نشرت السنابل لوحة مسمارية من كتاب “رسائل من بلاد ما بين النهرين” للعالم الألماني Leo Oppenheim. وهي لوحة ثمينة يملكها المتحف البريطاني، كتبت باللغة الأكادية، ولاقت الترجمة قراءة واسعة. إنها أول شكوى تحض على الجودة بتعبير الناقد السينمائي مهند النابلسي. تعود اللوحة الطينية الى عام 1750 ق.م. وقد وُجدت في المدينة العراقية أور من محافظة ذي قار.

كانت أور، وقيل الوركاء، عاصمة للدولة السومرية، وهي لا تبعد كثيرا عن مدينة الناصرية أو البصرة، وتقول الأساطير إنها موضع ولادة النبي ابراهيم، وهي أول مدينة حقيقية في التاريخ. بلغ عدد سكانها في الألف الثالث قبل الميلاد خمسين ألفا. وتحدثت الألواح عنها كمدينة تعجُّ بضوضاء الناس. وهو تعداد بالغ الكبر قياسا لروما، التي لم يتجاوز تعدادها مائة وخمسين الفا في العهد القيصري قريبا من الميلاد. الوركاء مدينة البطل الأسطوري جلقامش. كما كانت المدينة المقدسة للإلهة إنانا. تعرض ملكها أور زبابا لهزيمة عسكرية، وكان سارغون ساقيَه فاستولى على السلطة ووحد وادي الرافدين وكتب سيرته على ألواح الطين. كانت قصة طريفة أعادت حياكتَها ولادةُ موسى.

أمي كاهنة معبد ولم أعرف لي أبا

وعندما ولدتني

وضعتني في سلة من القصب ختمتْها بالقار

وأنزلتني في الماء الذي لم يغمرني

انتشلني البستاني أكي وأخذني اليه إبنا ورباني

وبينما أنا أعمل في البستان

منحتني عشتار حبها فصرت ملكا.

إن اقتباس الرواية، إضافة لكامل ما اقتبسته التوراة من أيام السبي، يؤكدان على أسطورية النبي موسى. خاصة وان الفترة المروية للنشاط الموسوي تقع ما بين 1391 ــ 1271 ق.م. وإذا كان من الثابت تاريخية سارغون الأكادي فليس هناك ما يدعم تاريخية موسى إلا أن يكون أحدَ فرعونيْ مصر: تحتمس الثالث أو رعمسيس الثاني على ما رجّح بعض الباحثين.

يقول ما بقي سالما من ألواح الطين: إن إنانا إلهة المدينة ضجت يوما بأنوثتها، فعرّجت بزورقها للسماء السابعة تضاجع انكي ربَّ الحكمة وتسقيه. ولما لعب الشراب برأسه، وهبها ما تحتكره الآلهة من نواميس الحضارة. وهبها مع كل كأس ناموسا، حتى أفرغ خزائن المُلك الإلهي من شؤون الحكمة وأسرار العلوم. فآب الجسد الإلهي مرتويا خفيفا من أحمال ولائمه، أما زورق السماء فحمل معه في ما حمل من الأثقال، نواميس الصناعة والزراعة والتعدين. أبحر بها عائدا الى أور، لتتبوأ المدينةُ مكانة أعظم من مكانتها. “حاضرة خضراء باعدت ما بين رُكبتيها، وأنتجت زادا كانت المدائن تجمعه”، وما بين الرُّكبتين مَلاءةٌ في النصوص القديمة، وسعة في الخصب وفي النفقة. وعند ذروة ازدهارها رَسَمت الوركاءُ على ألواح الطين مقاطع الصوت، من اليمين الى اليسار، حروفا كالمسامير. أرَّخَ بها سارغون أحداث سومر بدءا من سلة القصب المختومة بالقار.

تُعتبر رحلة إنانا بعثة علمية الى السماء، وما عاد به زورقها من نواميس الزراعة والتعدين، مؤشرٌ لما بلغته أور من تقدم كشفته كتب الطين. فقد دلت التنقيبات الأثرية على وجود معادن غير متوفرة يومها في العاصمة الأكادية. ما يؤكد وجود نشاط تجاري محموم لتوفير الأخشاب وحجارة البناء والمعادن، خاصة الذهب والفضة والنحاس الذي كان المُوِّرد Ea-nasir يجمعه من دول الجوار. ولم تكن وارداته على درجة كافية من النقاء، فكانت شكوى الصناعي Nanni وقراره اللاحق بفحص السبائك في فنائه الخارجي، قبل استلامها وقبل أن تدخل حرم مصنعه. (الشكوى الأولى في التاريخ). فقد كان السومريون يخلطون النحاس بالقصدير لصناعة البرونز. أما الذهب والفضة فقد استعملا لتقدير قيم البضائع وهو أول استخدام تاريخي لهما في هذا المجال. وبالمقابل، صدّرت أور المنتجات الزراعية كالزيوت والجلود وبعض الصناعات الكيماوية. كصناعة الأدوية وصناعة العطور المقطرة. وقد اعتمدت هذه الحاضرة الفريدة نظام العد الستيني، فقسمت الساعة والدقيقة والدائرة، كما قسمت “المينا” وحدةَ الوزن السومري الى ستين جزءا دعي الواحد منها شاقلا. وكانت العدالة علامة فارقة لبعض العهود السومرية، فقد أصدر الملك أور كاجينا مراسيم تُحرِّم استغلال الفقراء وتخفض رسوم دفن الموتى الى خُمس ما كانت عليه، وتعدُّ هذه المراسيم “أقدمَ القوانين المعروفة في التاريخ، أقلَّها ألفاظا، وأكثرَها عدلا”. ثم أن ملكا آخر رفعته عدالته ليكون إلها عند رعاياه فقال في أحد نقوشه: “خلال سبع سنوات حكمتُها، كانت الخادمة نداً لمخدومتها، وكان العبد يمشي بجوار سيده، واستراح الضعيف في بلدي بجوار القوي”.

لم يصل الى سمع هيرودوت شيء عن السومريين، لكن بيروسوس وهو كاهن ومؤرخ بابلي 250 ق.م. قال إن جيلا من الجبابرة أَدْخل الى البلاد فنون الزراعة والكتابة وطَرْق المعادن “وقد ترك لنا هؤلاء الجبابرة كل الأشياء التي تعوز البشر في تطورهم، ولم يُخْترع منذ ذلك الوقت شيءٌ ما حتى الآن”.

وكشفت التنقيبات أيضا عن ترانيم للكاتبة والشاعرة السومرية انخيدوانا، التي سبقت هوميروس بأحد عشر قرنا. كانت الشاعرة كاهنةُ إنانا، ابنةً لسارغون الأول مؤسس الدولة الأكادية. ومن لطيف أشعارها قولُها: “أنا الكاهنة انخيدوانا، حاملةُ سلة البخور، كنت أنشدُ ترنيمتَك السعيدة. لكنني لم أعد أسكن الآن المعبد المقدس الذي شيّدتْه يداكِ. أتى النهار وجلدتني الشمس، وأتى ظل الليل وأغرقتني الريح الجنوبية. صوتي الرخيمُ الحلوُ كالعسل صار نشازا. وكل ما أعطاني المتعة تحول الى غبار. آهٍ…! أيتها الملكة التي ابتكرت النواح، سأموت في أرض معادية هناك حيث سيرسو قاربك المبتكر”. و كتب الشعراء السومريون كثيرا من القصائد عن بداية الخلق، عن الجنة، وعن طوفان مدمر خرّب البلاد عقابا على ذنب اقترفه أحد الملوك، وقد سجّل العبرانيون هذه الأساطير في توراتهم فانتشرت الى ان أصبحت جزءا من العقائد الدينية المسيحية ثم المسلمة.

إنانا هي نفسها عشتار البابلية صاحبة الحجر الأبيض في قبرص، العذراء التي أكلت من كل المرابض وتركت في كل بيت ريشا. يترافق حيضُها مع دورة القمر عندما يكتمل ليصبح بدرا، فتستريح من كل أعمالها، لا تسافرُ ولا تحارب، لا تُباغي ولا تشعلُ نارا. إنه يوم “السباتو” الذي بقي في ذاكرة يهود السبي على ما ذكره “لغز عشتار”، حتى استعارته التوراة مع الشاقل ونجمة عشتار المسدسة… والسبي خلافا لما هو معروف، وعلى ضوء الدراسات التاريخية والجغرافية والأركيولوجية الحديثة، هو سبي من مملكة حمير في اليمن الى بابل. رؤية صادمة لما كتبه الكهنة في أسفار التوراة. فجغرافية اليمن وتاريخها يختزنان كنوز التاريخ وأسراره عن اسرائيل المتخيَّلة (يهودا والسامرة. البحث عن مملكة حمير اليهودية. فاضل الربيعي.) وقد لُقّبت إنانا التي تُنبت وتَمنعُ الزرعَ، بالبقرة البرية الجموح كما جاء في الصلوات السومرية.

أنتِ من يمنع الزرعَ والإنباتَ عن أراضي العُصاة

تُجْرين أنهارَها

وتَملئين مرابعَ لهوها نكبات

تَحْجُبين عنها كلماتِك الطيبة

فتبتعد المرأة عن زوجها

لا تُسْمعُه في الليل كلامَ الحب

ولا تُفضي له بسريرة قلبها.

أيتها البقرة البرية الجموح

أنتِ أعظمُ من كبير الآلهة آن

وأعظم من الأم التي ولدتكِ.

وحملت اللقب أيضا الإلهةُ عناة، العجلة التي ضاجعها بعلُ، والتي نُقِشَ لقبُها على ألواح المدينة الكنعانية أوغاريت. رافقتْ عناةُ الإلهَ بعل في سيرته الميثولوجية وتركت اسمها في القرية الفلسطينية عناتو. كما أخذ عنها العهدُ القديم اسمَ دانئيل وقصص الأنبياء الذين تضرعوا للآلهة من أجل ذرية حرموا منها. هكذا تشابهت ثقافات الشرق القديم، تناسختْ أو تناسلت وتواصلت وأكمل بعضُها بعضا لأنها انبثقت من منبع واحد أو من ظروف شديدة التقارب. وعلى خطى إنانا وعناة حملت اللقبَ مريمُ العذراء، الأم الكونية ووالدة الإله، ففي طقوس تقديمها الى الهيكل عندما تَقَبّلَها زكريا كاهنُ الله، أنها كانت “عجلة ذاتَ ثلاث سنوات”. وجاء في الموسوعة المريمية أيضا “فليُسَر يواكيم ولتبتهج حنة لأنهما قدّما لله السيدة البريئة من كل عيب كمثل عجلة ذات ثلاث سنوات”. وفي التراتيل البيزنطية التي تُتلى يوم الجمعة الحزينة: “لمّا رأت العجلة ابنها معلقا على الصليب ناحت وأعولتْ”. ( الأب متري أثناسيو في موسوعته المريمية. عن لغز عشتار. فراس السواح)

ثبتت إنانا فوق جبينها خصلات الشعر، وحملتنا فوق الترانيم السومرية الى العراق، الى مكان إقامتها حيث تتنازع على خصوبته الآن جيوش جارحة، استوت على عرشها السماوي ما بين البصرة والناصرية ثم:

وضعت جمبع القوانين الى جانب قدمها

وأمسكت بيدها الخيط وعصا القياس من حجر اللازورد

ربطت فوق صدرها الصدرية المسماة “تعال يارجل”

لبست حلة السيادة والحكم

واكتحلت في عينيها بالدهان المسمى “دعه يأتي، دعه يأتي”

أي إنانا، دعانا دُهنك السحري جئنا، وأنت بعيدة الصدر. ومن يأت من القلب ويعرف أسرار المسامير، يفض معرفة، فيحتكر الكتابة والحكمة، الشعرَ والنثر وأسرار العلوم. من يأت من القلب يختصم العالم معه، وليس فخر للعالم أن يختصم مع الآتين من القلب.

أي إنانا، البتولُ التي اكتحلت ولبست حُلَّة السيادة والحكم، والمهندسة الزميلةُ التي أمسكت بيدها الخيط وعصا القياس، ليس عطرٌ كعطرك أو زيتٌ كزيتك أو صدر كصدرك. أنت لست في بانتيون السلطة الدينية الآن، لكنك في مناجم الذهب وأحجار المونغنيز، في الباب والموقد والكحل وماء الحياة، أنت في خصوبة الأرض ودورة القمر. لا يشرق الهلال إلا من منازلك، متدرجا من حال الى حال، ونحن الغربُ، فنعرف في تدرّجه الحساب والمواقيت، إيقاع الجسد وخفايا النفس، بؤرَ التوتر ومواعيد الحيض… منك إنانا، أيتها الأم البتول، صدرتِ الأشياء جميعُها، والى رحمك آب كل شيء صدر.