الى زوجتي العزيزة هويدا

في الألف الثالث قبل الميلاد، قال مصريٌ كان يتهيأ لدخول القفص الذهبي: “لن أتفوّه بعدَ اليوم بكلمة تعارضُكِ، لن أقولَ أمام الناس إنك زوجةُ لي، بل سأقولُ إنني زوجٌ لك. منذ اليوم لن أعارضَ لك رأيا، ستكونين حرّة في غُدوِّك ورَواحِك دون ممانعة مني. كلُّ ممتلكاتِ بيتك لك وحدك، وكلُّ ما يأتيني أضعُه بين يديك”.

وقالت الزوجةُ في عهد البطالسة: “لو تركتُكَ لكُرهي لك أو لمحبّتي رجلا آخر، أتعهّدُ أن أدفعَ مكيالين من الفضّة وأردَّ لكَ هدايا الزواج”.

حرّيةُ المتعاقدين شرطٌ لازمٌ لصحّة العقود، لا تفارقُ الحرّيةُ صحيحَ العقود ولا تنفصلُ عنها، هدفٌ هي وشأنٌ لمن طمحَ وتمرّدَ وثارَ. وأنا لستُ طموحا، أو طموحٌ بغير اقتدار، ولا تزعجني كثيرا المساحاتُ الضيّقة للحرية، فقد ألفتُ الضيقَ، وغادرني من زمانٍ احتجاجٌ كان يصنعُه الأسرُ أو الغبنُ. أنا  من عشاق سيبيل وفي صحرائها، حيث يتساوى فوق رمالها الأسرُ وصبوةُ الانعتاق، وتجفُّ فوقها احتمالاتُ التمرّد والطموحِ. خضعتُ لسلطان مليكتي ولما قدّرتْ لي،  فاذا رضيتْ رضيتُ، وحمّلتُ نفسي من الطاعة أكثرَ مما تحملُ ولاءاتُ العبيد، “فما عاشقٌ من لا يذِلُّ ويخضعُ”، واذا غضبتْ، لجمتُ مشاعري وقلتُ لنفسي، ما هذا أوانَ الخصب، لا تُلقِ البذورَ بغير أوان. ورحتُ أتلمّسُ كلَّ حالة من حالات سيبيل، تلك التي تتناغمُ مع إيقاع الارض وموعدِ الزرع. في صور الحلول لم تكن ملاءتُها تغطّي كاملَ الجسد، بقيتْ مساحةٌ صغيرةٌ عاريةً تحت الضوء، لا يقرأُها ذكرٌ في عري الأنثى، كأسٌ مدوّرة سمّتها التوراةُ، تبدو فيها الحيواتُ الآتية مودعةً في السرّة التي تتطابق مع حجر”الأمفالوس”. حجرُ دلفي الذي تلاقتْ عنده حمامتا زوس اللتان ـ لتحديد مركز الكون ـ أُطلِقتا في آنٍ واحدٍ من طرفي الأرض. أمّا حمامتا المسلمين فقد تلاقتا على ظهر الكعبة. يقول ابنُ عباس: إن الله خلق الكعبة قبل الأرض بألفي عام، فلما أراد أن يخلق الأرض دحاها منها فجعل الكعبة في وسطها. ولأن إلهةَ الخصب سرّةُ الدنيا هي أيضا، احتكرتْ سيبيل وحدَها نماءَ الكون، وفاضتِ الحياةُ زكيّةً من “حلماتها” كالسحر أو أقوى، فازداد بهاءُ الارض حتى تجلّتْ مليكتي في شجر الصنوبر، في مواقع الخصب، وفي كل المساحات. “فسمّيت باسمها النساءُ والكواكب والأرضُ البكر”.

سبيل إلهةٌ شرقية من عمّورية الأناضول، نقلها كاهنُ حمصَ مع حجرها الأسود إلى روما، التي استولى عليها رعبٌ شديد من تقدم هنيبعل، فأعلنَ مجلسُ الشيوخ ضرورةَ استقدامِها، لأن الكتبَ السيبلية تنبيءُ أن سليلَ هملكار سيغادرُ المدينة مهزوما. وفي العام الذي وصلتْ فيه ـ منذ قرنين قبل الميلاد ـ شهدتْ روما غلالا وافرة، وهزيمة لجيوش هنيبعل. يقول ول ديورانت: “ان مجلس الشيوخ ارتاع حين وجد أن المعبودَ الجديد، لا بد أن يقومَ على خدمته كهنةٌ يخصون أنفسَهم، كان سهلا العثورُ على هؤلاء الرجال، لكن الرومانَ لم يُشرّعْ لهم أن يكونوا في عدادهم. منذ ذلك الزمن تحتفلُ روما في شهر إبريل من كل عام بعيد الإلهة الكبرى، واتخذ الإحتفالُ باديَ الأمر صورةَ الحزن العنيفِ، ثم انقلبَ بعدئذ الى المرح العنيف، ذلك ان سيبيل إلهةٌ نباتيةٌ”. كانت اذاً ربّةً ذاتَ مفاعيلَ. ولما داهمَها عند بداية التاريخ، أوعلى منعطف منه، انقلابٌ إغريقي سبّبه غضبُ “بوسيدون” على الإناث، فرض الرجالُ عليهن ثلاثَ عقوبات ترضيه: مُنِعَ النساءُ من حق التصويت، وحمَلَ الذكورُ وحدَهم اسمَ مدينتهم ـ “الأثينيون” ـ وانقطعَ حبلُ النسب الأمومي، ليلتحقَ الأولادُ بآبائهم. أمام هذه العقوبات الجائرة، تركتْ سيبيل وراءها مكاييلَ الفضّة، ردَّت هدايا الزواج، ونفرتْ الى صحرائها وسرابها وعَقْدِ زواجها الجامح. راقبتُ غروبَها مثلَ الشمس تهبط خطّ الأفق، حاملةً معها شرائعَ الأمومة الأولى. أمٌ كبرى حملتْ الى مصرَ معها ثمارَ الارض، ثم حملتْها مع كاهن حمصَ الى روما، التي جرفتها ثقافةٌ شرقية عندما أصبحتْ “جوليا دومنا” ابنةُ باسيان الحمصي زوجةً للإمبراطور “سبتيموس”. منحتها روما لقبَ أمَّ الوطن، وأمَّ الجيوش، وازدهرتْ في عصرها الذهبي عبادةُ سيبيل، كما لمع من السوريين قريبُها الفقيهُ بابيان والمؤرخُ ديو كاشيوس وديوجين كاتبُ التراجم وباقة أخرى من العلماء.

عندما يبلغ العقلُ، يصبح للرغبة معنى آخر. فهي رغبة تقتربُ من روح المعشوق حتى تساويه. قليلٌ من أحبَّ سيبيل واقتربَ منها، ولو حصل لعاشق أن افتتن بها وساواها. فلا يلبث إلا قليلا حتى تتخدرَ منه الحواسُ، وتتعطلَ عنده مواقعُ الفطنة، فتضربه بالجنون، ثم تاتي الليلةُ المقدرة التي ينامُ فيها العاشق تحت شجرة التين، ليمارسَ ـ تقليدا لحبيبها الراعي آتيس ـ طقوسَ الدم ونزيفَ الخصيتين، وقد قارنَ كتّابٌ أوائلُ المسيحَ به، لأنه عاد مثل آتيس حيا من بين الأموات. وفي رواية أخرى، أن خنزيرا قتل الحبيب في الثاني والعشرين من آذار، موعد الإنقلاب الربيعي، حيث خرجتْ أزهار البنفسج من دمائه المسفوحة على الأرض. لذا استحْرمَ أتباعُه لحمَ الخنازير، كما امتنعَ عنه عُبّادُ أدونيس. حربٌ دموية على التناسل يخوضُها العشاقُ، ممن لا يرضون لجنون القلب أن يعقِلَ ويرزحَ تحت أثقال التناسل. ففي عيدها كان الكهانُ الجددُ يضحّون بذكورتهم خدمةً للملكوت السماوي، فيغسلون بدمائهم مذبحَ الإلهة وصورَ زوجها الغائب، ويدفنون الأجزاءَ المقطوعة تحت معبدها. وقد وَجدتْ هذه الطقوسُ امتدادَها في الديانة المسيحية اللاحقة، حيث قال المسيحُ في إنجيل متى: “إن خصيانا ولدوا من بطون أمهاتهم، وخصيانا خصاهم الناسُ، وآخرين خصوا أنفسَهم من أجل الملكوت السماوي من استطاع أن يقبل فليقبل”.

في الأعماق السحيقة للقلب، تكمنُ ألغازٌ لا ترقى اليها المعرفة، ألغازٌ تتحرر من سلطة اللغة والإرادة والعقل، فيلتقطُ القلبُ اشاراتٍ وأفكارا ورموزا عائمةً فوق آلاف السنين. الرموزُ لغةُ الماضي الحاضرِ أبدا، كلّما انغمسنا فيه تعرّفنا على شيء من خفاياه، فيغمرنا امتنانٌ ودهشة لتواصل الزمن، حيثُ تترابط في تواصله التجاربُ الجزئية في نظام شاملٍ يدفع الحاضرَ دوما نحو مستقبل نتجه إليه قسرا. آثمٌ الماضي وربما الحاضرُ أيضا، قتلَ سيبيل وصلبها فوق الكوكب الآمن، ففي الميثولوجيا الدينية أن امرأة فارسية حسناء، أو أناهيدَ كما قال الامام علي، أوقعت الملكين هاروتَ وماروتَ في الشِرك والزِنا، ثم أخذتْ منهما كلمةَ السر لترقى الى السماء السابعة، فمسخها الالهُ الزُهَرة، أو فنيس أختَ الارض، كوكب الربَّة السومرية أنانا، وثاني الكواكب الشمسية. ـ والزُهَرةُ بفتح الهاء هي الحسنُ والبياضُ في لسان العرب ـ كلما رآها النبي على زعم الرواة قال: طلعت الحميراءُ لا أهلا ولا سهلا. واللافت حول هاروت وماروت أن بناءهما في اللغة بناءٌ عبري مثل بئر وبئروت، بناءٌ لا تعرفه اللغةُ العربية الا لماما، وقد أدّى سياقُ البحث عند الكاتب الكبير فاضل الربيعي لاعتبارهما ملاكا واحدا خنثى، وكان جنسُ الملائكة خلافيا عند العرب، اناثٌ هم الملائكة أم ذكورُ؟.

كانت سيبيل وما مثّلتْ في عهد الأمومة كائنا مقتدرا مقررا لمصيره، ثم خرجتْ عن اقتدارها أو أخرجتْها الميثولوجيا الدينيةُ منه، وحولتْها الى كائن ضعيف فرّغته التوراة من “معاقل الممانعة ووضعتْه تحت وصاية الشيطان.”