قوثامي والأنبياء

يعتقد الكاتبُ “أن الكواكبَ والانبياءَ آلهةُ ورسلُ عمرانٍ زراعيٍ، لكنّ الارضَ هي الأصلُ وموضعُ التجربةِ. خَلَّفَ نوحٌ وراءَه كُتبَ الفلاحة وأخباراً عن “الأرُزّ والباقلى والسلقِ والبلوط ِوالبطيخِ…” وتركَ آدمُ كتباً وقصيدةً من ألفِ رقيقةٍ في الفلاحة وتصنيف الاراضي الزراعية. (ومن وحي قصائده الزراعية ووحي العقل المستقيل وليس المُقالَ ـ إذ لا إقالة في التعقل ـ يتداولُ بعضُ المسلمين قصائدَ له في رثاءِ ابنِه هابيلَ سمعتُها من أحد علماء المسلمين بمناسبة دينية).

يقول آدمُ: ـ وبالإذن من طه حسين ـ

تغيّرتِ البلادُ ومنْ عليها      فوجْهُ الأرضِ مُغبرٌ قبيحْ

تغيّرَ كلُّ ذي لونٍ وطعمٍ     وقلَّ بشاشةُ الوجهِ الصبيحْ

ويردُّ عليه إبليسُ على نفسِ الرويّ

تنحَّ عن الجنان وساكنيها        ففي الفردوسِ ضاقَ بك الفسيحْ

وكنتَ بها وزوجَكَ في رخاءٍ    وقلبك من أذى الدنيا مريحْ

ليس بين الآلهة من هو أكثر تأثيرا على العمران الزراعي من إله الشمس، به تسْعدُ الكائنات وتنمو. وليس بين الناس من هو أكثر سلبيةً من رجال الدين، يُلْقي عليهم قوثامي جامَ غضبِه، فالزُّهَاد والعُبّاد طائفةٌ غيرُ منتجةٍ يعيشون على موائد الغير و”يحبون التفرّدَ والتخلي، إنهم من أهل المعاصي الخارجين على طاعة الإله، وهم من سكانِ الزمهريرِ” (يعني جهنّم). وقد وردت الكلمة في سورة الإنسان {وجزاؤهم بما صبروا جنةً وحريرا متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمساً ولا زمهريرا}. كما وردت في شعر الأعشى (لم تر شمسا ولا زمهريرا)، وزَمْهَرتْ عيناه في اللغة: احمرّتا من الغضب. وفسّرها ابنُ منظور بشدّة البردِ الذي أعدّه اللهُ عذابا للكافرين. ومن الذين سبقوا قوثامي في التأليف، الكاتبُ بنيوشاد هرطوقيٌ من ذوي العقول الراجحة. لم يؤمنْ بنبوة آدمَ ولا بما أُنْزِلَ عليه من الوحي. اعتبرَه “رجُلا جيدَ الأستنباط، صحيحَ الحدسِ، وافرَ العقلِ، جيدَ الفكرِ، أخْبرَ عن هذه العلومِ والصنائعَ فزادوا في مدحِه لِمَا نفعَ الناسَ به، فسَمّاه أهلُ زمانه (أبونا). فأمّا أن يكونَ الإلهُ (القمرُ) أوحى اليه فلا”. أما  قوثامي فاعتبر آدم مُلهَمٌا فقط. (بلا حمولة دينيةٌ) والأرجحُ أنه لم يؤمنْ بنبوّة آدمَ بدليل إعلانه الصريح: أن لا بأسَ بالكذبة إذا كان فيها منافعُ للناس. أثارَ هذا العقلُ النقديُ الهرطوقيُ مزيدا من الغضب عند من يمسكون بالسلطة الدينية، ومزيدا من الخوف عند قوثامي فالعامةُ تقتلُ ولا تغفرُ الهرطقةَ، ومع ذلك خاطبَ أتباعَ آدمَ وشيتَ قائلا: “أرونا أيَّ موضع قالَ واحدٌ منهما إن هذا الكتابَ أوحاه القمرُ الي، فآدمُ وشيتُ مكذوبٌ عليهما طلبا للرئاسة والذكرِ واجتلابِ المنافعِ وشهوةِ الأمرِ والنهي”.

قوثامي والفلسفة

ما يدلُّ على ثقافة قوثامي وسعةِ اطلاعِه، ما كتبه عن الفلاسفةِ، وهم الباحثون في ميادين العلوم الدقيقة. فقد ميّز هذه الطائفة من العلماء، عندما أخذوا العلمَ بالرياضةِ لا بالوحي. هؤلاءِ ساواهم الناسُ بالأنبياء، وكانوا أفضلَ أو أقلَّ منهم قليلا. لقد رجَّحَ المؤلفُ نظامَ المعرفة الفلسفي على نظام المعرفة الديني،  فعندما يتحدّث الجميع عن الآفات والأمراض يطالعنا برأيه الحاسم: “ضربان من المتكلمين، فلاسفةٌ وأنبياءُ، فمن كان من الفلاسفة كان كلامُه ظاهراً بيناً واضحاً لا باطنَ فيه ولا تأويلَ على غير ما يُسْمَعُ. وأمّا كلامُ الانبياء فمخلوطٌ معانيهِ وبرهانُه بأشياءَ ومعانٍ سياسيةٍ. فإذا اختلطتِ السياسةُ بالبرهان كان له باطنٌ خلافُ الظاهرِ”. امّا كلامُ الفيلسوف فلا لبسَ فيه، هو على ظاهره ومعناه، منكشفٌ لسامعِه. إنه خطابٌ برهانيٌ يفسرُ الظاهرة ويتابعُ الأدلةَ اليقينية كما قال ابنُ رشد لتربط الفلسفةُ في ما بين الأدلة. خطابُ الأنبياء خطابٌ غائيٌ (فالدابةُ من ذواتِ السمومِ لا تلدغُ أحداً الا على ذنبٍ أتاه) بينما يرى الفلاسفةُ الأمورَ عائدةً الى الإتفاقاتِ الدائمةِ (القوانين) التي لاتتغيرُ في مجاريها.” ثم يتوقّفُ قوثامي عن التصريح و يدفعُه الخوفُ للتقية فيقول: “إن أمرَ الإتفاقاتِ ظريفٌ عجيبٌ، ولست أقْدرُ على البوح بما عندي في ذلك فالإمساكُ أولى”. ولو لم يمسكْ لقال: (الدينُ للعامة والعقلُ للخاصة). لقد انتصر نظام قوثامي المعرفي، فأثبت( وفي الكلمة مبالغةٌ) مركزيةَ الدماغِ، “وسفَّهَ مركزيةَ النفسِ التي قالَ بها فلاسفةٌ وأطباءُ أنكروا دورَ العقلِ، وزعموا أن النفسَ تَعْقِلُ بغيرِ آلة”.                                                  

قوثامي والهرطقة

يكتب جورج طرابيشي، وهو المرجعُ الوحيدُ الذي اعتمدتُ عليه ونقلتُ نصوصَه كاملة لتكتملَ فائدة المقال “لا يكفي أن نَصِفَ قوثامي بأنه كان هرطوقيا، فإن موقفه من الدين كان ذرائعياً أكثرَ منه إيمانياً، فقد كان يعي أنّ وظيفةَ الدين ليستْ دينيةً خالصة، بل هي وظيفةٌ إيديولوجية، أداةُ تحكّمٍ من الأعلى الى الأدنى”.

لذا يكشفُ الهرطوقيُ أسرارَ الوظيفة ويفضحُها معتبراً أن أسوأ الجهّال حالا علماءُ الدينِ، من أتباع آدمَ وشيتَ، هؤلاء يظنون أنهم حازوا العقلَ كلَّه وحصَّلوا العلمَ كلَّه. كما يعتقدون أن للطبيعة مقاصدَ غائية، ولا يدرون لجهلهم أن الصادرَ عنها قوانينٌ صارمةٌ وصماءُ.

القياس والتجربة

النظامُ المعرفيُ للعصور القديمة، نظامٌ قائمٌ على القياسِ، يرتاحُ فيه الفكرُ من عناء البحثِ ويخلُدُ للقيلولة. ذلك أن القياسَ، يُسَهّلُ إضفاءَ الطابع العرفاني على الظاهرة ويستبْعدُ الجدلَ، وقد اعتمدتْهُ المدارسُ الفقهيةُ لتغلقَ بابَ الرأي. أمّا التجريبُ فهو أولُ السؤال وأولُ البحثِ والسعيِ لا بل قلْ: أولُ النظام المعرفي المعاصر. كان قوثامي حاسما في خياره بين النظامين مالَ للتجربة، تقرّبَ منها واحتكم اليها. “إنني رجلٌ أقولُ بالتجربة فما صحَّحَتْه التجربةُ مشاهدةً صحَّحْتُه وما أبْطلتْه التجربة المستقيمة أبْطَلْتُه وأرى أن التجربة أصلٌ كبيرٌ من أصول العلوم النافعة”. لقد كان  قوثامي أبا المذهب التجريبي، فبعده بألفيتين وضعَ البريطاني بيكون Bacon أُسُسَ المذهبِ واغتصبَ أبوّته، حيثُ قالَ أنّ العقلَ يكفي وحدَه بلا وحيٍ للوصول الى الحقيقة. ويقومُ المذهبُ على الإستقراء الذي ينتقلُ من الوقائع المادية الى القوانين. وصحة التجربة عند قوثامي تقوم على التكرار، فلا يصحُ الشيءُ ولا يبطلُ في المرة الواحدة. التكرارُ يؤسسُ للمعرفة المستقيمة (العلمية) إذا أُجْريتِ التجربةُ في الشروط السليمة. أكتب هذا وفي ذاكرتي ـ من السبت الفائت ـ كلامٌ مازحٌ للدكتور شوقي يوسف عن “تكرار التجربة” دفاعاً عن جرة الرياضي التي كسرتْها “العينُ”. تُعزِّزُ التجريبية ايها الصديق الحكيمُ كما أسلفتَ، طموحَ العقل وتحُدُّ من نزعة القياس، إن قوثامي لا ريبَ رجلُ علمِ وتجربة، وليس رجلَ عرفانٍ فقد قال: “إن الحسَّ والإستدلالَ هما طريقا العلم بالأشياء”. حاز المؤلف إذاً كأس السَّبْقِِ نحو أبوة العلوم التجريبية وأتى بيكون Bacon متأخرا في نهاية القرن الثامن عشر. يقول جورج طرابيشي: “وأيا يكن من أمر فإن نزعةَ قوثامي التجريبية قد مكّنتْه من تجاوز سقف العقلانية المتاح لعصره. فقد رفضَ علمَ الغيب والتنجيمَ والسحرَ ومذهبَ الفعالية الإرادية للكواكب (الآلهة). وقال بتفسيرٍ طبيعيٍ لظاهرات الطبيعة وأرسى الأساسَ النظريَ لأول علمٍ تجريبي في التاريخ هو علمُ الفلاحة وصاغَ نظريةً في المعرفة أكثرَ تقدّما بما لا يقاسُ من نظرية أرسطو في العقلِ الفعّالِ التي أسَرتْ في شُرنقتِها النظام المعرفي للعصر الوسيط على امتداد أكثر من ألف سنة “ولا يزال العقلُ الشرقي الراهنُ  أسيرَ هذه النظرية أو متأثرا بها، فالعقلُ الفعّالُ ذو طبيعة إلهية، بفضله فقط تصبحُ المعرفة البشرية ممكنةً.

إن العقلَ هو ما تشكّله ثقافةُ العصر، وهما على علاقة جدلية، لذا تتغير معاييرُه. فالتصوراتُ ومفاهيمُ الأشياء التي يصنعُها العصرُ لأبنائه تكوِّنُ القاعدةَ التي يتشكّل عليها العقلُ اللاحقُ. والموروثُ القديمُ هو عقلُ العصور السالفة كلما أعملْنا به الرأيَ تحوّل الى تراث يبني عليه اللاحقون بناءهم. لقد كان جورج طرابيشي السوريُ وكاتبُ العصر الكبير، ناقدا وباحثا خبيرا وضع العقل في مكانه المستقيل طوعا فيُ الإسلام، (لا إكراه في الدين ولا خيار في التعقل) ووضع قوثامي في الموضع الذي هو فيه في الموروث القديم وفي عقلانية العصور الأولى، كما أعادَ للكتابِ السرياني المعرّب قيمتَه التاريخية بعيداً عن “هرمسية” لويس ماسينيون Louis Massignon وعلى النقيض من النزعة الهجائية التي مثلها الجابري.