كوشك هانم والفرنسي الأبله
الى العزيز الغالي بسام المهندس القدير ورئيس
تحرير السنابل ترحيبا بوجوده في لبنان بين
أهله ومحبيه

كان الروائي الفرنسي (1821 ــ 1880) Gustave Flaubert منحرفا كما يقول عن نفسه، تجذبه بيوت الدعارة ولذاتها، ويخفق قلبه الفاسد كلما صادف مومسا أو رأى النسوة يسرن في المطر على ضوء المصابيح بثيابهن الرقيقة. وقد امتاز ــ تحت ضغط الصرع وهوس الإنحراف ــ بواقعية أسلوبه ودقة اختياره للعبارات الملائمة التي تصيب المعاني وتحيط بها إحاطة كاملة. فكان كلما وقعت المفردة على المعنى وتطابقت معه، يتهادى ويصيح صيحة أرخميدس.

اعتُبرت روايتُه “مدام بوفاري” أولى الروايات التي أرست ملامح المدرسة الواقعية، أو ما عرف لاحقا بالأدب المكشوف. ومع “سالامبو” مزج تلك الواقعية بقليل من الأدب الرومانسي المعارض للقيم البرجوازية، ثم ذهب متأخرا للفصل بينهما، لإعتقاده أن الفن الحقيقي فنٌ موضوعي منفصل عن الذات. رغبت عائلته البرجوازية أن يصير جراحا كأبيه، فألزمته حضور القليل من دروس التشريح، لكن خلافا لرغبتها التحق بكلية الحقوق، ثم تخلى عن دراسته الجامعية بعد أن أصابه الصرع. وبتوصية من الأطباء تفرّغ للسفر والكتابة، علَّ السفر ينعش قليلا من روحه المتكسرة. وقد تجلّى هذا الإنهزام الروحي في كتاب صادق المشاعر الى زميله في السياحة Maxime du camp عندما قال: إنه لغريبٌ ذلك القدر الضئيل من الإيمان بالسعادة الذي ولدتُ فيه، لقد كنت أتوقع دائما أن يرميني الشر بسهامه، فأنا أشبه بنتن يفوح من مطبخ تملؤه العفونة .

الكتابة الى الأصدقاء فيها شيء من خصائص السيرة الذاتية، نوع من المكاشفة حول أحداث لفها الغموض، وحول مشاعرَ حقيقيةٍ بعيدا عن التزييف وخلط الحقائق. أدب مكشوفٌ مثير للجدل بما يتضمن من اعترافات قائمة على البوح الكامل والصريح بمكنونات النفس. وهو ما تناوله مقال سابق لي حول أدب الرسائل. وفي كتاب آخرــ وغالبا ما تكون الكتب المغلقة صادقة المشاعرــ اعترف فلوبير بخوائه واغترابه عندما قال: “إن مصاريع قلبي قد أُغلِقتْ منذ زمن طويل. كان القلب يشبه منزلا تتصاعد منه الضوضاء، ثم أصبح اليوم خاويا ورنّانا كقبر بلا جثة”. لقد غلب على الروائي نفور شديد من البشر، جفّف من حوله ينابيع الحب حتى شعر بالخوف والخواء. وعندما استعاد شيئا من توازنه، قرر أن يغدو كاتبا فقال: “لنثمل بالحبر ما دمنا لا نملك رحيق السماء. “لم يكن حبره جاريا وغزيرا ومع ذلك تقلبت آراؤه وعواطفه كلما سال منه قليل من الحبر. التقى في باريس بالشاعرة Louise Colet بعيدا عن زوجها، تبادل معها الحب والرسائل، وسكّن غيرتها من نساء مصر بالقول: إن المرأة الشرقية خاليةُ القلب، لا تفرق بين رجل وآخر، ولا هَمَّ لها غير نارجيلة تدخنها، وغير كحلٍ تكتحل به وقهوةٍ تحتسيها. أما عن كوشك هانم فليهدأ بالُك. إن العاطفة لم تجد سبيلا الى قلبها، وأكاد أشك أنها لم تكن صادقة الحس بالمتعة الجنسية. ولم يكن فؤاد الروائي بعيدا عما وصم به نساء الشرق، فقد كان يزِنُهن عموما بقلبه الخالي إلا من السيدات اللواتي يكبرنه سنَّا كأن الإنحراف طبع متأصل فيه.

وكان فلوبير بعد أن هجر دراسة الحقوق، قد سافر الى مصر على نفقة الحكومة الفرنسية، ليجمع معلومات تسعى وراءها غرف التجارة. وما أن وصل اليها بقليل، حتى توقف عن كتابة التقارير، لأن إضاعة الوقت في كتابتها بدل أن يكون المرء عينا مراقِبة للنساء أو ملاحِقة لهن أمرٌ فيه ــ على ما يعتقد ــ كثير من الحماقة. لم تلبث العين أن وقعت على كوشك هانم محظية عباس حفيد محمد علي باشا. وكان الجدُّ قد أصدر فرمانا ألزمها ومن معها من “العالمات” وبائعات الهوى بالرحيل الى إسنا التابعة لمحافظة الأقصُر جنوب مصر وجاء فيه: “قررنا نحن محمد علي باشا والي مصر طردَ جميع العاهرات الى إسنا وأسوان وحظرَ نشاطهن تماما في القاهرة، وإلغاءَ الضريبة المفروضة عليهن… وإنذارَ المومسات اللائي إذا قُبض عليهن وهن يمارسن حرفتهن يُعَاقَبْن بالجلد خمسين جلدة، يتم مضاعفتها كلما عُدنَ لممارسة الدعارة مرة بعد مرة”.

كانت Küçük hanim محظية مصرية من أصول سورية، ويعني اسمها في التركية “السيدة الصغيرة”. انتقلت الى الجنوب بعد فرمان الوالي وافتتحت لها من علب الليل واحدة كانت أكثر إثارةً من علب القاهرة وأعظم شهرةً منها. لحقها فلوبير الى إسنا ليُمضي الليالي بين ساقيها وينامَ أكثر الساعات فائدة في كتابة التقارير التجارية. وصفها في “الرسائل” فقال: إنها امرأة فاحشة عظيمة الصدر بساقين رائعين، وعندما ترقص تتجمع ثنيّات بطنها وتفوح من صدرها رائحة التربنتين المثيرة. وحين تنحني، يتموج لحمها في سلسلة برونزية بديعة… ضاجعها الروائي الأبله، وأثارت غرائزَه في سريرها “رائحةُ البق المثيرة للغثيان، ممزوجة بعطر جلدها الذي يتقطر منه الصندل”.

زار فلوبير كثيرا من المدن المصرية، وبقي مشغولا بغرائزه الجنسية. ولو عادت اليه الأمور، لودَّ السفر بلا حراك مستلقيا على أريكة أو على فراش إحدى العاهرات. هكذا رآه صديقه في الرحلة مكسيم دو كام، الذي ذهبت بلُبابه المعابد والأهرام وأدواتُ القياس، وشغله النيل ورجال الصعيد بسمر وجوههم التي لوحتها الشمس، حتى ربط استعادة الذات ــ لمن فقدها من الأوروبيين ــ بزيارة مصر. مثلما ربط أطباء فرنسا معالجة الصرع بزيارة الأماكن الحارّة. ارتحل فلوبير الى شمال افريقيا، سكن فترة في قرطاج في بيت لم يزل قائما، اختمرت بين جدرانه روايته الجريئة “سالامبو”. ثم طابت إقامته في الأُقصُر، حيث وجد ذاته ودواءه في الحرارة الزائدة لكوشك، وفي رقصة النحل التي تؤديها. فقد كانت ترتعش كما لو أن نحلا يلسعها ويدب فوق حدائقها فتتخفف “مضطرة” من كل ملابسها. وصفها المستشرق المهندس والفنان التشكيلي Emile ď Avennes فقال: كانت كوشك ترتعش كما لو أن نحلة تدب تحت ملابسها فتسارع رفيقاتها الراقصات لنزعها قطعة قطعة بينما تتخذ هي أوضاعا مثيرة… فتدور على نفسها عارية تعاني ألم النحل المراوغ. لم يُخفِ مرافق نابليون إعجابه برقص الهانم، حتى أنه لم يجد في اللغة الفرنسية من المفردات ما يحيط بوصفه. وقد شاركه في قصور اللغة الأميركي George William Curtisd عندما قال: “إن رقص كوشك هانم قصيدة حب نائيةٌ، لا تستطيع الألفاظ أن تحيط بتفاصيل خلجاتها. خاصة عندما تشتعل بالدوران على نفسها وتُسرف في الجهد سَرَفا عظيما، ثم تسكن فجأة وتعودُ باردة كالرخام.”لقد أثار الرقص الشرقي فضولَ المستشرقين على اختلاف مواقعهم، ما دفع بالمستشرقة والراقصة الأنكليزية Wendy Bunaventura لإصدار كتاب سمته “أفعى النيل” ربطت فيه الرقص بظهور طبقات اجتماعية وزوال أخرى، بحركة الهجرة وعلاقة الشرق والغرب، بصناعة الترفيه وتصميم الثياب… فالرقص تقول: تاريخٌ لم يعرف الإستقرار أبدا. رَسَمَ كوشك هانم من رسمها من المستشرقين “بملامح أوروبية وبأزياء لم يعرفها صعيد مصر، فليس للعالم العربي أرشيف، وليس له سيطرة على كامل فنونه وتاريخه”. لقد بقيت آثاره الفكرية خارج الذاكرة إلا ما كتبه هؤلاء المستشرقون الباحثون عن اللذة، وهي كتابات إن لم تكن مُغرضة فقد تناولها قليل من المحاكمة والنقد ولفّها كثير من الغموض والإضطراب وسوء الطويّة. ما كان فلوبير الغارقُ في لذاذاته ليشكو من ضعف اللغة، ولا من غزارة الكلمات الملائمة لإشباع الوصف، فقد اتسع عنده قاموس اللغة كلما اتسع نفورُه أو اتسعت شراهته الجنسية، فرقصت غانيته “كراهبة الهنود كفتاة نوبية أو كاهنة من ليديا، التفَّتْ من جنْب الى جنب كزهرة يداعبها الهواء. وترنمتْ دُرر أذنيها على موجات النسيم، وتلألأ حرير ثوبها فأشعلت اللهب في صدور الرجال”.

لم تُرَمَّم علاقة الشرق والغرب منذ الحروب الصليبية، فقد كان بينهما على الدوام ذاكرة منقسمة وسوداء، ففي 27 تشرين الثاني من عام 1095 رسم البابا الفرنسي Urban II للمؤمنين صورة الشرق التي رسختْ في المتخيل الغربي عندما قال تغذية لنار الحروب الصليبية: “في الشرق غانيات سمر ينتظرن أن يأخذهن رجال بواسل”. وافق الوصف البابوي شبقية فلوبير وانحرافَه الماجن، فلم ير في الشرق إلا بداوة قذرة، غلمانا وغانياتٍ مثيرات في مرابع الرقص. ذاك ارتباط بين الشرق والجنس أقامه الغرب بدافع إيديولوجي على ما وصف ادوار سعيد، ففي تعليق له حول علاقة فلوبير بكوشك هانم قال: إن الروائي جعلها قناعا من أقنعة الشرق الجنسي “إنها تجربة جنسية لا يمكن الفوز بها في أوروبا، ولا أستثني أي كاتب أو مرتحل غربي رجلا كان أو امرأة من هذا الميل الى الجنسية الشرقية”. ولم يسلم من ذلك نابليون بونابرت، الإمبراطور الذي جعل من فاطمة محظية خالصة له بدلا من جوزفين. وقد ذُبحت فاطمة فور مغادرة الفرنسيين لمصر.

كثرت الكتابات حول كوشك هانم حتى أصبحت جزءا من سيرة الروائي، عالجها سارتر بقدرة فائقة على التحليل. في كتابه “أبله العائلة” وتوقف عند حمولتها النفسية قائلا: إن تفضيل فلوبير للمومسات عائد لطاعتهن، فهن فرصة لاقتناص أحلام اليقظة. فقد رأى الكاتب في رحلته شرقا أنثويا خاضعا، خَبِره في عالم المواخير والمباغي، وألقى بظلاله على كل الشخصيات النسائية في أعماله الأدبية. وأردف قائلا: إن الراقصة كوشك هانم مثلت في مخيلته المرأةَ والشرقَ كما أَحَبَّ أن يكونا”. لقد اعتقد سارتر اعتقادا راسخا أن فلوبير ليس شخصا سويا، فهو بحق أبله العائلة. وما أصابه من اضطراب عصبي، دفعه نحو شيء من الإبداع، “وكلما كان العُصاب قويا كان الإبداع جارفا”. يلتقي ادوار سعيد مع التحليل النفسي والثقافي لسارتر ويطعِّمُه بذَواق سياسي، فعلاقة الروائي بالغانية المصرية علاقة أرستقراطي غربي ذي نفوذ بغانية شرقية “لم تُتَحْ لها فرصة التعبير عن مشاعرها والإفصاح عن حاضرها وماضيها. فلوبير يتحدث في أسفاره عنها وعنه وعن الناس جميعا. إنه طنّان كبير أو هو طنان أكثرَ من اللازم. فقد كان محكوما بالفكرة الماركسية التي تقول: “لا يمكنهم تمثيل أنفسهم، يجب أن يتم تمثيلهم”. فهو الغربي مركز القوة وهي الشرقية اللامبالية التي لا تنفعل ولا تفعل إلا أن تتقبل سيطرة الرجال (الغربيين) على جسدها”.

لقد كان فلوبير مدفوعا في كتاباته لتكوين عالم خيالي بديل لما ترك وراءه. إنه عالم الشرق المُتخيَّل والمثير بغرابته لفضول أوروبا، فقد زعم أن مهرّج محمد علي أخذ امرأة من أسواق القاهرة، مدّدها على دكة أحد المحال ثم ضاجعها علانية وصاحب المحل يدخن غليونه وينظر اليه كحادث طبيعي ومألوف. ومن أحلام اليقظة وَصَفَ ــ بشيء يحاكي شذوذه وفرادته ــ تصرُّفَ أحد الصوفيين، ممن اعتاد بزعمه أن يسير عاريا في شوارع القاهرة، إلا من طاقية على رأسه وأخرى على ذَكَره، فإذا اعتراه البول رفع طاقيته السفلى لتركض النساء العاقرات يتموْضعن تحت قوس بوله ويَدْلكن به أنفسهن. وما يؤكد جموح خياله، ادعاؤه أنه رأى مصر قبل أن يراها، فوصفها كأنها مملكةٌ من ألف ليلة وليلة، ثم توج عليها غانيته المومس فهي أندر جواهر المملكة وأغلاها، إذ قال بمزيد من الرومانسية: “انظر وسترى مدنا من قباب ذهبية، مآذنَ من الخزف الصيني… أحواضَ سباحة مؤطرةً بالرخام تأتيها السُلطانات لغسل أجسادهن ساعةَ يجعل القمرُ ظلَّ البساتين أعمق زرقة وماءَ النوافير أكثرَ صفاء وشفافية… النسر يصرخ في السُحب، وفي البعيد تُقرع أجراسُ الأديرة… الغابات والبحر يزدادان مساحة واتساعا والأفق ينأى بعيدا ملامسا السماء حتى ليبدو واحدا معها.”هذا الوصف الخيالي لمصر يدفع المرء للإعتقاد أن كوشك هانم ربما تكون نسخة هاربةً من النصوص اللاهوتية، من الملاحم أو الكتب القديمة، فهي كديدون في رواية فرجيل أو شهرزاد أو سالومي التي قتلت برقصها الماجن القديس التقي يوحنا المعمدان. نسخ كثيرة لكوشك آتيةٌ من الأساطير ومن الطقوس الدينية البعيدة، لكن الهانم تبقى مع ذلك كائنا تاريخيا، لغزا ومخدّرا شرقيا عجيبا. إنها كما قال الموسوعي فاروق سعد: ليست سرابا بالتأكيد، ولكنها واقع قريب من الخيال.

في خريف 1869 أي بعد عقدين من زيارة فلوبير، وصلت الى الإسكندرية سفينة فرنسية للإحتفال بافتتاح قناة السويس، وكان على متنها الشاعرة لويز كوليه. امرأة قطعت البحر لتبحث عن كوشك، عن غانية كالأسبرين تُسكّن بها غيرتها، وتعاين بفضول الشاعر ما وُصف منها أو ما لحق بها من أضرار، وربما لتقارن بين جنسية الضَّرَّتين. “فقد كان جسد لويز كجسد الهانم يرحب بذوي الكفاءات الكبيرة أمثال Hugo فلوبير وAlfred de Musset…”. قرأت الشاعرة كل ما كُتب عن الغانية، بحثتْ عنها في الصعيد وفي بيوت الريبة في إسنا وأسوان، حتى انشغلت عن افتتاح القناة، وعادت بخفي حنين إلا بما ارتوى به جسدها من كفاءات الشرق.

لم يكن فلوبير أكثر من زائر عابر، بالرغم مما تركته كوشك هانم من بصمات بارزة على روحه وجسده، وما تركته على أجساد الدبلوماسيين والمرتحلين عموما، ما خلا الحاج الأميريكي جورج كيرتس في ما زعمه أنه لم يستسلم للراقصة الساحرة فقد فرض على نفسه سيطرة صادقة أو خادعة فكتب يقول: “وداعا يا كوشك أيتها الحمامة الغريرة العينين، لقد كدتِ أن توقعيني في فِخاخ اللذة”.

كلما قرأت شيئا عن شذوذ فلوبير وميوله الجنسية المزدوجة، يتسلل الى الذاكرة من قراءاتي القديمة ما عرفته عن Oscar Wilde، فقد كان الكاتب الإيرلندي مثليا، عاقبته المحكمة بالسجن حسب القوانين النافذة يومئذ، ولم يكن يُسمح للمحكومين في العصر الفكتوري إلا بقراءة الكتاب المقدس الموجود دائما في زنزانة السجناء. واجهت الإدارة ضغوطات سياسيةً لتزويد وايلد ببعض الكتب. ولما سأله آمر السجن عن الكتاب الذي يتمنى قراءته، ذكر وايلد رواية فلوبير “سالامبو”. اعترض الآمر على الخيار الحسي لسجينه قائلا: إنها من نوع الهُراء الذي جلبك الى هنا.

عندما تبحث عن شيء، تكتشف شيئا آخر بالمصادفة شيئا نادرا وثمينا. وما اكتشفته وأنا أجمع مادة موضوعي، مقالة أو مقالتين كتبهما ادوار سعيد عن تحية كاريوكا أيقونة الرقص الشرقي ووجهه اللامع والرصين إذ قال: إنها ليست راقصة جميلة وحسب، وإنما هي فنانة لعبت دورا مهما في تشكُّل الثقافة المصرية، جنبا الى جنب مع نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وطه حسين وأم كلثوم…” “فجوهر الرقص الشرقي، شأنُه شأنُ مصارعة الثيران، ليس في كثرة حركات الراقصة وإنما في قلّتها.”فهي لم تقفز أبدا ولم تمايل ثدييها، بل كانت براعتها تتمثل في أداء كلاسيكي عظيم في متر مربع واحد”. إنها راقصة لم يلسعها النحل، ومع ذلك جسدت نوعا من الإثارة بالغ الخصوصية، فكانت ما تسميه اللغة الفرنسية La femme fatale أي الممثلة الأولى والأكبر للمرأة الغامضة والفاتنة والقاتلة التي تجذب عاشقيها بسحرها وضوئها وجمالها، وهي أيضا الرمز والنموذج المثالي في الآداب وسائرالفنون. Archétype. ويبدو أن شاكيرا نموذج مثالي راهنٌ، دفع نحو عولمة الرقص الشرقي الذي وصفه أستاذ الأدب المقارن في جامعة كولومبيا.

خاضت كاريوكا المعترك السياسي، وآوت في بيتها الصحفي الشيوعي المطارد صلاح حافظ والكاتب الشهير الدكتور أنور عبد الملك. عاصرت فاروق وعبد الناصر والسادات ومبارك، وأودعها كلٌ منهم السجن مرة أو مرتين لميولها اليسارية. (عدا مبارك) ويُروى أن السادات ــ وكان رئيسا للجمهورية ــ قال محاولا التقرب منها: لقد كنتُ مع شقيقك في العمل الفدائي. فردّت: “لا يا ريس أنت كنت هربان”. وفي آخر مقابلة لها مع سعيد بعد مرور سنوات على اعتزالها، كانت ترتدي حجابا تتستّر به حواجُّ البيت الحرام. لم تتنكر لمسيرتها بل أبدت احتراما كبيرا لفنها. قالت له “وهي أنعم الراقصات وأبعدهن عن التصريح”: لقد تربيتُ على تقدير الإرث الشرقي للرقص الكلاسيكي، وتجاهلتُ على الدوام ما أصابه من سمعة سيئة، لقد وجدتُ فيه قدسية وحرية كاملة وجميلة، فالرقص كالوجود في معبد (تريد الصلاة). انتهت كاريوكا كما ينتهي عادة أبطال التراجيديا محطّمبن بمآسيهم، متحصنين بالحقائق المطلقة التي ربما تحصنتْ بها كوشك، فتعلقت بأستار الكعبة أو بأستار المسجد النبوي.