في القرن الثالث قبل الميلاد عُقِدَ على العاصي اجتماعٌ تقاسمَ فيه العسكريون تَرِكةََ الفاتح الكبير، أسّسَ سلوقس الأول Seleukos على ما ورثه دولة معادية لروما، دُعيتْ بدولة السلوقيين وامتدت من تراقيا وسوريا حتى الهند شرقا ولعبت دورا مهما في تفاعل الحضارتين الشرقية والإغريقية ثم انهارت قريبا من الميلاد تحت ضغط الهجمات الرومانية، ما أحدثَ فراغاً أمنيا في المنطقة، ملأهُ النبطيون الذين تمكنوا بقيادة ملكهم الحارث الثالث من الإستيلاء على الشام عام 103 ق.م. أسَّسَ الحارثُ مملكة عربية، تجمعتْ قبائلُها في سيناء والأردن وشمالِ الجزيرة العربية، خاصة في المناطق الخصبة من بلاد الشام. وفي عام 106 م. أرسلَ الإمبراطورُ تراجان Trajan حملة عسكرية ضد المملكة، احتلت البتراءَ ـ الصخرةَ باللغة الرومانية ـ أو الرقيمَ بسورة الكهف {أم حسبتَ أنَّ أصحابَ الكهفِ والرقيمِ كانوا من آياتنا عجبا}. وانتشرتْ بعد احتلالها وتدميرها إماراتٌ تابعة للروم، بقيادة نبطية جديدة هي تنوخ، برز منها اللخميون حكامُ الحيرة والغساسنةُ حكامُ الأردن. عَبَدَ النبطيون اللات والعزّى وذا الشَّرى (الإلهَ المنيرَ) بحجره الأسود، وهو نفسُه الهُ  الشمسِ. استخرجوا النحاسَ، صكّوا النقودَ، واعتمدوا ميناءَ غزةَ ميناءً أساسيا لقربه من العاصمة.

بعد سقوط البتراء، هاجرَ نبطيّو الشام (الكنعانيون) مع لهجتهم الأرامية الى بلاد ما بين النهرين، حيثُ أبناءُ عمومتِهم نبطيّو بابلَ (الكسدانيون)، وأسّسوا دولة عاصمتُها الحَضْرُ. كان المزيجُ عربياً آرامياً فملوكُ الحضْرِ عربٌ يكتبون الآرامية، ولم تزلِ المنطقة ملأى بكتاباتٍ عربية بالخط النبطي. دُعيتْ المملكة الجديدة عَرَبَةَ، وبلغة الآراميين عربايا، كان الصَقْرُ شعارَها واشتهرَ من ملوكها جُذيمة الأبرش الذي اغتالتْه الزباءُ ملكة تدمر. في سواد العراق إذاً تشكّل هذا المزيجُ العربي الآرامي. “وربما نزحَ هؤلاء ـ بتقدير جورج طرابيشي ـ بعد سقوط مملكتهم الى الحجاز، وافتتحوا في مكة تحت إسم قريش فصلاً جديداً من تاريخهم ومن عبادتهم الإبراهيمية التي تمرْكزتْ حول الكعبة”. وكوثى من أسماء مكة ذُكرت مرتين في التوراة، وسُمّيت بالبابلية (كوتم)، كانت مركزا لعبادة الإله نرغال اله العالم السفلي، وقد ذكرتْه التوراة أيضا. وكوثى فوق ذلك مدينةُ ابراهيم الخليل، هاجرَ منها كما يهاجرُ أصحابُ الدياناتِ الجديدة، حاملاً معه لغة سريانية وقناعة دينية مختلفة. ويُروى أنه أضرمَ النارَ في البيت الذي تُجْمعُ فيه الأصنام، وأن أخا له قُتِلَ وهو يحاولُ إطفاءَ الحريق.

قال ابنُ منظور: النَّبَطُ هو الماءُ الذي يَنْبِطُ في قعر البئر، وجمعه أنباطُ، ومنه الفعلُ استنْبطَ، أي أخرجَ عِلْماً وخبراً ومالاً. والنَسَبُ اليه نَبَطِيٌ ويقول الأعرابي: نباطياً. كان النبطيون أصحابَ مِلكٍ وعَقارٍ وسكنٍ، بهم يُضربُ المثلُ في عمارة الأرَضين، (فتحوا الراء في الجمع ليدخلَ الكلمةَ ضربٌ من التكسير)، لذا قال عمر بن الخطاب، وهو المفتونُ بحياة البداوة التي تلائم العرب: لا تتشبّهوا بالنَبَطِ، أو لا تنبّطوا في المدائن. “وقال محمد بن سيرين: سمعتُ عبيدةَ يقول، سمعتُ عليا عليه السلام يقول: من كان سائلا عن نسبنا فإنّا نَبَطٌ من كوثى. واختلف الناسُ في قوله نبطٌ من كوثى، قالت طائفة أراد كوثى العراق وهي سُرّة السوادِ الذي وُلِدَ فيها ابراهيمُ عليه السلام، وقال آخرون أراد كوثى مكة، ولو أراد كوثى مكة لما قال نبطٌ. ونحو ذلك قال ابن عباس: نحن معاشرُ قريش، حيٌ من النبط من اهل كوثى”.

يكون النبطيُ قوثامي موضوعُ مقالتي إذاً، جَداً بعيدا من جدود الإمام علي. وثنيٌ آراميٌ عاشَ في بداية العصر الروماني عندما انهارَ حكمُ السلوقيين. كتبَ “الفلاحة النبطية”، وهو أقدمُ ما وصلَ الينا من موروثنا القديم. نقَلهُ من السريانية (لغةِ الكسدانيين) الى العربية إبنُ وحشيةَ حوالي عام 940 م. وهو أبو بكر أحمد بن علي بن المختار، كيميائيٌ وعالمُ لغةٍ. من أشهر كتبِه (الشوقُ المستهامُ في معرفة رموزِ الأقلام)، شرحَ وقارنَ فيه الأبجدية لأكثر من ثمانين لغةً قديمةً ومعاصرةً. والعلامةُ الفارقةُ في تاريخِه، اكتشافُه قبلَ شامليون، أنَّ الهيروغليفية رموزٌ صوتيةٌ. ابنُ وحشية نبطيٌ صوفيٌ من أبناء المدنِ، كان محباً للكتب ولمجالسِ المتكلمين والصوفيين، أملى الكتاب على أبي طالب الزيات. ويقول: أن الهدفَ من التعريب، نقلُ حضارة الكسدانيين الى الناس. “ليعلموا مقدارَ معرفة النبط ونعمَ الله عندهم في إدراك العلوم النافعة، واستنباطِ ما عجزَ عنه غيرُهم من الأمم”. كما يذكر ما أصابه من عناء البحث عن ضالّته، وما لجأ اليه من حيلة ومداراة ليصلَ اليها. “اجتهدتُ في طلب كتبهم قال: فوجدُتها عند قومٍ هم بقايا الكسدانيين، وعلى دينهم وسُنّتهم ولغتهم، ووصلتُ وأنا منهم ومن نسل بعضهم، الى ما أصبتُ من كتبهم، بالمال والدنانير التي مكّنني الله بها، فاستعملتُ المداراةَ والبذلَ ولطيفَ الحيلة، الى أن وصلتُ الى ما أمكنَ من كتبهم”.

هكذا خرجَ التراثُ النبطيُ بالبذل ولطيف الحيلة الى النور، وهو موسوعةٌ في علم الزراعةِ وكلِّ ما “يتصلُ بالتلقيح والتقليم والتسميد وهندسةِ المياه وإصلاحِ الأرضِ ودفعِ الآفاتِ…” وفي الكتاب الى جانب ذلك استطراداتٌ، حولَ الطقوسِ الوثنية وحكايا السحرِ والخرافات، تشكّلُ نسبةً ضئيلة من الموسوعة العلمية. والمعرّبُ ابنُ وحشية صوفيٌ اسلاميٌ من أصول نبطيةٍ على ما زعمَ. وكان النبطِيون بقايا أمة أنهكَها الصراعُ مع الفرس والروم ومع السريانية المتنصِّرة، جاء التعريبُ إذاً ليُنْقِذَ شيئا ثمينا وفريدا من حضارة منهكة دخلت المرحلة الأخيرةَ من الإندثار. كان ابنُ وحشية حريصا على تدوينها وتعريبها ليمنعَ عنها المُواتَ. وقوثامي مؤلفُ الكتاب، نبطيٌ من الأجداد الأوائل للإمام علي. أراميٌ وثنيٌ على شريعة آدمي (آدم) الداعيةِ لعبادة الكواكبِ، مخالفا لشريعة إيشيتا (شيت) التي تدعو لعبادة الأصنام. وقد زَعمَ بعضُ المستشرقين، أن في الكتاب مسحةً مسيحيةً ليطعنوا في سلامة الكتاب ويدَّعوا النِّحْلةَ فيه، أما المستشرقُ دافيد خولسون David Holson فقد أشارَ في بحثٍ له  نُشِرَ بالألمانية عام 1859 إلى أن الكتابَ يعودُ الى القرن الرابع عشر ق.م. واعتبره الفرنسي كاترمير Quatremere عام 1835 كتاباً يرجع للقرن السادس قبل الميلاد. لكن منهج الحفريات الذي اتّبعه جورج طرابيشي، أثبتَ بشكلٍ قاطعٍ وعلمي أن قوثامي عاشَ في النصف الثاني من القرن الثاني قبل الميلاد. ولم تكن المسيحيةُ قد وُلدتْ بعدُ. والعيدان اللذان سبَّبا هذا الإلتباسَ، عيدان وثنيان بامتياز. الأول هو عيدُ ميلادِ “الزمانِ” ليلةَ الرابعِ والعشرينَ أوالخامسِ والعشرينَ من كانون الأول، والثاني عيدُ رأس السنة البابلية، التي تبدأُ في الأول من نيسان، والطبيعي أن تكون المسيحيةُ هي التي استعارتْهما من الوثنية الأولى. كان قوثامي صاحبَ أرض زراعية في مدينة بابل، لها من العائداتِ، ما جعلَهُ ثريا متفرغاً للعلم والكتابة، خاصة في تلك الفترة التي تحرَّرتْ فيها الابجديةُ الأرامية من سلطة الكهن وقيودِ الكتبة، وأصبحتْ بمتناول اليد التي تريدُها للإستعمال الشخصي.

كتب قوثامي عن الكَرْم والنخلِ والزيتونِ … وعن الخصائص الغذائية لحوالي أربعماية نوعٍ من النبات. وكان رائدُه في الكتابة، الإغترافَ ممن سبقَه في هذا العلم لكن ليس على علل الكتابة أو الغرف، فلم يُسَلِّمْ بصحّة الكتبِ السابقة، طالبَ دوما بدلالة وبينة تُثْبِتا صحةَ الدَّعوى، حتى لو كان الذين سبقوه فلاسفةً أو أنبياءَ. ولو كان حاضراً في موسم تأْبيرِ النخلِ، بعد القرون الثمانية التي تفصُله عن الإسلام، لجادلَ النبي بما أثبتتْه التجربةُ، فما نقصَ عامَها النخلُ. فعن رافع بن خديج رضيَ الله عنه قال: قدِم نبيُ الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ وهم يأبُرون النخلَ فقال: ما تصنعون؟ قالوا كنَّا نصنَعُه، قال: لعلّكم لوْ لم تصنَعوا كان خيراً. فتَرَكوه فنَقَصَتْ. قال فذكروا ذلك فقال: إنما أنا بشرٌ إذا أمرتُكم بشيءٍ من دينِكم فخُذوا به، وإذا أمرتُكم بشيءٍ من رأيي، فإنما أنا بشرٌ. وفي حديث آخرَ قال: أنتم أعلمُ بدنياكم، ما أنا بصاحبِ زرعٍ ولا ثمرٍ، لقِّحوا. صدقَ رسولُ الله، وصدقَ قوثامي صاحبُ الزرعِ. إن سعيَه الدائمَ وراءَ الدلالةِ، جعَلهُ أقربَ الى علماء اليوم، منه الى علماء الوحيِ ذوي المنحى اللاهوتي. منحى علومٍ دينية لا تساورُها الشكوكُ.

أشار صاحبُ الزرع في معرض حديثِه عن تطعيم الأشجارِ، ذاتِ الثمار الدهنيةِ كالجوز واللوز والبندق والفستقِ… الى أنَّ بعضَها قد أفلحَ وجاءَ، وبعضَها أدّى الى خلاف ذلك خلافاً يلتبسُ معه اليقينُ. ولإيمانِه بالتّقدمِ المضْطردِ للعلوم قال: “ولعلَّ أنْ يحدُثَ في المستقبل قومٌ يدركون بعقولِهم واستنباطِهم أكثرَ مما أدرَكْنا، فيبلغون ما لم نَبْلُغْ”. ثم يشيرُ الى تلك العلاقة التراكُمية في سَيْرورةِ العلم، “هؤلاء كينابيعِ الماء التي يجتمعُ ماؤها لتشكّلَ النهرَ العظيمَ”.