عزيزي الدكتور شوقي يوسف 

أحببتُ السفرَ مثلك على ظهر الأثير، لا سيما سفرٌ تُشَدُّ رحالُه إلى الزمن القديم، إلى ما كان مأذونا له من نشاط العقل والحكمة، أو غيرَ مأذون. فقُتلَ من تعقَّلَ بغير إذنٍ أو استتر وخمدتْ نارُه، وعلا شأن من غالى وسفَّهَ العقلَ والفلسفة، واعتبرَ المنطقَ بابَهما، وبابُ الشرِّ شرٌ على ما زعم ابنُ الصلاح 1160ـ1226م. لقد اكتشفتُ أيها الصديق العزيزُ، وأنا أقرأ كتاباً للدكتور محمد أركون (نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية) مقارنة صادمة، لا بل قل مفارقةً مثيرة، فريدة، وصادمة، عندما قارن بين الألماني ايمانويل كانط مؤسسا للتنوير الأوروبي ومحمد بن عبد الوهاب مؤسسا لعصر طويل من الإنحطاط. والإثنان شغلا القرن الثامن عشر وافترقا فيه افتراقا مثيرا للتساؤل، حول من حرر العقل ومن أسره، وبالتالي تقدم وتخلف الحضارة الحاضنة لأي من العقلين.

في القرن السابع أو الثامن، تفتَّحتِ المنطقةُ على محيطها (والتفتُّح نقيضُ الإنغلاق، وتشديدُ التاء لغةٌ في الكثرة على ما قال الجوهري) كان دافعُ الإنفتاح تجاريا. وبما يفرضه واقع التجارة من انقلاب في العلاقات الإجتماعية، توسعت آفاق العاملين بها، كما توسعت ثرواتُهم وتهيأت بنتيجتها العواملُ والشروطُ اللازمة لاستقبال الثقافات الوافدةِ ذات الطابع الإنساني والعقلي. ثقافاتٌ غيرُ لاهوتية أتت الينا من الشرق البعيد ومن الشمال الإغريقي. ونشطت في ميادينَ شديدةِ التنويع، أقبلَ عليها الخاصةُ من العلماء والشعراء والكتّاب، وبعضُ العاملين في الصناعات المرافقة كالوِراقة والترجمة. لكن الأكثرية المطلقةَ من الناسِ بقيتْ ترزحُ تحت عبء الثقافة الدينية. ووجد التنويرُ أرضا خصبة له في خلافة المأمون 786ـ833م الذي أسس بيتَ الحكمة لرعاية الأبحاث الفلكية والجغرافية، اختُرعت في البيت تقنياتٌ كثيرة. ومن مرويات العصر العباسي أن أرسطو ظهر للخليفة وأخبره أن لا تناقض بين الدين والفلسفة، لكنه أحجم عن زيارة المتوكل لقصوره الفلسفي، ولم تكن له زورة للشيخ بن عبد الوهاب لأسباب لم يُعْلِنْ عنها. انهزم التنويرُ مع سقوط البويهيين وسيطرة السلاجقة الأتراك. ضمرتْ مع السيطرة الجديدة نزعةُ الأنسنة وساد العقلُ النَّصِّيُ الذي أصبح علامة فارقة للحضارة العربية الإسلامية. عقلٌ قدّمَ “تعقّلَ النصوصِ على تعقِّل الوقائع” وصفه المفكرُ والباحثُ جورج طرابيشي فقال: “عقلٌ نكوصيٌ يرتد من الوقائع الى النص فيُفْقِرُها ويُعْدِمُ فروقها ويلاشي تلاوينَها ويُفقِرُ بالضربة نفسِها النصَ وقابليَتَه للتعدد التأويلي وطواعيتَه للتكيّف مع شروط الزمان والمكان تبعا للقاعدة الفقهية الشهيرة: تتبدّل الأحكامُ بتبدّل الأحوال”.

كان العقلُ النصِّيُ في بدايته لينا جدليا بعضَ الشيء، لكنه تنكَّرَ وفقد مرونته تدريجيا تحت سلطة الفقهاء الأوائلِ، فاتجه الفقهُ لما يمكن تسميته بالتخريج العقلاني لتناقضات النص، وقد كان موروثُنا من النصوص والأحاديث شديدَ التباين والإختلاف. ودافعُ الجهودِ الفقهية في التخريج، قناعةٌ راسخةٌ بقدسية النص، حتى لا يحملَ الأخيرُ ما ينافي القدسيةَ من ازدواج المعنى واختلاف القصدِ.

كان مالك بن أنس 676ـ762م يسدُّ نقائصَ النصوصِ كلما كان ذلك ممكنا، ويُبقي التناقضَ قائما ومفتوحا إذا تعذّر سدُّهُ، فيُعلّقَ في تناقضه الحكمَ. وتعليقُ الحكم “هامشٌ من الحرية وإن من منظور العقل النصي”. هامش عمل على إغلاقه بالكامل فقهاءُ لاحقون منهم الشافعي 733ـ787م الذي سدَّ كل منافذ الرأي، واعتبر الرسولَ في حالة وحيٍ دائمٍ كان. مما يعني أن السُنّة أصبحتْ رديفا للقرآن. إنقلابٌ لاهوتيٌ كبيرٌ شبَّهه الباحثُ السوريُ بالإنقلاب المسيحي الذي حدث مع تنصّر الإمبراطورية الرومانية “عندما نُصِّبَ المسيحُ إلهاً إبناً مشاركا في الجوهر للإله الأب”.

كان الغزالي 1058ـ1111م منظّرَ الإنقلاب، تعرّفنا عليه أيها الصديق في دراستنا الثانوية على غير ما كان. كفّرَ المعتزلة وحارب الفلسفة، واعتبر العلوم رجسا من عمل الشيطان، خاصة الكيمياء ليحصر العلم بالشريعة وأصول الدين. نصح باتقاء شرور العقل وتفادي البحث والتنقيب فقال في الإحياء وهو أهم كتبه: “البُلْهُ هم اولئك الذين آمنوا بالله ورسوله واليوم الآخر إيمانا مجملا راسخا كالأعراب وسائر العوام الذين لم يخوضوا في البحث والنظر ولم يُشْرعوا في الكلام استقلالا ولا صغوا الى أصناف المتكلمين في تقليد أقاويلهم المختلفة ولذلك قال الرسول: أكثر أهل الجنة البُلهُ”. وحتى يكتملَ الفكرُ الإسلامي في نكوصه أغلق الشيعةُ بدورهم التكيّف مع الوقائع الجديدة وأوكلوا أمورهم للإمام المؤتمن على الاحكام خليفة الله الغائب.

صديقي العزيز 

كفّرَ الفقهاءُ على اختلاف فرقهم المعتزلة، لأنهم رفعوا من شأن الحكمة على حساب الإرادة الإلهية، يعني تقييد الإرادة المطلقة بمعاييرَ عقلانيةٍ فإرادة الله منتهية على ما قال أبوالهزيل العلاف “إنَّ لما يقدر عليه الله آخراً، ولقدرته نهاية، ولو خرج الى الفِعْلِ ـ ولن يخرجَ ـ لم يقدرِالله بعد ذلك على شيءٍ، ولا على خلق ذرة فما فوقها، أو على إحياء بعوضة ميتةٍ، ولا على أن يفعل شيئا أصلا.” طُرِدتِ الفلسفةُ ولم تزلْ منفيةً وأُمِّمَ الدينُ وبدأ استخدامُه منذ العصر الأموي لصالح الأنظمة السياسية، وتأميمُ الدين يعني تصفية العقلِ والتأسيس للحركات الأصولية التي تساهلَ في نشوئها ونموها علماءُ كبار ذوو شأن في علم الإجتماع، أعني ابن خلدون عندما قال: “إن الإسلام يجب أن يعم البشرية جمعاء ولو بحدّ السيف”.

عزيزي الدكتور شوقي

أنا لستُ كاتبا ولا مؤرخا، أنا دخيلٌ على هذين الحقلين. أعجبني نقدُ السيدة عواطف محجوب للكتب على موقع السنابل، قلت وأنا القارئ النهمُ: بين يديَّ ما يستحقُّ عناءَ الشرح والنقدِ وإن كان النقد لكتب السياسة والدين ـ على عِللهما ـ مرذولا بعضَ الشيء. لقد طبّق الدكتور محمد أركون في كتاباته مناهجَ الثورة المعرفية على تراث الإسلام، ولم يقطعْ معه، فقد هدفَ لتنمية الحس التاريخي، كما قال، ليحـلَّ تدريجيا محلَّ الوعي الأسطوري. تعلّمَ مثلَك في مدينة وهران لدى الآباء البيض، ثم اهتم بتوجيه من المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون بما تركه المؤرخ والفيلسوف ابنُ مسكويه نظيرُ صاحبك ابن الراوندي، أصفهانيٌ من إيران ومِثلُهُ في النُدرة والفرادة. مَثّلَ أركون أيها الصديق، مشروعا أنثروبولوجياً وأخضع الوحي للتحليل الألسني والسيميائي. والألسني من علوم اللغة الحديثة وهو تحليلٌ بدون أسبقيات إيمانية كما أن السيميائية (علم الدلالة) هي الشروط الواجبُ توافرها في الرمز لكي يحملَ المعنى. تحليلٌ جديدٌ للتاريخ بصفته أنثروبولوجيا الماضي. ومن آراء أركون المشابهة لآراء صاحبك وما أسرَّ لك في الرحلة الأثيرية، Un-voyage-éthéré زعمُه أن القرآن مُحرّفٌ بسبب النقل أي انتقاله من الثقافة الشفهية الى الثقافة المكتوبة. كما يزعم أن “لدى الدروز والإسماعلية والزيدية وبعضِ فرق المغرب وثائقَ مهمة تفيدُ في معرفة النص الصحيح، ففي خزائنهم وثائقُ نائمةٌ والشيء الوحيد الذي يعزينا في عدم الوصول اليها الآن معرفتنا أنها محروسةٌ جيدا”. وربما اخترقَ الحراسة َيوما، مغامرٌ وعالم لغة كأحمد بن علي بن المختار، يصلُ اليها بالمُداراة والبذل ولطيف الحيلة، أو بالدنانيرَ والاثرياءُ كثرُ.

فاجأنا أركون بما هو صادم ٌومسكوتٌ عنه، وبما لا يمرُ ببال. أقام مقارنة بين اثنين لا يجمعُ بينهما شيءٌ من عمارات الفكر إلا أنهما معاصران. أسسا لما نحن فيه، في الشرق من إقالةٍ للعقل وفي الغرب من انتصار له وللفلسفة.

قارن أركون بين محمد بن عبد الوهاب 1703ـ1792م وايمانويل كانط 1724ـ1804م وأنت ترى من التواريخ التي تقرأها أنهما شغلا القرن الثامن عشر كاملا. إثنان يجمع بينهما شيءٌ واحدٌ هو المعاصرة ويفرّق بينهما كلُّ شيءٍ سوى ذلك.

 للمقال تتمة