جلس ادريس في السماء الرابعة، فتقدم على آدم الجالس في السماء الاولى، وعلى عيسى ويحى الجالسين في السماء الثانية، وعلى يوسف الجالس في السماء الثالثة.

ابن هشام (السيرة النبوية)

نون معبود عربي قديم، في معتقدات ثمود وسومر وبابل. كان اسمه تحوت في مصر، وهرمس في اثينا، واصبح في الاسلام: نوح وخنوخ ويونس وادريس {واذكر في الكتاب ادريس انه كان صدّيقا نبيا ورفعناه مكانا عليا}. وقد روى الامام محمد بن يوسف الشامي في كتابه “خير العباد”، أن وهب سئل عن ادريس فقال: هو جد ابي نوح، سمي ادريس لكثرة ما كان يدرس. وهو اول من خاط الثياب ولبسها، واخبر عن (علم الهيئة والحساب واحكام النجوم). وتقول الاساطير المصرية: أنه (لمّا ارتقى قليلا في سلّم الالوهيه. خلق العالم بتأثير من قوة الكلمة، وان صوته يتكثف بنفسه فيصير مادة).

الى الصحراء، فيض المواد الاولية، وبقايا الصوت المتحجر، توجه ادريس كما يتوجه الانبياء والرسل والباحثون عن انفسهم. علّ الصمت وفنّ المضغ الذي لا تجيده الا البقرة في مناطق الرعي يساعداهم  ـ على ما زعم نيتشه ـ  في العثور على ما يبحثون عنه.

الصحراء صافية القلب والذهن، فوق رمالها يتضح ما كان ملتبسا، وعلى كثبانها يتقاطع النظر مع الابدية والموت. واحكم ما يفعله المرء اذا اضطرب الذهن وعزّت الصحراء، ان ينسحب من ضجيج الحياة الى داخل نفسه الهاديء. ليمنح خياله في جلال الصمت سعة وخصبا. وكلما توغلت اكثر في هداآتها تتراءى لك مشاغل اليوم بلا وزن حتى لترغب الّا تعود اليها.

ملأ ادريس خلوته بالقراءات، وعاش وحيدا بين الزواحف، لتساعده العزلة في بناء افكار جديدة، تضاف الى رصيد معارفه، ليخبر عن علم زخر به صدره وفاض عسى ان يحرك من حوله العلم ارواحا هامدة.

احتاج كحفيده حيوات كثيرة ليجدد طاقة النبوّة فيه. “كالطاو” كان في فلسفة الشرق القديم، نهرا متدفقا (قوة عظمى تربط الناس بكونهم الفسيح) ليصل الى سعادة الدرس من توازن في تدفقه ومجراه.

أتى عليّ حين ما فاتني فيه خير ولا معنى. وكانت علاقتي متنامية مع الاشياء جميعا، متوازنة في التدفق والمجرى. الآن وقد عزّت السلامة وخفي مطلبها على ما قال الامام الصادق وانسابت قيم العصر مع وقائعه الخسيسة، صرت على غير ذي علاقة معها.

منفيا في بيتي، منطويا على ذاتي، مراهنا كادريس على قراءة تملأ خلوتي وتحفظ لي أدبي وسلامة عقلي، فتزيدني القراءة اهنماما بما صممت ان انأى بنفسي عنه. كنت أراهن ان تسدّ الكتب فراغا تركه قرار التخلّي، بما يعنيه من ركود وانسحاب وخمول وضمور في الفعالية. غير ان الكتب دفعت باتجاه المشاركة وجعلت لي عيونا اكثر مما لديّ وأوسع. وعندما يقع التحول وتزداد العيون يشعر المرء ان انقلابا قد حدث بغتة وقلب كلّ شيء. انقلاب ظاهره حثيث لكنه في الحقيقة انقلاب كان يتهيّء للظهور على نحو بطيء. ذاك ان القراءة تسبب شكوكا صغيرة تتراكم وتلتصق كالصدأ بالقناعات الثابتة، كما التصقت من قبل بعلوم الهيئة والحساب واحكام النجوم. فالمبادئ فروض معرّضة للمراجعة ما من مبدأ الا وتاكله الشكوك وتاخذه اخذا رقيقا.

كلما قرأت كتابا، شعرت بقرابته او عداوته لآخر. فتزداد رغبتي بالعبور مجددا الى دواخل النفس ففي اعماقها يعتمل توتر واضطراب واشتباكات دائمة بين القراءة والقراءة. أقارب بين ما تباين منها وأنزع فتيل ما تطرّف حتّى تتلاءم وتعتدل وتصفو، وحتّى لا يتفرق في تنازعها وعيي، وأنا حريص على جمعه وتجديده لتبقى مساحة الداخل عندي حاضنة لما استعصى من الافتراقات.

تتغير قناعات القاريء وتتبدل فلن تقرأ كتابك مرّتين. المرة الاخيرة فقط هي الطبعة الجديدة التي تتكوّن بها ماهية النصوص. وقد كانت القراءة قبل ان تصبح مشاعا، حقا ارستقراطيا، وامتيازا للكهنة، ومتعة تقاوم الضجر الذي تبدده الصفحات المتتالية التي تشغل القارئ بالدهشة ان لم تشغله تفسيرا وتأويلا، فتدفعه الاسرار المتسربة من شقوق النص الى ابتكار فضاءات جديدة لم يرها الكاتب من قبل.

القراءة انتساب لذاكرة الآخرين، وفعالية هدّامة للسائد، حيث يتكون في فوضى الهدم الجديد الذي تترابط به الافكار وتتماسك، لتمنحنا ونحن نعبر الجسر الأخير مكانا آمنا ـ ولا مكان آمن تحت الشمس ـ انما نتوهم الأمن و نغرق فيه، لان متعة القراءة تنسينا خوف المآل الذي ننحدر اليه. الكتب أمكنة للحوار، يتوسع فيها العقل اتساعا يتجاوز التعصب والحكم وضرورة الحسم. مع العقل الواسع لا تحسم الامور ولا نهاية يمكن التكهن بها، وقد لا تولد النهايات ابدا.

يخطر ببالي، وانا بين دفّتي الكتاب، اعادة صياغته، لأضيف اليه أشياء منّي، تسدّ نقائصه وتزيد ثراءه. لكن ملكتي التي تحوّل التجربة الى نص فقيرة. وكذلك دربتي القليلة في السرقة من متون الكتب (علما ان لا قيود أخلاقية على الجني والصيد في مملكة الكتابة) على ما زعم البرتو مانغويل.

للكتابة طقوس تختلف من نص الى آخر، فعندما يحلّ المساء – قال مكيافللي من منفاه –  أعود الى البيت فأنزع عنّي ملابس الريف التي غطتها الوحول من صحبة الحطابين والقصابين وعمال البناء، ثم ارتدي ملابس البلاط والتشريفات، لأبدو في صورة أنيقة، أدخل المكتبة لأكون في صحبة رجال يملأون الكتب. يقابلونني بالترحاب، أتحدث اليهم واوجه الأسئلة، فيتلطفوا بالاجابة. وقد تمكنت بالملاحظات التي دونتها بحضرتهم ان اضع كتابا اسميته “الامير”.

ويقول روائي من “صائد الفراشات”(هناك نصوص اكتبها بكامل اناقتي وانا اجلس في بهو فندق راق، واخرى عاريا في غرفة مغلقة. ونصوص لا تاتي الا اذا تشردت في الشوارع والازقة. وحينما كتبت روايتي ما قبل الاخيرة، سرقت حافظة نقود من تاجر مواش، وأمضيت شهرا كاملا في السجن انهيت فيه النص. ونصا آخر انهيته في بيت امونة البيضاء، التي استاجرت بيتها ومشاعرها ونزواتها شهرين كاملين انهيت فيهما الرواية).

للكتابة طقوس، وللقراءة طقوس ومواقع كالمنصات العالية، نطلّ منها على المعرفة، الهدف الحقيقي للقراءة. من قبل ـ يقول طرابيشي ـ”ما كنت أقرأ الا (مع) او (ضد) ومن بعد صرت أقرأ بعيدا عنهما. كنت أقرأ لأحكم ومن بعد صرت أقرأ لأعرف. من قبل كنت أرد كل ما أقرأه الى ما أعرفه. ومن بعد صرت انطلق مع كل ما أقرأه نحو ما لا أعرفه”.

يا الهي كيف أنجو من تداعيات القراءة معها وضدها وقد غمرتني افتراقات الدرس تلك التي تتراكم وتتفاعل بعد كل كتاب، مستنفرة في داخلي طاقة التكيف لأهضم ما تآلف وتناسق منها، وأخفف عن كتفيّ وزن ما افترق وتراكم واستعصى، ليسهل الطيران نحو ما لا أعرفه.

الدرس تجديد للدماء الراكدة، ألفة لطول الانتظار، ورؤية لما لم التفت اليه من قبل، أفكار مستجدة تضاف لافكار جديدة، يختبئ في كليهما المعنى متخفيا في السرد وبين السطور. وليست صدارة الكلام أرقى مما تأخر واستخفى، لكنه تنوع الكتابات والضمور في مستويات التقبل. فقد يتدفق المعنى ثم ينقطع، ثم يتصل، ثم يكتمل في الكتب الليلية التي تحتفظ مع القلب بأواصر حميمة. تلك الكتب ترفع المرء الى السماء الرابعة، الى نحو ادريس وسمته، سمت لا يطيح أحد بأحد من علاه.