إستعادة محمود درويش :
اهداء:( الى صغيري غسان :” فاحمل بلادك انى ذهبت وكن نرجسيا ان لزم الامر”).
زحف المشرط لشق الاخدود / الوشم على جسد ينبض شعرا…واعترف لي قائلا ” استعصى علي تمزيق نسيج متخن بالقوافي،
و جلد مدهون بالتفاعيل.وحين عبرت متسللا،وصلت الى عضلة القلب و هناك شمخ في وجهي جبل الكرمل وهفت علي ريح زيتون ، وكان البطين يحمل بقايا مخيم تعرقل تدفق الحلم؟رايت الام وقهوتها…وشممت روائح خبز ساخن ..وتضاريس قرية قرب جدول عطشان؟توقفت يد الطبيب اذ ابتلعته الحيرة ،وتخيلته يدمدم(مستحيل…مستحيل..كيف اواجه كل هذا؟).لكنه عاد ليتابع مهمته تحت ضغط صوت هاتف” عليك ان تنقذ قلب الشاعر ؟”.
قلت للقلب :” ما همك؟ لماذ انت هكذا؟” .
-اوراق زيتون وليمون وشموع تحترق في الخيام ووجه قريتي الذي مسخ وصوت سكانها الذي هجرهم هل ازيدك؟

  • هذه ليست اسبابا عملية لمرضك…
    –عشرون عاما و قضية .. اربعون عاما ونصف قضية …خمسون …ستون عاما وانت تعرف ما في القضية؟؟؟
    هل تصلح الهجرة ان تكون سببا لمرضي ؟هجرت بعيدا عن رائحة الارض ولون البرتقال الحزين ،حاصرتني حقائب السفروعيون المتلصصين وقناصو الاشعار ..عشرون سنة وعشرات المخيمات ..اربعون عاما مخيمات و منافي تفرخ في كل البقاع . ثم صندوق ثقاب لكل رفات هذا الشعب الشهيد…. كان القلب يخفق بدون انتظام و كانه طفل صغير انحبست في صدره سحابة بكاء…فتبدومقاهي بيروت و شوارعها و سحنات فرحة ،سرعانما تنسف الشوارع و تهدم المقاهي وتصفر السحنات…خيبتنا الاخيرة …وريتا تلاعب بقايا حلم في زاوية من زوايا القلب المتعب ، وبورتريه المنافي يبدا بلحظة الطرد ،ليتخذ شكله من حرارة القاهرة و برودة باريس ، مرورا بكل المدن الاخرى ….كيف يسع قلبك كل هذه الاماكن ؟؟؟ حدائق الكلمة ، رياض التشابيه ، انهار الاستعارة ، سحب الطباق …وطيف فلسطين مادتك الخام…ورغم تهالك السياسي تظل الكلمة حاملة لسؤال الغد..غير اسفة على تخاذل الامس….قلب بحجم :
    طاء ،هي شمعة محاصرة براس ميدوسا المسدس المسكون بكل الزوابع..تنبت كلماته حشائش متسللة تخنق الثعبان.
    الفاء: تقول قصيدة “طباق” ( عن ادوارد سعيد) الرثاء – كغرض تقليدي – بطريقتها الخاصة ، فدرويش لا يمتدح مناقب ادوارد فقط بل انه يفعل اكثر من هذا ، انه يعمم التجربة الفردية ( للذات والمرثي ) فيعطيها بعدها الرمزي الكافي ، وفي تعميمها رغبة في جعلها قناعا للتجربة النضالية الفلسطينية ( كفكرة كسرتها هشاشة بعض اصحابها ). يجعل من التجربة الفكرية و النضالية لصديقه سعيد ، دريعة لقول ذاته ، ومن هنا يحدث التماهي بين الوجودين ( الشاعر / صديقه المرثي). ويتحقق هذ التماهي – فنيا – بواسطة خلق حوار بين الصديقين ، يفوح عمقا. ويتميز برهافة و حس عاليين ، اذ تتسرب القصيدة من جراح الذات الفلسطينية الجمعية، عبر الذات المتطابقة ( الشاعر / صديقه ) ، وتتشكل تضاريسها من احلام و انكسارات الذاتين المتطابقتين ، فيحفر الحنين جراح الماساة المدماة ( اما انا فحنيني صراع على/ حاضر يمسك الغد من خصيتيه …)، فتتولد شعرية عنيفة هي شعرية الالم..
    اللام : تشكل كل من الذات الشاعرة وصديقه ، المتطابقتين من حيث الحلم و المعاناة ، القطب الاول لثنائية ضدية ( طباقية)، ويعتبر الغريب – الاخر/ سارق حلم الطفولة/الجلاد) قطبها الثاني ، وبين القطبين تتشكل منطقة من التوتر، ترسمها اشكال الالم و المعاناة، كما يرسمها تسرب الاحلام( المرض/ المنفى/ضياع مكان الطفولة/الهوية..)، اذ ينتهي هذاالصراع بموت صديق الشاعر، وهو يشاهد حرب سدوم الجديدة على بابل، في احالة على الحرب الامريكية ضد الشعب العراقي…وهو موت ملحمي لا يرسم الانكسار ( نسر يودع قمته عاليا/ عاليا/ فالاقامة فوق الالمب/ وفوق القمم/ تثير السام) بقدر ما تراه مشدودا الى افق اكثر رحابة ، يتجاوزثنائية الحياة/الموت (اقول الحياة التي لا تعرف الا/ بضد هو الموت..ليست حياة ). ويرسم افقا اخر للوجود المتعالي عن الماساة التي يتحكم فيها ” ضبع الحقيقة” ( يقول سنحيا ولو تركتناالحياة/ الى شاننا لنكن سادة الكلمات التي سوف تجعل قراءها خالدين…). انه افق يتجاوز الممكن ( وقال اذا مت قبلك/ اوصيك بالمستحيل…/ على بعد جيل…).
    السين : لماذا وظف الشاعر الحداثي تقنية شعرية في حكم التقليدية؟ هذا سؤال قد يتبادر الى ذهن قارئ هذه القصيدة التي تعنون نفسها ” طباق- عن ادوارد سعيد” فاللفظة الاولى تحيل على اسلوب بلاغي قعدت له البلاغة العربية القديمة( مثل ابو تمام اهم نماذجه). اما العبارة الموضوعة بين قوسين في اصل القصيدة فتحيل على اسم المفكر و الباحث الفلسطيني الذي كان مقيما في الولايات المتحدة الامريكية، والحامل لجنسيتها، والذي توفي مطلع القرن الجديد ،فرثاه درويش، والرثاء كما هو معروف في ادبياتنا غرض شعري قديم ، يقوم على ” مدح الميت” من خلال استحضار مناقبه و منجزاته، فهل لجوء درويش للرثاء و الطباق له دلالات خاصة ؟ ان تعبير الشاعر يساهم في ترهين الوقائع والمواقف ويمنح الميت/ الفقيد المرثي ،البعيد في الواقع ،امكانية التواجد المباشر من خلال كلامه وممارسته للتلفظ ( التعبيرية)، وهذا يفترض الانتماء لزمن الحاضر بعيدا عن زمن الماضي ( زمن مناقب الميت).
    الياء : بملاحظتنا للبعدين النضالي والجمالي في رؤية الشاعر العربي محمود درويش نستنتج وكانه في قصيدته ” طباق” يحاول ان يبلغنا ببيانين تحملهما الينا الوظيفة التوجيهية في الخطاب، هما :
    ا/البيان النضالي.
    ب/ البيان الشعري الجمالي .
    اما بيانه النضالي فما هو سوى نسخة منقحة ومزيدة عن سفر التزامه بالقضية الفلسطينية ، لا كقضية وطنية و قومية فقط ، ولكن كقضية انسانية كونية عادلة ،تجسد بعمق ابشع انموذج للظلم الذي يلحق الشعوب ضحية غطرسة العدوان الاستيطاني وبطشه…ولان درويش يحاول دوما ان يتخلص من صورة ” شاعر القضية” بمعناها الميكانيكي، فانه يسعىالى ان يكون شاعرا قبل ان يكون مناضلا ( فليس الجمال الا حضور الحقيقي في الشكل)كما يقول ولذالك فانه اثت فضاء القصيدة بمواقف نضالية، ترسم ملامح المناضل العضوي ، سواء من خلال صورته الذاتية او صورة صديقه ، واهمها ( يكتب تعليقه المتوتر ، يلعن مستشرقا يرشد الجينرال الى نقطة الضعف/ في قلب شرقية – لكنني انتمي لسؤال الضحية / فاحمل بلادك انى ذهبت وكن/ نرجسيا اذا لزم الامر – ادافع عن فكرة كسرتها هشاشة / اصحابها / وادافع عن بلد خطفته الاساطير/ممارسة الحنين والتعلق بالماضي انطلاقا من الحاضر / دم ودم ودم في بلادك / دم في النهار ، دم في الظلام / دم في الكلام . واصرخ لتسمع نفسك / واصرخ لتعلم انك مازلت حيا و حيا …).
    واما بيانه الشعري الجمالي فهو محاولة تاكيد لاطروحة التجديد و التنويع المستمرين في تجربته الشعرية ، مع استثمار اكبر قدر من الامكانيات اللغوية و التراثية، واشكال التعبير الحديثة، لذلك فانه اسس بيانه هذا – غير المعلن- على النقط التالية :
    1- امكانية انفتاح الشعر على النثر السردي.
    2- امكانية توظيف الحوارية و تعدد الاصوات.
    3- اعتبار الشعر وسيلة لمواجهة الكارثة( ان كان صديقه لا يستطيع مواجهة الخسارة فان القصيدة تستطيع ان تستضيف الخسارة على حد قول النص ).
    4- الكلمة تؤسس الخلود للقراء .
    5- القصيدة هبة عزاء .
    6- ليس الجمالي سوى حضور للحقيقي في الشكل .
    7- الجمالي حرية .
    ولعل هذا النوع من تشفير لغة القصيدة لتحميلها عدة خطابات الى القارئ، يرسخ سعي درويش الحقيقي الى ان يكون شاعرا اولا، ومنحازا للشعر دائما ، اما السياسة فيهددها ” ضبع الحقيقة” حسب القصيدة .
    النون : تبدو الصداقة ، كعلاقة انسانية نبيلة ، في ابهى صورها داخل النص/ القصيدة ، انها موضوع لحكاية القصيدة ، ومن هنا يتسرب السرد الى القصيدة او تنفتح هي عليه في اطار تعالق جدلي بينهما . فاين تتجلى الخصائص السردية داخل هذا النص الشعري الحداثي ؟
    يستهل النص بذكر للمكان و الزمان ( نيويورك/ نوفبر) كاحداثيتين اساسيتين لقيام كل سرد حكائي، وتنبني لعبة السرد على جملة من عناصر الحكي اهمها السارد و الشخصيات و بعض القوى الاخرى ، بالاضافة الى لغة تمزج بين تقنيات الوصف والسرد والحوار … تتمركز الحكاية داخل القصيدة حول سارد متكلم و مشارك في الوقائع السردية ( التواجد بنيويورك – زيارة صديقه – التحاور معه ..) وهي تقنية سردية معروفة في القصة والرواية الحديثتين ( الرؤية مع ) ، وتعتبر الاكثر مناسبة للغة الحوار الموظفة بغزارة في القصيدة . وهذا الاختيار الفني يستتبعه اخر مطابق له هو منح مساحة واسعة من الحرية للشخصية الاساسية في الحكاية للتكلم ،بحيث ان تلفظات ادوارد تكتسح مساحة النص ( ممارسة لعبة الجواب/ التعبير) ، في مقابل تلفظات الشاعر التي تساير سابقتها ( ممارسة لعبة السؤال ). ومن خلال هذا التقابل تترسخ مكانة الشاعر و صديقه كاهم شخصيتين داخل القصيدة، مع وجود شخصيات اخرى اقل اهمية .
    والى جانب ذلك لابد من الاشارة الى وجود قوى غير بشرية اهمها الموت ، الشعر ،الكتابة ، الالم والحلم ، وهي كلها تمارس حضورها القوي داخل نسيج حكاية الصداقة بين الشاعر و صديقه ، فلولا الموت لما ولدت الحكاية ، ولولا الالم و الحلم لما خلق الشعر و الكتابة … وكل هذا له علاقة بالشخصيتين المحوريتين ( محمود/ سعيد).
    اما الاماكن فانها كثير ودالة ويمكن اختزالها في قطبين :
    *الشرق( الوطن- مكان الحلم والهوية و الالم/ البيت ..)
  • الغرب ( نيويورك/ امريكا).
    مع كثافة الاماكن الدالة على القطب الاول كمؤشر على الانحياز الضمني لمكان القضية و مكان الهوية، انه مؤشر يشي بالبيان النضالي للشاعر، مع الاشارة الى توظيف اماكن رمزية مثل سدوم و بابل و الالمب ، للاحالة على وضعية حالية ، ونشير-ايضا – الى طبيعة الاحداث في القصيدة ، انها قصيدة حكائية تختار احداثا بطابع تجريدي و ذهني لا حركي ، بحيث ان فضاء الذات السيكولوجي يعج بالوان من التحولات و الوقائع الذهنية …قلق الذات بصددالهوية ، قلق الذات بصددالكتابة ، حفر الحنين في جراح الغياب ، الحوار الحضاري بين الصديقين….انها احداث لا يمكن ان نراها بقدر ما يمكن ان نستشعرها، نحسها و نتصورها ذهنيا …ان طبيعة الاحداث مناسبة لاشكال التصوير الفني التي تتيحها الكتابة الشعرية في هذه القصيدة.
    ارى ما اريد او على سبيل الختم : كانت هذه ملاحظات رايت من خلالها ما اريد في هذه القصيدة ، بعيدا عن الصرامة المنهجية ، معتمدا على عشقي في قراءة الابداع ، وهي قصيدة تحتاج للمزيد من الدراسة للكشف عن غناها الباذخ… وذلك افق اخر للعمل…..