في حارتنا العتيقة

خواطر قلم.. متواضع

مهداة لأستاذي الرائع

إبراهيم يوسف الغالي

في حارتنا العتيقة، حيث كانت تغّفو على صوت هدهدة الأمهات الرخيم، وتصحو على صوت هديل اليمام وسقسقة عروس التركمان! هناك كُنّا أطفالاً نلهو تحت كل سماء.. نتأرجح بالغيم المارق، ونفتح أيدينا الصغيرة على اتساعها ونُصلي لتمطرنا دمىً وكعكبان..

كنا نتوسد أركية الفرح الأخضر ونلعب “لعبة دور يا صحن السُكّر” نملؤه خيّرا وسكراً ونذريه حفنات حفنات على كل بيوت الحارة. هناك كانت حارتنا العتيقة غارقة من الرأس حتى أخمص القدميّن بلهو الأطفال، وحرير أحلام العذارى يمشطن أهّداب أحّلامهن بأنامل الطهر والنقاء ويطرّزن المناديل الشّامية، وجهاز العروس على نور قمر صار بدرا، وينّشُرن القمح المصوّل على سطوح البيوت الحجرية..

كُنّا هناك.. في حارتنا الغافية باكرا.. نسّتقبل في البواكير موكب الشّمس مع صياح الديكة ونهيق الحمير ونُباح الكلاب وولادة القطط! ونتلهف لمواسم الزيّتون كلهفة الأرض للمطر الأول، لكي نجني الغلة ونخزنها في خوابي الزيت قبل قدوم الشّتاء.

كنا أطفالا، كباراً وصغاراً، نجلس القرفصاء حول طبق القش وتتسابق أيدينا الصغيرة على ما يسّره الله لنا من قوتٍ راضين قانعين! ثمرات التين البياضي كانت التحلية؛ نخطفها من قرطلة جدتي أم حسين وبضع حبات توت نقطفّها من توتة عمي أبو صالح التي طالما نصبنا تحّتها الفخاخ، لنصيد طيوراً من الأوهام.

هناك في حارتنا المنّسية كان يعود عمي بو يوسف من حقلهِ، والشمس تشرق من كفّيه والمنكوش يبتسم على كتفه، هل ثمة أحدٍ أخبر عمي بو يوسف، “جار الرضا” بأنّه زرع في قلب كل من عرفه غابة أفراح؟ وجارتنا الخالة أم سعيد المرأة الصلبة كالرجال! كانت تزغّرد كالصبايا في الأعراس وتلوِّح بمحّرمتها المنّقوشة في المناحات وتّبكي كالأطفال! هل أدركت يوماً بأنها زرعت في قلب كل من عرفها “قصّفة حبق!”

نشتاق..! لنسيم الصّبا للدبكة الشمالية ونخوة الشباب السمر! نشّتاق لرائحة الحناء في عيد الأضحى المبارك، لطاسة الرعبة التي حُفِرت عليّها آية الكرسي، وفعلت ما لا يستطع أن يفّعلهُ أمهر الأطباء؟ عنّدما سقط أحد الصبية عن السطح! نشتاق للمّة نساء الحارة  تحت عريشة الدالية يرتشفن القهوة “الوقت عنّدهن ليس من فضة ولا من ذهب!” كن يتركّن لنا نحن الصغار الحبلَ على الغارب، لنلعب لعبة الغُميضة ورجل الجمل المكسورة، نتعارك كديوك رومية ونتصالح خلال دقائق معّدودات، ثم نعود لنلعب كجراء صغيرة تكتشف الأشياء من حولها بأفّكارها الساذِجة كأفّكار العصافير وأحّلامها البريئة كأحلام الفراشات! 

أين رحلتِ يا حارتنا العتيقة؟ من لطّخ ملامحك الجميلة بألوان الخريف..؟ وقصّ ضفائرك الطويلة وسرق وجّهك، الذي كان أجمل من وجّه السّماء..!؟ من أجتثّ شجرة التوت من جذورها وطرد عروس التركمان وقتل فراخ اليمام وكسر صحن السُكّر..؟ ولماذا أصبح الناس اليوم يعيشون في سيرك إسّتعراضي عام يشمل الكبير والصغير! يُصفّق الواحد للآخر دون أن يعرف الواحد الآخر أو يحب الواحد الآخر! أهذا ما أغّضبك يا حارتي العتيقة؟

ألأننا كُنا صغارًا، رفيقنا الصدق والطهر! ولم نرتدِ قط تلك الأقنعة الملوّنة التي يلبسها بنو البشر الآن! في كل مناسبة قناع وفي كل وقت قناع! نعم كُنّا صغارًا لنا وجه واحد بدون أي قناع! ولكننا اليوم..! وبعد أن كبرنا، أصبحنا نغيّر الأقنعة حسب متطلبات المكان والزمان، ننشد لكل واحد موّاله وعلى هواه لا كما يُمليه علينا الواجب!

لماذا أصبحنا صِغارًا وكبارًا؟ نكرّر كل ما نسمعه على ألسن العامة كببغاوات غبيّة دون شفافية أو موضوعية! ألهذا السبب رحلت حارتي العتيقة وتغيّرت ملامحها الأصيلة؟ أتُريدنا أن نعود صغارًا كعهدها بنا! ليّتنا نعود صغارًا.. وليّتها..؟ تعود يوّما ما حارتنا العتيقة، التي تجمّدت على مشارف الزمان.. هناك..