(1) جوليا… جوليا… افتحي عينيك لأقرأ فيهما

لم يبلغ Lamartine من الشهرة مرتبة بلغها Hugo في الحركة الرومانسية، لكنه كان واحدا من أعلامها الكبار، إن لم يكن واحدا من مؤسسيها، وذلك لما حفلت به كتاباته من رقة وشفافية في المشاعر. وهي رقة عجّلت في نهاية الأدب الكلاسيكي وصبغت بشفيف صباغها الحركة الأدبية والفكرية في فرنسا في أواخر القرن الثامن عشر. ربما كانت الرومانسية رد فعل لما حملته الثورة الصناعية من تغيير في البنى الإجتماعية والسياسية، أو لما تركه سحرُ الشرق من تأثير عميق على التكوين الفكري والعقائدي لحجاجه الكثر.

كان لامارتين من بين ثوار 1848 الخارجين على سلطة الملك لويس فيليب خلافا لمنشأه الأرستقراطي. وقد تقلد في حكومة الثورة مناصب سياسية حساسة، لكنه سرعان ما انسحب من هموم السياسة ومشاغلها، ليعتزل صخب الثورة والثوار، ويتفرغ للكتابة في مختلف الفنون الأدبية. لم يواجه لامارتين السلطة السياسية بالشدة والحزم اللذين واجه بهما هيغو النظام. فقد كان ارستقراطيا رقيقا وواسع الثراء، كما كان وديعا رحيما لينا ورؤوفا. أوقعه العمل السياسي في ديون ثقيلة، فتقبل عام 1867 مرغما(؟) هبة حكومية، كانت سببا في اتهامه بالتواطؤ مع نظام نابليون الثالث.

حط الكاتب الرومانسي رحاله في بيروت، مع زوجته الأنكليزية وابنته الصغيرة. وذكر في كتابه ان الفاتح الروماني أغسطس (سبقه) وأطلق على المدينة اسم ابنته جوليا فيلكس (المستعمرة السعيدة). لا شك أن ما ذكره شيئ من تاريخ العاصمة اللبنانية، لكن أقدم أثر ظهر فيه الإسم الحالي، يعود لرسائل تل العمارنة من محتويات المتحف البريطاني، وهي ألواح مشوية من الآجر المصري كتبت باللغة الدينية القديمة (الهيروغليفية)، وورد فيها الإسم بصيغة بيروتا التي تعني الصنوبرة. ومن جوليا السعيدة أو بيروتا المصرية التي أقام في ربوعها، زار الشاعر أغلب حواضر الشام، وقال عن دمشق: إنها ــ من تركات الأزمنة الأولى ــ قيلولةٌ طبيعية للإنسانية التائهة. ووصف بكثير من الدقة واللمعان بيوتها الفقيرة المبنية بالطين واللَّبِنِ، وكان مندهشا من غنى الداخل وأناقة البحيرات الرخامية في أفنية يعشش فيها السنونو، وتقصدها الحمائم من كل صوب لتشرب وترتاح على جنباتها الظليلة.

ومن شواهد الرحلة اللبنانية، مروره بطريق الشام. وهو على ما يقول الجزء الأكثر حيوية من طريق الحرير الذي كانت تمر عليه قوافل الزمن القديم. استضافه في حمانا المقدمون الدروز في قصر عرف لاحقا باسمه (قصر لامارتين) ويقطنه حاليا أحفاد من آل مزهر. وفي كانون الأول من عام 1832 توفيت ابنته جوليا وهي في العاشرة من عمرها، وكانت قد أصيبت في فرنسا بذات الرئة. وسميت تيمنا بمحبوبته القديمة جوليا شارل. حنط لامارتين جثمان ابنته، ودفنها مؤقتا تحت شجرة خرنوب وارفة الظلال. ثم نقل رفاتها الى فرنسا في منتصف شهر اكتوبر من عام 1833 وواراها ثرى الكنيسة الصغيرة لقصر Château de Saint-Point الذي حوى رفات الأم الغالية، فالحب والحزن والرحمة والرأفة والألم واللين من مزايا الرومانسية أو من مزايا القلوب الرقيقة. وعلى صفحات كتابه “رحلة في الشرق” نشر قصيدته الذائعة الصيت “موت جوليا” وهي قصيدة فيها فيض من الأحاسيس، وفيها من مرارة الفِراق ما يوجع القلب ويدميه، ويجعلها مرثية خالدة وفريدة بين روائع الأدب الرومانسي فهي مأساة مفعمة بالأسى حقيقية موجعة محزنة وصادقة.

كانت دمعة في رحيلي وقُبلة في عودتي
وعيدا دائما في بيتي
كانت شعاعا من الشمس على نافذتي
وعصفورا غردا يشرب من فمي
ولحنا موسيقيا يتصاعد في الليل قرب مرقدي
جوليا… جوليا من أين يأتي هذا الشحوب؟
تكلمي ابتسمي وافتحي عينيك لأقرأ فيهما
غير أن زرقة الموت كانت تزنر شفتها الوردية
وكانت الإبتسامة تموت عليها حالما تولد
وأنفاسها العطرة تزداد سرعة كخفقان جناح
وعندما حمل روحَها آخرُ نفس
مات قلبي في صدري ميتة باردة

كان لامارتين في هذه القصيدة كما يكون الرومانسيون الكبار أو كما رآهم Charles Baudelaire: “كائنات منعزلة تقتلهم أحزان عميقة وتباريح من القلق والكآبة” فيهم من السوداوية أكثر مما تحمله الكلمة الأنكليزية Spleen من معاني القلق الوجودي. لم يكن الرومانسي الفرنسي بَرِماً بوحدته، ولا مغرورا بثمارها، التي جعلته واسع الحضور شديد التأثر بالأساطير اليونانية (Ovide). ففي تقديمه لقصيدة “أدونيس” التي كتبها لِوزير الخزانة Nicolas Fouquet قال: “مولاي اعترف بأنني لا أملك من الغرور ما يجعلني آمل بأن تنال ثمرةُ وحدتي إعجابَكم. “وكانت الثمرة اليانعة لوحة من غراميات فينوس التي قتلتِ الصياد الوسيم قبل ان يقتله الخنزير البري. بكتْه الإلهة دموعا حارة وغزيرة، حولّها لامارتين شعرا رقيقا وصافيا، أكثر صفاء من دموعها وأكثر دفئا من حرارة خصوبتها. كانت كلماته تحاكي شاعرية “البحيرة” التي أصبحت علامة فارقة في الأدب الرومانسي. فعلى ضفاف بحيرة بورجيه حاولت مريضة أن تضع حدا لحياتها. أنقذها لامارتين في اللحظة المناسبة فتعلقت بمنقذها. تحابا ثم افترقا على أمل اللقاء في مدينة الألب الفرنسية
Aix – les bains . ماتت جوليا شارل قبل أن يلتقيا مرة ثانية، فرثاها بقصيدة قطفت من الشهرة العالمية ما لم تقطفه كل الكتابات الرومانسية. وهي اكثر النصوص إغراء للترجمة، كُتبتْ عام 1820 ويعود لها فضل تذوقنا للأدب الرومانسي ونحن على مقاعد الدراسة. ترجم الطبيب اللبناني نقولا فياض عضوُ مجمع اللغة العربية في دمشق هذه القصيدة بمطلعها الوجودي الساحر والجميل:

أهكذا أبدا تمضي أمانينا
نطوي الحياة وليل الموت يطوينا
تجري بنا سفن الأعمار ماخرة
بحر الوجود ولا نُلقي مراسينا
بحيرةَ الحب حيّاك الحيا فلَكَمْ
كانت مياهك بالنجوى تُحَيينا

وتقول ترجمة أخرى للدكتور بهجت عباس :

وهكذا في عُباب البحر قد مخرت
بنا السفينة نأيا عن مراسيها
في ظُلمة طوقتنا غيرِ زائلة
فلا صباح يرجّى من حواشيها

في عام 1868 دخل لامارتين في بُحران عميق. والبُحران لغةً عند ابن منظور: تسميةُ الأطباء لتغيّر يدفع العليل نحو وضع حرج وحاد. والراجح أنه الكوما أو النوم العميق، عاش لامارتين قليلا بعد بُحرانه إلى أن أتاه الموت بطيئا على سرير من خشب الورد، والموت البطيء على قول صريع الغواني: مستعجلا يأتي على مهل.

(2 ) لا مجد في أن يكون المرء فرنسيا

لم تخلُ كتابات لامارتين من الذاتية المسرفة، كما لم تخل من دوافع التبشير، فقد كان يعتبر نفسه نموذجا للمؤمن المسيحي. فشكّل إستشراقُه وجها بشعا للرومانسية الفرنسية، طبع إنشاءها بمفردات متعالية تخفي وراءها إحساسا بالعنصرية والغلبة. كما طبعها برؤيا شوفينية مغالية، تتعامل مع الشرق بصفته جغرافيا شائعة “وحقيقة خاملة من حقائق الطبيعة”. الإنشاء مرآة عاكسة للداخل الذي تُرى من خلاله الأشياء، تعوزه الحصافة في كتابة لامارتين، لِما فيه من وطنية مفرطة وممارسة صريحة للطغيان. ولِما يترك أحيانا بين سطوره من تأثير سلبي على مواقع الفكر. خاصة عندما يكون الإنشاء مشحونا بالدلالات السياسية. من هنا اعتبُرت أعمال Michel Foucault مدرسة إنسانية جديدة في كتابة التاريخ، فدراسة الإنشاء تؤسس لما سماه الناقد السوري كمال ديب “علما جديدا للآثار يتناول المعارف الإنسانية ويعيد رجّ الثقافة الغربية وتفكيك آلية السيطرة فيها. “لقد كان لامارتين ــ على رومانسيته ــ ممثلا للثقافة الأوروبية، كشافا ومرشدا استعماريا ينتظر تفسخ السلطنة العثمانية، ليبني على أنقاض الشرق المجزأ والمتهالك مجدا امبراطوريا لفرنسا، يستكمل به رؤية Chateaubriand في “رسالته المسيحية لإحياء عالم ميت”. فقال متفائلا بوضع اليد على كنوز الشرق السائبة: في حال سقوط هذه الإمبراطورية، إما لثورة في القسطنطينية وإما نتيجة للتفكك المستمر العابث فيها، فإن كلا من القوى الأوروبية ستأخذ جزءا من أراضيها… تبعا للجوار والتقارب في الديانة والمصالح والعادات… وهو ما يزيد القوى الغربية نفوذا وثباتا. إن احتلال جزء من الأراضي أو السواحل لتأسيس مدن وجاليات أجنبية… يعتبر حقا فرنسيا ونمطا من سيادة أوروبا… ( رحلة في الشرق). فعندما تغيب فرنسا عن هذه الجغرافيا لتملأها قوى أخرى، “ستكون تجارتنا ومستقبلنا في آسيا وحركة سفننا في الموانىء الجنوبية قد بلغت نهايتها، وسيذهب واحد من أكبر ثرواتنا القومية ثراء وثمارا. “(1880 Gabriel Charmes) وفي الوقت الذي دافع فيه لامارتين عن امبريالية فرنسا، عن مجدها الآتي وحقها في السيادة على أراضي الدول وسواحل البحار، كتب Jean Giono بعده بمئة عام يقول وكان قد فقد المزيد من أصدقائه في الحروب الإستعمارية: “لا مجد في أن يكون المرء فرنسيا. هناك مجد واحد فقط: في كونه حيا. لو أن المسألة تتعلق بالدفاع عن الأنهار والتلال والجبال والسموات والرياح والأمطار، لقلت: سمعا وطاعة هذا عملنا هيا بنا نحارب، إن سعادتنا في الحياة تكمن هناك. كلا ! لقد دافعنا في هذه الحروب عن السمعة الزائفة. عندما أرى نهرا، أقول هذا نهر. وعندما أرى شجرة، أقول هذه شجرة. ولا أقول أبدا هذه فرنسا. هذا مُسَمّى لا وجود له”. فهل يستحق هذا الكاتب الغارق في الحب والإنسانية، وفي مناهضة الحرب وحمل السلاح أن نطلق اسمَه جون جيونو على وادي المتن الهادىء والجميل بدلا من اسمه الحالي “وادي لامارتين”.

منح السلطان عبد الحميد الشاعرَ في رحلته الثانية الى الشرق، مساحة واسعة من الأراضي قرب أزمير. فالحاج الفرنسي مفعم النفس بالتملك، يراوده إحساس حاد بالضياع في هذا الشرق الواسع، فقد جاء الى مكان لم يكن فيه لفرنسا أي حضور سيادي. وكان البحر المتوسط يُرجّع صدى الهزائم الفرنسية من الحروب الصليبية الى هزائم نابليون (الإستشراق) . فتقاطر الحجاج الى الشرق لتغذية الحروب القادمة على الأرض والتي يتصارع فيها “مذهب إسلامي… محبذ للجهل والطغيان مع مذهب تعبدي يوقظ في البشر المعاصرين عبقرية الزمن الغابر والحكيم” (Chateaubriand)

لم أقرأ مقالا أو كتابا حول حجّاج الشرق بسعة “الإستشراق” وشموله، فهو تاريخ جديد للمعرفة الإنسانية. تاريخ متفرد وثري بالأفكار الوازنة، وهي أفكارٌ مشاعٌ تثير فضول الباحث المتزن ويأخذ منها المرء لِجِدَّتها ونزاهتها بغير حساب أو رقيب. عملا بما سنّه ألبرتو مانغويل من قوانين الجني والصيد في مملكة الكتابة. فالإستشراق المريب بدأ بالتكوّن قريبا من بداية الإسلام، واستمر مترافقا مع الحروب الصليبية التي نظّمتها الكنيسة لتنصير الشرق. وهو ما سُمّي بالإستشراق اللاهوتي، الذي بدأ على ما يذكره أدوار سعيد عام 1312 بعد قرار مجمع فيينا الكنسي القاضي بإنشاء عدد من كراسي الإستاذية (منها اثنان للغة العربية) في باريس واكسفورد وبولونيا وأفينيون في جنوب شرق فرنسا، المدينة التي أنجبت مزيدا من البابوات. فالجامعات وكراسي الإستاذية أمكنة تتكون فيها العقول، وتختمر في قاعاتها الحروب الدينية الطويلة. لذا طُرِدَ خليفةُ نيوتن من كرسيه في جامعة كمبريدج لعدم انخراطه في حملة الكراهية أوالمشاركة في صوغ عقولها. أمّا الظروف التي ساهمت في تكوّن القرار الكنسي، فكان يكفي منها عامل أو اثنان، ليأخذ الصراع طابعه الديني أو السياسي: فتح الأندلس وسقوط القسطنطينية.

يقول Claude Levi Strauss شيخ البنيويين في صناعة العقول: “إن العقل يتطلب التنظيم، والتنظيم يتحقق بالتمييز وبملاحظة كل شيء. ويوضع ما يعيه العقل (على الرف)، في مكان آمن يمكن العثور عليه من جديد كلما دعت الحاجة”. ولا مكان أكثر أمانا لوعي العقل وصناعته من المدارس والجامعات.

بعد عام 1798 (الحملة الفرنسية) بدأت الدراسات الإستشراقية “مرحلة التماس مع المكوّن الشرقي. دخل المستشرقون الى جامعاته، تناولوا مخطوطاته، درسوا كل ما وقعت عليه أياديهم من ذخائر المنطقة، وحاضروا في العلوم الإنسانية وفي آداب اللغة وفقهها وتاريخها. وإن نسيت منهم الذاكرة أحدا فلن تنسى Casanova, Thomas Arnold, Schacht, Massignon… علماء تركوا أثرا في كل علم، وتكاثرت بعدهم دراسات ينظر اليها الباحث المتخصص اليوم بعين العقل. كما ينظر الى بعضها بعين الريبة خاصة ما خدم منها أهدافا جاسوسية رخيصة (Léon Roches ــ مفتي الجزائر) أو عمل في مشاريع استعمارية ذات منحى سياسي اقتصادي أو ديني.

المستشرقون كشافة الإستعمار الغربي ومسّاحوه، فقد اعتمد نابليون في حملته المصرية على المستشرقين الفرنسيين ليُحكم قبضته على مصر، وينظّم علاقاته مع السكان المحليين. فدعا ــ بناء لنصائحهم ــ علماءَ الأزهر الى مجلسه، أبدى إعجابه بالنبي وبالقرآن، وأخبرهم أن من بين آياته ما يتحدث عنه كفاتح لا يُغلب. وتلك آيات سرعان ما يُنطِقها الفقهاء من كتاب الله الصامت. ثم أعطى نائبه الجنرال Kléber تعليمات في إدارة مصر تسترشد بالمستشرقين ورجال الدين المسلمين (قُتِلَ الجنرالُ بطعنة في القلب، سددها اليه الطالب السوري سليمان الحلبي وذلك لفظاظته في تدمير الأحياء السكنية بعد ثورة القاهرة). “وإذا كان نابليون على قول سعيد أولَ فاتح حديث للشرق فإنه أيضا أولُ مفجّر للنصوص الجديدة التي رافقت الفتح من كتاب “المرحلة” لشاتوبريون الى كتاب لامارتين “رحلة في الشرق”.

وأردف قائلا: إن المعرفة لا سيما المتخصص منها، تنمو بشكل وئيد. ونموها ليس تراكما، ولكنه فعل انتقاء من التكديس والإزاحة والحذف وإعادة الترتيب. لقد تمت رحلة Gérard de Nerval الى الشرق عبر رحلة لامارتين، ورحلة الأخير كانت عبر شاتوبريون، لكن بوقائع تثير اهتمام القارىء المعاصر. فكان لامارتين كما وصفه: حزمة من النوازع والتقاطعات والأهواء. فهو يكره الرومان والقرطاجيين، ويحب اليهود والمصريين والهندوس الذين ادعى أنه سيصبح دانتيّهم. ونعت الشرق بأرض المعجزات، فكل شيء يزدهر فيه، وكل رجل ساذج أو متعصب مرشح بدوره ليصبح نبيا. لقد حرّكت ستانهوب “أميرةُ تدمر” في رأس لامارتين خيالا متطرفا وجنونا راكدا يوازيان رحيب صدرها الواسع، وفعلت فيه فعل سيرس إلهة الزراعة، أو عشتار التي علّمت البدو زراعة القمح. (يعود أصل التسمية في السريانية أو العربية القديمة الى زرعتْ، التي فقدت حرف العين لتصبح زرت أو سيرس).

تجوّل لامارتين في الملعب الشرقي لخياله الجامح. سمع أو شاهد في لبنان آيات الكتاب المقدس وأشعارَه منقوشة على صخوره وبياض ثلجه. او على الأرزة التي ضربتها الصاعقة، والتي لم يصل اليها أبدا. فقد كان الثلج حارسا يقظا. لذا طلب الشاعرُ من رجل دين لبناني أن يترك له على خشب الأرز أثرا يحفظ ذكره، مثلما أرسل شاتوبريون مصريا لينقش اسمه على حجارة الأهرام، دون أن يكابد نفسه عناء النقش وشدة السفر. فمن خلال الحفر في الزمن القديم، وهو من شروط الحج أوالورع، ومن خلال الغرق في قدسية التوراة، عبرت جميع رحلات الحج. حتى إذا بلغ لامارتين سهول كنعان، تراءى له صلاح الدين، وتناهت الى أسماعه صيحات الحرب المقيتة يطلقها الملوك والبابوات، “فتحولت رحلته الى صلاة أشعلت ذاكرته وروحه وقلبه أكثر مما شغلت عقله وعينيه”. (الإستشراق). الصلاة في سهول كنعان كطائر الفينيق تَبْعث من رماد الذاكرة الصليبية نزوعا أو تميمةً تجدد رغبة الإندفاع في حملات جديدة، فالصلاة أو الدين على قول شاتوبريون نوع من اللغة الكونية، يحكيها ويفهمها من البشر “جميع الحالمين بالصراعات الدينية دفاعا عن إله الخير. وقد كان على حق!” ففي الشمس اللاهبة وتحت شجر التين العاقر، “وفي مواخير المومسات الشرقيات حيث تقلّب Flaubert في أحضانهن، وحرّكت غرائزَه في سرير كوْشك هانم “رائحةُ البق المثيرة للغثيان، ممزوجة بعطر جلدها الذي يتقطر منه الصندل”. في هذه وهذا وفي كل ذاك وجد المستشرقون مساربهم الوجوديةَ والجنسية والدينية، كما رأوا سيادةَ دولهم أطماعَها ومصالحَها رأوها جميعا مصورةً منذ الأزل في آياتٍ بينات من كتابهم المقدس.