أراكني سيدةٌ من عائلة محافظة، لكن شهرتَها لم تكن كذلك. دفعتْها أعمالُها الفنية المتقنة كي لا تعترفَ بمهارة أثينه وتفوقِها في الرسم ونسج الصوفِ، خاصة وأن ربّاتِ الكروم كنَّ يتدفقن من كرومهن ليتأمَّلن أعمالَها الفنية المذهلة، ما صنع لها إسما عاليا في عالم الفنون، وملأ نفسها فخراً وخَيْلة، يقول أوفيد: “كانت مدهشةً حتى قبل أن تبدأ الرسمَ، ساحرةً وهي تلف الصوفَ الخام بأصابعها، ثم تديرُ المغزلَ المصقولَ بلمسةٍ خفيفة من إبهامها، وتسحبُ الندائفَ الشبيهة بالغيوم، لا ريبَ أنها تلميذةٌ نجيبةٌ لأثينة”. والتلمذةُ أولُ العلم تحملُ شيئاً من سطحية المعرفة لا يرضاها المتفوّقون، فتُجْهرُ قائلة إنها بمهارة الإلهة أو أبرع منها قليلا. لذا دفعها الغرورُ أو واقعُ الحال لتباريَها في كمالِ الصَنعةِ.

حاولتْ ربّةُ الصُنَّاع أن تستوعبَ الموقفَ المُحْرجِ، قالت لها متنكرةً بزي عجوزٍ شمطاءَ: لا تحملُ الشيخوخةُ العجزَ والمرضَ فقط وإنما تحملُ أيضا عمقَ التجربة وسعةَ الأفق، لا تبالغي يا ابنتي بمهارتِك، ولا تتحدي الإلهة، تضرّعي واعتذري لها وسوف تصفحُ عنك. قالت أراكني وهي لم تتعرّفْ عليها بعدُ: احتفظي بنصائحك أيتها العجوزُ، “عندي من الحكمة ما يكفي لأنصحَ نفسي”. إنّ ربةَ الحِرَفِ تتهربُ من المباراة. نَضَتْ أثينه عنها هيئة العجوز وقالت: لا لم تتهربْ، لقد جاءت.

يقول أوفيد: لم تخفْ أراكني ولا ارتبكتْ في حضرة الإلهة الحربية، لكنْ ليكون صادقا استدركَ وقالَ: “تلوّنَ وجهُها كما يتلونُ الفضاءُ بالأرجوان عندما يبدأ الفجرُ مسيرتَه. ثم ابيضَّ تحت أشعة الشمس المشرقة”.

أثينة إلهةُ الحكمة وطوائفِ الصُنّاع، لها تاريخٌ حافلٌ في كل الفنون. صمّمت أثواب الفرح، وثوب جونون الذي تألقت به الزوجة السماوية، كما صمّمت ملابسَ باندور أول وأجمل امرأة خلقتْها الآلهة لمعاقبة سارق النار. في مباراة الغزْل، هيأت أثينه نوْلها وشدّت ثيابها إلى خصرها كما تشدّها العاملات في حقل الزراعة، صبغتِ الصوف ورسمت اثني عشرَ إلهاً من الأوائل يتوسطُهم جوبتير كملك، ثم طرّزت الزوايا بمختارات من قانون العقوبات تحذيراً لمن يتجرأون على منافسة الآلهة أو يتشبّهون بها. وذكّرتْ ـ بزاوية القماش ـ من يعنيهم الأمرُ أن “أونتيغون” تشبهت مرة بزوجة صاحب العرش فحوّلتها جونون الى طائر لَقْلق أبيض.

تجاهلتْ أراكني تحذيرَ أثينه، ليَّنتْ ندائفَها، صبَغتْها بأرجوان صور، ورسمتْ مشاهدَ حبٍ لعلاقات آثمة يقيمُها خفيةً أربابُ الجحيم مع الموتى. ثم زيّنتْ أطرافَ النسيج بحواشيَ خفيفةٍ يختلطُ فيها الزهرُ واللبلابُ. كان تطريزُها اختراقاً نظيفاً لأعمال أثينة، لكّنه اختراقٌ مخيفٌ بما كشفَ من فضائح الآلهة وسوْءِ نزوعِها، مخيفٌ جحيمُ الآلهة كسجن عراقي للرجال، تديرُه مجندةٌ من الغزو الأميركي (ليندي أنغلاند) تعرِّي الرجالَ بضغط كلابها المتوحشة، لترسمَ بأجسادهم البغيَ والنزْوَ (والنزوُ في اللغة هو الوثبان). أنثى يثيرها الإثمُ، تغارُ إمرةَ الرجل، وتفردُ ساقيها كما يفردهما الذكورُ في مجالس السلاح. حتى اذا ربحتْ صَناعُ اليدين رِهانَها ولم تجدِ العذراءُ ذاتُ الشعر الأشقر عيباً في صناعتها، مزّقتِ القماش الملون وضربتْ جبين أراكني ضرباتٍ مهلكةً. عقدتِ الأخيرةُ على الفور حبلا حول عنقها وتدلتْ منه ليغسلَ الموتُ عبءَ الإهانات. عندها قررت أثينه تلطيفَ قضائها قائلة: “عيشي ولكنْ ظلَّي أيتها الشقيةُ معلقةً على أن يشملَ هذا العقابُ كلَّ السُلالة”.

لم تأخذ أراكني حصتها كاملة من الموت فقد رشقتْها الإلهة بعُصارة مسختْها عنكبوتا تنسجُ باستمرار نُواساً مضْطربا موصولا الى شفتيها، والمسخُ تشويه وانتقالٌ من صورة الى صورة أدنى، إذاً هو أعنفُ من القتل وأوجع. عقوبة تجريها الآلهة، على من مسخ الدين بتعبير ابن تيمية، أو هي إعادةُ خلقٍ تحت سَوْرَة الغضب، فالماسخون هُمُ الخالقون الاوائلُ. وجاء المسخ في التنزيل العزيز عقابا لبني إسرائيل. {ولقد علمتُم الذين اعتدوا منكم في السبتِ فقلنا لهم كونوا قردةً خاسئين} وفي تحولات الإمام موسى بن جعفر في “وسائل الشيعة” قياسا على تحولات أوفيد ثلاثةَ عشر من المُسوخ، منها العنكبوت ويزعمُ الرواةُ أن رسولَ الله أخبرهم أنه لن تقومَ الساعةُ حتى يقعَ في هذه الأمة مسخٌ، وتوعّد بذلك الذين يكذِّبون بالقدَر ويشربون الخمرَ ويستمعون الغناءَ. وذكر الحديث أسباب المسخ لمعدود بن جعفر، فالأرنبُ كانت امرأة تخون زوجها ولا تغتسل من حيضها، والفيلُ زنّاءً، والزَبُّورُ لحَّاما يسْرِقُ في الميزان. والفارق في كتابة التحولات أن أوفيد كتب أشياء يعرف أنها أسطورية (ميثولوجيا) بينما اعتبرها الإمام حقائق دينية. يخطر في بالي حيث تزدهر المغالاة وتنشطُ الحقائقُ في مجابهة الموروث القديم، قولُ (إزيود) في كتابه “أنسابُ الآلهة”: “أيها الرعاةُ الحقيرون، خزيُ الأرياف، أنتم الذين لا يستهويكم إلا المغالاةُ، نحن نعرفُ كيف نستنبطُ لكم المزيدَ من الكذب المشابهِ للحقيقة، لكننا نعرفُ في الوقت نفسِه، أن نقولَ ما هو حقيقي بحتُ، عندما تكون تلك رغبتَنا”.

كان للمرأة الرومانية قبل الميلاد، عبدٌ أو عبيدٌ يقومون بكامل الخدمات المنزلية لكنها كانت تغزلُ أحيانا لتدللَ على دماثة أخلاقِها. هكذا كانت أراكني في جسدها المتحوّل مولعة بالندائف تغزلُ بلا نولٍ لتدللَ على أصالة فنها ودماثة أخلاقها كلما أنجزت بيتاً من بيوت الحرير التأمَ جرحٌ من جروحها وغمرها فرحٌ عزيزٌ، فقد غادرتها منذ التحوّل خفةٌ تغمرُ القلب عندما تَسْتمكن الاستحالةُ أو يوشكُ حلمٌ أن يتحققَ. تلك مسرَّة لا يصفُها أو يسبرُ غورَها روائيٌ مهما هيأتْ له طقوس الكتابة من شروط التوهج والفرادة.

استمرت أراكني في حِرفتها التي تعشق، ترسمُ وتغزلُ في الزوايا وفي الأماكن العالية بدوافعَ تنظِّمُها دفقاتُ النبض وروعةُ القصْدِ، كانت رقيقة الصدر حتى في التحوّل الطارىء لجغرافيا الجسد، لا تتحملُ عداوة الصّنعة ولا جراحاتِ الحرب، فحرفةُ الأبوين أنْسَنَتِ المشاعر وتركت في القلب إحساسا بالتفوق وامتداد المكان، هناك في الزوايا وكما كانت بين أصباغها وندائفها تستحضرُ الرسمَ الذي تريد من سالف تاريخها فتصنعُه، وتصبغُ بالألوان المتماهية الخواطرَ خيطا خيطا. بينما انصرفت أثينه لمَحْرِفها، تبتكرُ على صليل السيوف عربة للحرب، ولجاما للخيل، وتغزلُ في معابدها نزواتٍ جديدةً وأبناءً لها من كُبّة الصوف ووسخ الساقين. كان معبدُها كالمصانع الاميركية اليومَ تشعل الحرب لتزدهر صناعة القتل فـقد دخل”أفيستوس” معبدَها طلبا للسلاح وكانت تزوّدُ به سوقَ طروادة فأُخِذَ بلون عينيها وشعرِها الأشقر، حاول اغتصابَها فتخلصتْ منه العذراء ومسحتْ بكُبة الصوف مَنْياً علق بساقيها، تلقيحٌ نادر واستثنائيٌ أنجبتْ منه كُبةُ الصوف بنَ أثينة الوحيدَ أريكتنيوس.

راقبتُ الجسدَ المعلق في الزوايا، وقرأتُ من بين صفاتِه الأولى، نفساً عاشقة لصَنْعتها، شفافةً كشفافية الحرير الكوسي الذي تغزله “بانفيللا” ـ على ما زعم أرسطو ـ من دودة القز المفتونة بالسنديان والدردار. كما قرأتُ من مزاياها أنوثة طاغية، وكمالا في الصنعة، يزيحان العقلَ قليلا عن موقعِه، فلا تتقبلُ الالهةُ النفورة انزياحاتِ العقلِ، ولا وثباتِ الطبيعة في طفرَاتها.

العزلة خمودٌ وتخلٍ وضمورٌ في الفعالية، ومع ذلك تنضجُ في المخيلة المبدعة أعمالٌ فنية ضاغطة، فتغزل أراكني رسوما لها في غار ثور وفي المواقع المتطرفة تضافُ الى رسوم الطبيعة، والطبيعةُ أمُّ المعارض، ملأتها العنكبوت رسما وغزلا حتى أصابتها الرتابة بالعمى. وخبا في الكيان احتجاجٌ على المسخ، كان يتهيأ في قرارتها للظهور ثم انكفأ أمام السلطة المطلقة، قالت أراكني متعالية إنها لم تنس، وأن الهربَ الراهن جزءٌ من الصراع. ولا قيمة للإعتذار الآن، فالإعتذار جسر يَصِلُ بين جرحين وصلاً يلطف القضاء ولا يردُّ المفاعيل، وليس تلطيفُ القضاء كرده، ثم أن أثينه لا ترُدُّ قضاءً هي مثلُ العذارى سيدةٌ مطلقة على بكارتها، لا تشجع إقامةَ الجسور ولا تعتبرُ اعتذارَ أراكني ـ ولو صدر ـ إلا قولا تابعا لسواه.