هل يمكن ان يكون الكاتب قارئا لذاته أي لابداعه؟ هل عندما يتقمص الكاتب دور المتلقي يحقق المسافة الموضوعية بينه وبين نفسه؟ 
لعلها قاعدة عامة تشمل كل الكتاب : شعراء،قصاصون و روائيون ، باحثون ومؤرخون. ..الكل يتحول إلى قارئ اول لعمله، سواء بدافع التصحيح والمراجعة أو التدقيق أو بدافع شروط النشر حين يطالبك الناشر بالتوقيع النهائي على عقد النشر. ..ولكن ليست هذه هي القراءة المقصودة هنا. بل المقصود بالقراءة الذاتية هو تلك العملية القصدية الواعية التي يقوم بها الكاتب وهو يلبس جبة القارئ المتقبل لعمل إبداعي أو نظري فكري متوسلا بأدوات القراءة المنهجية لفهم العمل والحكم عليه حكما نقديا ينزع نحو الموضوعية. فكيف يحقق الكاتب قراءته الذاتية؟ 
الكاتب هو ابن شرعي للقراءة أو القراءات التي ينجزها، و من ثم  فإنه حتما هو القارئ الأول لأعماله لأنه يرافقها وهي تتخلق في ذهنه وتنكتب حبرا أو رقميا. ..وبهذا يكون الكاتب ناقدا مواكبا ومتجددا لعمله، ولهذا يكون في حاجة للقراءة الذاتية. 
متى يتحول الكاتب إلى قارئ لذاته؟وما دوافع ذلك؟
الكاتب ينتج أعماله – الإبداعية أو الفكرية- بشكل تدريجي وحين يشرع في تحقيق تراكم ملموس فإنه ينتقل من إنتاج العمل المفرد إلى العمل المركب أي إلى بناء مشروع أو تجربة تمثل وجهة نظر كاتبها خلال مرحلة تاريخية محددة. 
و لنضرب مثالا توضيحيا بكاتب القصة القصيرة مثلا، فقد يبدأ بكتابة قصص مفردة لمدة ما، وحين يتمكن من إنتاج عشرة قصص على سبيل الحصر يكون قد مارس القراءة بمعناها الأولي (المراجعة. التصحيح. ..)،ولكنه الآن أصبح في حاجة لقراءة ذاتية لتجربته  (التجربة هنا قد تكون محدودة كالمثال المطروح أو موسعة اذا أصبح للكاتب عدة أعمال متراكمة ومنشورة  ).ولعل الدافع الاساسي لهذه القراءة الذاتية المأمولة هو بناء تجربة شخصية تسعى إلى تجديد نفسها باستمرار وتجنب اجترار الذات.  لأن كتابات الكاتب هنا تصبح مشروعا متكاملا من الضروري أن يجسد تطور رؤية الكاتب و تطوير اليات الكتابة عنده في سياقها  السوسيوتاريخي العام. 
إذن فالقراءة الذاتية بهذا المعنى هي حاجة ضرورية بالنسبة لكل منتج للابداع والمعرفة، وتحتاج من الكاتب امتلاك الادوات المنهجية والمعرفية لإعادة تقييم و تقويم إنتاجه لابداع الأفضل في مجاله. فصيرورة الكتابة محفوفة بالاجترار والتكرار وهما عدوان أساسيان للابداع. 
ولعل المشهد الثقافي العربي يحفل بمظاهر الاجترار والتكرار سواء على المستوى الذاتي  (اجترار الكتاب لأنفسهم )أو على المستوى الموضوعي (اجترار الكتاب لبعضهم البعض واستهلاكهم لنفس القضايا والتقنيات بدون إبداعية تذكر). من هنا تظل كل تجربة في الكتابة في حاجة لقراءتها  الذاتية المتعددة والمتجددة للتكامل مع القراءات الموضوعية أو الغيرية من أجل تقييم وتقويم تجربة الكتابة بشكل أفضل. 
وعلى سبيل الختم فهناك بعض الكتاب يفضلون عدم العودة إلى أعمالهم ربما لأنهم يعتبرون ذلك مضيعة للوقت أو خوفا من الرغبة في إعادة تلك الأعمال التي تظهر فيها عيوب ما!
وهنا نذكر الراحل جورج طرابشي الذي صرح خلال لقاء بالرباط  (ملتقى الرواية العربية الواقع والآفاق /1988)بأنه مستعد لإعادة ترجمة مجموعة من الكتب التي نشرها سابقا لأنه يرى أنها ترجمت بسرعة فاعترتها نواقص كثيرة. ..لكن دور النشر لم تكن مستعدة لذلك رغم رغبته في التطوع. ..
  إن القراءة الذاتية مقاربة منهجية ومعرفية تروم تطوير مشروع الكتابة الذاتي لينجح الكاتب في تجديد إبداعه أو بحثه. …