عذبٌ كلامك، يا صديقي، وساحرٌ كمياه جدولٍ رقراقٍ ينحدر من أحدِ سفوحِ جَبَلِ صنّين لينسكبَ، في يوم قائظٍ، بين يديّ بدويٍّ تائهٍ، قد أصابه العطش الشديد في بيداء “لم يعرف بها ساكنٌ رسما”. كتلك المياه في عينيّ البدويّ التائهِ تزيّنتْ لي فكرة محاولة الكتابةِ على صفحاتِ السنابل الغرّاء وغيرها من المواقع الالكترونية. ورغم حذري الشديد من خوض غمارهذه التجربة وما تحمله من مصاعب ومهالك وعلماً أنّي لست من أهل هذا الفنّ، ولم يتسنّ لي الخوض في مجاهل ميادين الأدب والتعرّف (عن كثب) على معالم مندرجاته فقد وجدتُ نفسي منهمكاً بمواضيع السنابل الغرّاء وكأني في حقلٍ رائعٍ من حقول أيّام الخير وريعان الصِبا، فتعلّق قلبي بالقراءة الأدبية ومارست الكتابة بين الحين والآخر. كُنْتَ لي، ونعم ما كنتَ وما زلتَ، الصديق الرائع الذي يشجّعني ويصلح شعث ما أكتب بروحٍ كريمةٍ صافيةٍ طيبّة.

  وفي يومٍ من الأيام أُصِبـْتُ بصدمةٍ قويّةٍ وبعجبٍ ما بعدهُ عجب، ذلك من تعليقٍ لكَ على إحدى مقطوعاتي “الشعرية” التي عبّرت فيها عمّا يكنه صدري من “تقديرٍ كبيرٍ” للقادة العسكريين العرب الذين كما يقول المثل الشعبي “جحا لا يقدر إلّا على خالته” .. كان عنوان المقطوعة “يا من بسلاحكَ تفخر” https://assanabel.net/archives/443
وكان بيت القصيد فيها يكمن في هذه المقاطع:
يا منْ بِسلاحِكَ تَفْخَر،
أنتَ كالطَودِ وأكبرْ،
أنتَ كالبَحرِ وأزْخَرْ،
جَيشُكَ جرارٌ مُظَفّرّْ؛
فَتَبَخْتَرْ
أَوْاَنُ ردِّ الحقِّ جاءْ،
نَحْنُ قدّمْنا الدِماءْ،
ولنا فيكَ الرَجاءْ،
تَصْدُقُ الوَعْدَ وأكْثَرْ؛
فَتَبَخْتَرْ
لكن لمّا جدَّ الجدُّ
وعلى أقْصَانَا تعدّوا
هَرَبَ الواوي، توارى القردُ
صارتْ غَبَتُنَا بَكْمَاء
والأسْدُ ما عادت تزأر

فَتَبَخْتَرْ

لم أتفائل، في هذه القصيدة، ولم أتشائم، ولم أدعُ، ولم أحرّض، إنما وصفتُ تبختَر بعض العرب وخيبة أملي وأمل شعبنا الصابرالمحتسب بهم وبما يتباهون به. وكما تعلم، فانّي لستُ من دعاة ثورةٍ ولا تمرّد، و جلّ مبتغاي في هذه القصيدة: إيصال كلمة حق، ووصف سخافة المتسلّطين العرب وأزلامهم، وتخفيض أصوات أبواقهم وطبولهم.

وبعد أن قرأتُ تعقيبك الجميل، أستاذ ابراهيم، وسمعت زياد الرحباني بشغف، شعرتُ -يومها- بأنك لم تنظر، كما أشتهي، بمضمون القصيدة ولا بمراميها البعيدة أوالقريبة إنما أخذتَ عليّ بما لم أقل، وجرّدت حسامكَ لمنازلةٍ ما كنت أرغب بها، فكان ردّي الحماسيّ بقصيدة عنوانها “أنا الشعب”، أُبيح لنفسي اعادة نشرها من جديد:

قصيدة بعنوان “أنا الشعبُ
***
فإذا سَكَتُّ، قِيلَ عنّي خَانِعٌ
وإن انتفضّتُ، تَغَامَزوا وتَهَكّموا
وفي الحالينِ، أَعْرِفُ منْ أنا
والجَمْعُ يَعرِفُ، والآكامُ والقِمَمُ
جَلود،ٌ صبورٌ، وليثٌ في الوَغى
لا أرتضي الذلّ، ولا تَكْبو بيَ الهِمَمُ
أنا الشَعْبُ والتاريخُ يشهدُ لي
في بيرقي المجد، في خفقاته الشممُ
أنا الشعب هذي الشهبُ تَسْجُدُ ليِ
إن شئتُ، شاء الكونُ، وانساقتْ له الأمَمُ
أنا الشعبُ لا تخبو مشاعِلهُ
ضاءَ بها الليل وانشقّتْ بها الظُلُمُ
أو تعلمُ يا أستاذُ، عنّي، من أنا؟
أوَ تَعْلَمُ أنّي بِحبلِ  الله أعتصِمُ؟
لا الحربُ أعْشَقها ولا أسْعى لها
لا الموتُ يرْهِبُني ولا أحْنو فأنهزمُ
أنا! منْ أنا؟ وكُلّ الكون يَعرفُني
وفي مُقلتيَّ بهاءُ العزِّ يَرْتَسِمُ

هذه قصيدتي بين يديك  فانصفني وأنت المنصف، وهل هي إلّا تعبير عن حبّي لشعبي وإيماني بقوته وإرادته الصلبة وتاريخه المجيد وأنه “إذا أراد الحياة فلا بدّ أن يستجيب القدر” وأنه كما وصفته السيدة فيروز حين غنّت بحبك يا لبنان.
https://www.youtube.com/watch?v=B3Da9XPViGQ
أمّا تعقيبك على قصيدتي هذه فكان مقالة بعنوان “المراهنة الخاسرة” ومن ثمّ”المراهنة الخاسرة والمظاهرات التي لم تربح.. بعد” على الرابط التالي نفسه
https://assanabel.net/archives/856
 وسيكون لي -في القريب- الحلقة الثانية من التعليق على هذين المقالين، بإذن الله.
وأخيراً في هذه الأيام المليئة بالأحداث والمتغيّرات، أتمنّى لك،
صديقي وحبيب قلبي أستاذ ابراهيم يوسف دوام الصحة والعافية، وللبنان الحبيب والبلاد العربية العزيزة كلّ الخير والأمان والتقدّم. وإلى لقاءٍ قريب.