ ترابيةٍ خصبة توشّحها شتّى أنواع النباتات البرية التي تفوح منها روائح عطرية، تذكّر سكّان البلدة بما ينقله لهم الكهنة من طيب عطور جنة الفردوس التي طرد آدم منها لمجرّد تذوّقه تفّاحة حواء اللذيذة.

 تلال كفر دبش صالحة لزراعة الحبوب، ونصب كروم العنب والتين والزيتون وأشجار الجوز واللوز والرمّان والكرز. اشتهرت كْفَرْ دَبَشْ قديماً بصناعة دبس العنب وأنواع التين المجفف الذي يفوح بعطر المردكوش. كما تميّزت عن باقي قرى البقاع بنبيذها الفاخر وعرقها الذي إذا خالطه الماء سمع له هديراً تذوب لرقته قلوب السامعين.

 في منتصف الطريق بين زحلة وبعلبك تقع بلدة بيت شاما المشهورة بجمال صباياها ووسامة شبابها. وعلى آخر الدرب الترابية المنبسطة بين بيت شاما وكفردبش تنبع عين ماء صافية عذبة تصبّ في جرن منحوت من حجر صنّين الرخامي الملوّن الرائع، ولهذا فقد سمّيت بعين الجرن. فإذا مررتَ بقرب هذه العين يلفت نظرك تواجد الحمير الهادئة  تنعم بالشمس والعشب والماء وجميع ما أنعمت به السماء. وترى الصبية يتهارشون مع الكلاب التي تحرس بعض القطعان السارحة في الوادي القريب.

 يوجد قرب نبع عين الجرن خمّارةُ تقدّم أفضل أنواع النبيذ والعرق وغيره من خمور العنب. صاحب الخمّارة شاب وسيم من بلدة الدبس يدعوه أهالي المنطقة  بديبو السرغاني لأن جده لآبيه،  ولسببٍ ما، هاجر من بلدة سرغايا في الجبل الشرقي إلى بيت شاما ثمّ استقر به المقام في كفردبش. ليس هذا فحسب إلّا أنّ ديبو السرغاني وهو قصّاب معروف بنَفَسِهِ الطيّب في ذبح الأغنام، وتقديم الكبّة والكفتة والمجرمشة وأصناف الشواء  التي تفوح منها روائح الفلفل وأنواع البهارات المختلفة التي يوصي ديبو عليها فتأتيه مع التجار من بلاد الهند البعيدة. ولا يعود سر طيب مذاق ما يقدمه ديبو من اللحم الضاني للأعشاب البرية أو البهارات التي يتبّل بها اللحم بل لمعرفته الجيّدة بمراعي الغنم المميزة التي تعطي الشواء طعمه الطيّب ومذاقه الشهي.

يتكلّم ديبوا مع أهله باللغة الآرامية التي تقارب اللغة العربية وتشترك معها بكثير من الألفاظ والتعابير. ولكنّه قد أتقن لغة البدو من رعاة الأغنام الذين يبيعونه من مواشيهم أو يبادلونها معه بجرارٍ من الخمر وكوالك من الدبس . لم يكن ديبو يحب الكسب والربح رغم حاجته الدائمة للمال، ينفقه في هوايته وشغفه بتربية الخيل وممارسة ألعاب السباق والفروسية في حقول سهل البقاع الفسيح. وكما يقال عنه فديبو من أهل الكيف، وأصحاب الكأس، ومحبّي العتابا والميجانا وأغاني البدو والحضر والفلّاحين على حدٍ سواء. أمّا اليوم فديبو في الثامنه والعشرين من عمره، ولم يزل عازباً، وقد طالبه والده الياس السرغاني بنقل محصول العنب العبيدي المشهور بحلاوته إلى المعاصر الفوقا مع رزم الحطب، لعصرها وغليها في خلاقين الدبس قرب عين حمده. إلّا أنّ ديبو لم يطع والده هذه المرّة – خلافاً لطبعه الطيّب باحترام والديه  والعطف عليهما وتنفيذ كلّ ما يطلبانه منه- فقد وصله رسول يُعلمه بوصول صديق طفولته، الشاعرعمرو بن كلثوم التغلبي، إلى البقاع وإقامته قرب سرغايا على رابية يلفّها نهر يحفوفا كحزام من الحرير على خصرٍ أهيفٍ لصبيّةٍ حسناء من أقاصي بلاد الروم.

أمّا معرفتي بديبو فتعود لتنقلي مع والدتي من شمس الجبل إلى “حوش الرافقة” حيث يعيش أخوالي الذين يعملون بزراعة الحبوب والخضروات على ضفتيّ نهر الليطاني الذي يجري بهدوء وصفاء شرقيّ البلدة. كانت والدتي ترتاح من عناء المسير على الطريق الترابية بين الحوش وشمس الجبل قرب عين الجرن وتنظر نحوجبال لبنان الشرقية وتتنهد بعد كلّ شربة ماء من هذه العين الصافية. كانت والدتي تمنعني من الاقتراب من تلك الغرفة البيضاء ذات الحيطان المبنية بلبن التراب والمسقوفة بالجذوع والأخشاب القريبة من العين.

كنت في العاشرة من عمري حين التفيتُ بديبو وعرفت أن والده هو اللحّام صاحب قطعة الأرض المحاذية لعين الجرن. توطّدت صداقتي مع ديبو بسرعة خيالية، خاصةً لأني وإيّاه كنّا نشترك بهواية صيد عصافير التين، الني تكثر في كروم كفردبش، وبعشقنا للشعر والغناء والرقص والدبكة. أمّا  في أيّام الشباب فقد صار جلّ كلامنا عن الصبايا الحسنوات والسيدات الجميلات فكانت هذه الأحاديث أكثر مايربطنا ببعضنا البعض ويرسّخ صداقتنا.
اليوم سمعت صهيل فرس وعرفتها إنها فرس ديبو، الصديق الغالي، قرب شبّاك غرفة بيتنا القريب من مقام النبي ساما في شمس الجبل. ما إن نظرت إليه من الباب حتى اندفع نحوي فصافحني بلهفةٍ وفرحةٍ فائقةٍ ودفعني بعنفِ “مبرّرٍ”، لكي أرتدي بذلتي الفاخرة، الوحيدة التي أملكها، وأوفرها للمناسبات المهمّة. لم أتأخر عن ترتيب أموري بمعاونة زوجتي الغالية التي كانت تفتخر بي وتحرص أن أبدو بأحسن مظهر، كما أنّها كانت لا تتأخر عن رشّ بذلتي بعطرٍ اشترته لي أثناء زيارتها لمدينة دمشق في ربيع السنة الماضية.

أخذت فرس والدي المحجّلة دون استئذانه هذه المرّة لأن  فالأمر لا يحتمل التأخّر مع ديبو السرغاني. وفي الطريق علمت بمقصدنا وبدعوة الشاعر، صديقنا المشترك، عمر بن كلثوم للسهر بضيافته في مضارب قبيلته  في البقاع.

كنت أعلم أيضاً أن الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي، يقضى صيفه -هذه السنة – في بلدة الكرك، المعروفة بكرك نوح لأنها قد تشرّفت بوجود ضريح النبي نوح عليه السلام فوق أراضيها. أوقفت فرسي عن المسير ونظرت نحو ديبو وطلبت منه السير إلى الكرك علّنا نلتقي به فيرافقنا في ليلتنا هذه في ضيافة عمر بن كلثوم. سرّ ديبو بهذا الاقتراح وما كان منه إلّا أن صدح صوته بالانشاد  والغناء حتى كادت فرسه ترقص معه على نغمات أهازيجه.

قضينا ليلتنا السحرية هذه في جوٍ من المحبة والإلفة، اقتربت فيها نجوم السماء منّا مصغيةً لشدونا ومحاوراتنا التي تميّزت بالظرف وحسن الإلقاء. سمعنا من عمر بن كلثوم بعضاً من معلّقته الشهيرة، ولكن كرمه ونبيذه الفاخر جعلنا في سكرٍ ما بعده سكر. وما انتبهنا إلّا وكلٍّ في فراشه يحاول أن يتذكر ما جرى. أمّا أنا فكنت أسمع السيّدة أمّ كلثوم تنشد هذه الأبيات من قصيدة الأطلال للشاعر إبراهيم ناجي:

وانَتَبَهْنَا بعدما زَالَ الرَّحِيقْ
وأَفَقَنَا ليتَ أنَّا لا نُفِيقْ

يقظةٌ طاحَتْ بِأَحْلَامِ الْكَرَى

وتولَّى الليلُ، والليلُ صديقْ

وإذا النورُ نذيرٌ طالعٌ

وإذا الفجرُ مُطِلٌّ كالحَريقْ

وإذا الدُّنُيا كَمَا نَعْرِفُها

وإذا الأحبابُ كلٌّ فِي طَرِيقْ

نعم، وإذا الدنيا كما نعرفها: وجدت نفسي، أحمد شبيب، في بلدة شمسطار (شمس الجبل) اللبنانية سنة 2019 للميلاد. مع هذه الاستفاقة، بدأت من جديد، رحلة الهمّ أحياناً كثيرة تتخلّلها جلسات صفاءٍ أحياناً قليلة: حاجتنا للماء والكهرباء، وحكومتنا الطرشاء (عن مطالبنا) …..
ولكن الوقت لم يطُلْ إلّا وقد نظمت مجاراةً لمعلقة عمر بن كلثوم، وكأني ألقيها إمام الملك عمر بن هند، مطمعةً ببعض أبيات المعلّقة حين يناسب الحال ويصحّ المقال:

“وَكَأْسٍ  قَدْ   شَرِبْتُ بِبَعْلَبَـكَّ
وَأُخْرَى  فِي  دمشِق وَقاصرينا”

وفِي بيروتَ كَمْ أَتْرَعْتُ كأسِي

وكَمْ أَفْنيت من عمري سنينا

ولو خيّرت في حبٍ جديدٍ

جعلت بدارها قلبي رهينا

ولو أفنيت دهراً في هواها

ما كفاني الدهر شوقاً أو حنينا

مهفهفةٌ يَضُوعُ السِّحْرُ مِنْهَا

بِلَحْظٍ  قد جُنِنْتُ بهِ جُنُونَا

عَرُوسُ الْغِيدِ يَا بَلَدِي تَجَلِّي

وَصُبِّي مِنْ خُمُورِكِ وَاصْبِحِينْا
***


وعذراً سيّدي عمر بن هندٍ

شربنا الكأس لكن ما سخينا

معاش تقاعدٍ لا خير فيه

وهل نسخو ونحن المفلسينا

ونحن المانحين إذا رزقنا

ونحن الثائرين إذ ابتلينا

“إِذَا مَا المَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفَاً

أَبَيْنَا أَنْ نُقِرَّ الذُّلَّ فِينَا”

“أبا هندٍ فلا تعجل علينا

وأنظرنا نخبّرك اليقينا”

بأنّا نغمس بالخبز زيتاً

ونأكل بعده جوزاً وتينا

ونشرب ماءنا ونشيد حمداً
بباري الخلق ربّ العالمينا

ونمعن في تباري الشعر ليلاً
فلا بحراً تركنا ولا نسينا

نسامر بعضنا نثراً وشعراً
لأوزان الخليل مُكسّّرينا

ونطلق من صميم القلب ضِحْكَاً

ونكتم حبّنا سراً دفينا

سرت أيّامنا تلك الخوالي

كأنَّ الرِيحَ تَحْدُو الْعِيسَ فِينَا

وهذا يومنا في عرس نصرٍ

وما بالنصر عزّاً قد لَقِينَا

نشْرَبُ إن وردنا الحان خمراً

ويأتي ماءُنا كدراً وطينا

وهذي الماء في التحليلِ وحل
ٌ
وسمٌ قاتلُ للشاربينا

بها ما جازَ غسلٌ أو وُضُوءٌ
بأمّ العينِ أقذاراً تُرينا

فَصِرْنَا نَلْعَنُ الأيامَ طوراً
ونلعن حظّنا حيناً وحينا

ولا يلقى ملامتَنا غريبٌ
فدودةُ خلّنا مِنّا وفينا

فدعني من مشاكلنا لليلِ
يُسَتّرُ عيبنا في العالمينا

ندير خمرةً  ونأمّ ديراً
يحلل فعلنا شرعاً ودينا

فلا يكفينا بعد السكر سكرٌ
ولا نصحو لدهر الداهرينا

ولكن الأيّام لم تشأ إلّا أن ترحم قلبي الشقيّ المتمرّد المتعب، فتثور حبيبتي بيروت، وينزل معها الآلاف من أبناء الناس البسطاء يطالبون بحقوقهم بالخبز والعلم والحرية ونبذ الطائفية وكلّ تميِّزٍ وعنصرية.  وطبعاً ليس لي إلّا صديقي الشاعر العربي عمر بن كلثوم ابن أخت الزير أبي ليلى المهلهل وابن كلثوم المعروف بسطوته وبأسه. ولا بدّ لي من استكمال مجاراة معلّقته الشهيرة بعد أن استفقت من سكري الذي لم يستمرّ لدهر الداهرينا.

تَذَكَّرْتُ  الصِّبَا   وَاشْتَقْتُ   لَمَّا
وجدت  بساحِنا مجداً  مُبِينَا

فها نحن توّحدنا كشعبٍ

جعلنا حراكنا صلباً  متينا

أَيا عوناً  فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْنَا
وَأَنْظِرْنَا   نُخَبِّـرْكَ اليَقِينَـا

فقَدْ  عّجِبَتْ شبابُ العْرب مِنَّا
لحسن أداءنا في الثائرينا

نَزَلْتُمْ  مَنْزِلَ  الأَ سياد مِنَّـا
فأفرحنا العدى أَنْ تخذلونا

وَإِنَّ  الضِّغْنَ  بَعْدَ  الضِّغْنِ  يَبْدُو

عَلَيْكَ  وَيُخْرِجُ  الدَّاءَ   الدَّفِينَا

وَرِثْنَا  المَجْدَ  قَدْ عَلِمَتْ  شعوبٌ
نُحَاهِدُ  دُونَـهُ   حَتَّى    يَبِينَا

بِشُبَّانٍ  يَرَوْنَ الرَفْضَ مَجْـدَاً 
وَشِيبٍ  فِي  الحَرَاكِ  مُجَرَّبِينَا

أَلاَ  لاَ   يَعْلَمُ   الأَقْـوَامُ   أَنَّـا
تَضَعْضَعْنَا  وَأَنَّـا  قَدْ   وَنِينَـا”

أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَـدٌ عَلَيْنَا
فَنَعْقِلُ  رَغْمَ  جَهْلِ   الجَاهِلِينَا

بِأَيِّ  مَشِيئَةٍ  صرْتَ  بْنَ عَوْنٍ
تُطِيْعُ بِنَا الوُشَاةَ  وَتَزْدَرِينَا

فَإِنَّ قَنَاتَـنَا يَا عَوْنُ أَعْيَتْ
عَلَى الأخْصِامِ قَبَلَكَ أَنْ تَلِينَا

فَآبُوا بِالنِّهَـابِ وَبِالخَطَايَا
 وَأُبْنَـا بِالْفَخَارِ مُعَزّزِينَا 

عَلَيْنَا  كُـلُّ موسومٍ بأرزٍ
تَرَى فَوْقَ النِّطَاقِ  لَهُ غُضُونا

كَأَنَّ  ثُلُوجَنا أْحْرَزْنَ نَصْرَاً
فصرن بالدماء مضرّجينا

تباهى بنصرها في الأفقِ أرزٌ

ونام بحضنها جَذلِاً حَصِينَا

لبسناها على كتفٍ وقدٍ

تُصَفِّقُهَا   الرِّيَاحُ   إِذَا   جَرَيْنَا

وَرِثْنَاهُنَّ عَنْ آبَـاءِ صِـدْقٍ
وَنُـورِثُهَا  إِذَا مُتْنَا بَنِينَـا”
*****

أمّا الشاعر تميم البرغوثي فقد أرسل لي أبياتٍ ثمانية مجارياً فيها معلقة عمر بن كلثوم:

معين الدمع لن يبقى معينا
فمن أي المصائب تدمعينا

زمانٌ هون الأحرار منا
فديت وحكم الأنذال فينا

ملأنا البر من قتلى كرام

على غير الإهانه صابرينا

كأنهم أتوا سوق المنايا

فصاروا ينظرون وينتقونا

و أن الدهر يعرف حق قوم

لقبل منهم اليد والجبينا

عرفنا الدهر في حاليه حتى

تعودناهما شدا ولينا

فما رد الرثاء لنا قتيلا

ولا فك الرجاء لنا سجينا

سنبحث عن شهيد في قماط ٍ

نبايعه أمير المؤمنينا

ونحمله على هام الرزايا

لدهرٍ نشتهيه ويشتهينا

فإن الحق مشتاق إلى أن

يرى بعض الجبابر ساجدينا


[1] شمس الجبل: معنى كلمة “شمسطار” السريانية