لنقلْ أن المواطنين في هذه الفترة، كانوا متساوين في الحقوق السياسية، لكنهم ليسوا كذلك وقد ازدادت الفوارقُ الطبقية بعد قرْنِ الوفرة. ما أشعل نارَ الثورات في عام 412 ق.م. فقُتلَ وأُعدمَ كثيرٌ من المالكين وأصحاب الثراء. لكن أثينا بقيتْ أقلَّ المدن اليونانية تأثراً بالثورة وأدناها اضطرابا، وذلك بفضل القواعد والقيود التي فرضها بركليس للحد من “دناءة الطبيعة البشرية”. فزادت ايراداتُ الدولة وامتلأتْ خزائنُها أكثرَ من اي وقت مضى من تاريخها. من ناحية أخرى أجمع الفلاسفةُ على تحديد النسل وقتلِ الأولاد الضعفاء كما نادى افلاطون، وكان أرسطو أرحمَ منه قليلا، اذ اعتبرَ الاجهاضَ خيرا من القتل. وكان المدرسون ينشؤون مدارسَهم الخاصة للصبيان، فلا مدارسَ رسمية بعدُ، أما البناتُ فمحظورٌ تجولهن في الشوارع والاسواق، كن يتعلمْن في بيوتهن على أيدي الأمهات أصولَ الغزْل والتطريز وفنونَ التدبير المنزلي. حتى قامت أسبازيا بأغراء عددٍ منهن على خرق الحصار الذُكوري، لتُعلّمَ القراءة وفنونَ البلاغة والفلسفة، في معاهدَ خاصة أعدّتْها لهن. وكان نساءُ أثينا ذواتَ جمالٍ أخّاذ، كما هنّ في التماثيل التي نراها اليوم. ولاصلاح عيوب الجسد، اذا وُجِدَ العيبُ، كنّ يرفعْن أثداءَهن بحاملات من القماش. شَعْرُ الأثينين والأثينيات كان أسودَ بشكل عام، يعنى به حلاقون كثيرو الثرثرة ويُروى أن حلاقا سأل الملكَ أركلوس كيف يريدُ أن يقصَّ شعرَه أجاب الملكُ: بصمت. أما النساءُ فكنّ يَصبُغْن خدودَهن بجذور الشنجار أو ما يُعرفُ بالكحلاء وخسّ الحمار، ويُخطّطن الحواجبَ بالاثمد وسناج المصابيح، ويَتحَلّيْن أو يُحَلّوْن بالحَلْي من مصوغ المعدنيات والاحجار الكريمة. أما الرجالُ فكانوا يتزينون بالخواتم كما يتختّم بها الاسلاميون اليوم.

كانت اثينا تعترفُ رسميا بالبغاء، و كان الأخيرُ على وفاق مع الفلسفة، تتقاضى عليه الدولة رسوما، مثلما تقاضاها صلاحُ الدين. والبغايا طبقاتٌ أرقاهُن من تعلّم فنّ الحديث عن الثقافة والعلوم، اشتهرتْ منهن كليسندرا التي كانت تضبطُ أوقاتَ الزبائن بالساعة الرملية. وثراجيليا الجاسوسةُ الفارسية المزروعة بين سياسيي أثينا، وقد ذكرها الملكُ الفارسي أرتخشستا الثاني. وفراين التي كانت شاغلَ أثينا بلا منازع، وعلى صورتها نحت أبليز تمثال أفروديت، وهو الذي رسم أيضا جواد الاسكندر، وكان الفاتح قليل الاعجاب بما رسم، فأمر أن يقرب الجواد من الصورة ليوازن بينهما، صهل الجواد لما نظر الى صورته فقال أبليز: ان جواد جلالتك يعرف من التصوير أكثر مما تعرف. أثْرَتْ فراين أو “أفروديت” ثراءً فاحشا وعرضت بناءَ الأسوار التي دمّرها الاسكندرُ على حسابها الخاص، شريطة أن ينقشَ الطيبيون اسمَها على اسوار مدينتهم. اتهمت بالالحاد، ودافعَ عنها محامٍ بارعٌ، كشف عن صدرها امام المحكمة، نظراليه القضاةُ، وبرّأوها من تُهم الالحاد بالدين. أما لاييس الكورنيثية فكانت على ما يقول المؤرخون، أجملَ امرأة وقعتْ عليها العينُ، يقول ول ديورانت أن المدن اليونانية، تنازعت موضعَ مولدِها كما تنازعتْ على موضع هومر. وقد أكثر المثالون من عروضهم، حتى اذا قبلتْ أن تقف أمام ميرون، نسي المثّالُ، الذي صنع راميَ القرصِ، شيخوختَه وعرضَ عليها التنازلَ عن كل ما يملك لقاءَ ليلة واحدة. تركتْه لاييس هازئة به، وفي صباح اليوم التالي عاودته أحلامُ المراهقة، يقول ديورانت “صفّفَ شعرَه وحلق لحيتَه، عطّرَ ثيابَه وحمّرَ خدّيه، وأعلنَ أمامها عن حبّه ورغبتِه، فأجابتْه بقولها: أيها الصديقُ المسكينُ، انك تطلبُ اليومَ ما أبيتُه على ابيكَ البارحةَ”.

ويبقى اللافت في تاريخ هذه الحاضرة، أن بركليس، الحاكمَ الطيب الذكر، والسياسيَ اللامع، كان ذا حسٍ مرهف اتجاه النساء، فمتاعبُ الموقع السياسي دفعتْه نحو رقة النساء ولينهن، كما تدفع العاصفةُ الزورقَ المتعب نحو الشاطىء الآمن، كانت أسبازيا شاطئَه الآمن. تعرف عليها بعد أن مضى زمنٌ على زواجه، كانت سيدة ذاتَ جمال موصوفٍ، من اللواتي أنتجَهن قرنُ الوفرة، حيث ينفتح في رخائه الجسدُ، وينعتقُ من قوى الردع، مجتمعا أبوياً كان الردعُ أو ذكورةً طافحة. امرأةٌ متحررة من قيود الزواج، تعمل لحرية كحرية الرجال، وثقافةٍ كثقافتهم. من تحدثَ عن جمالها من الأدباء والمؤرخين، تحدثَ عن “قدم صغيرة مقوسة الى الأعلى، عن صوتها الفضي وشعرها الذهبي كعصر أثينا”. لكن أرستوفنز وهو كاتبٌ مسرحي وعدوٌ سياسي قال: انها عاهر صاحبة بيت للدعارة في مجارا ويشير كاتبُ الملاهي هذا أن حرب البيلوبونيز بين أثينا ومجارا سبَّبها خطفُ المجاريين لبعض فتياتها، وتبدو مبالغة الكاتب واضحةً في ادعائه، ثم أنه عدوٌ سياسي، ولا ثقة في قول تختبيءُ وراءه السياسة أو عداوةُ الصَّنعة.

ليس هذا هو الجانب الوحيد من هذه العلامة الفارقة في تاريخ أثينا. وصلتْ أسبازيا اليها عام 450 ق.م. وافتتحتْ فيها مدرسةً لتعليم البلاغة والفلسفة، مخترقة جدارَ العزل الأبوي، وداعيةً النساءَ لاختلاطهن بالرجال. التحقَ بمعهدها سيدات الطبقة العالية، ولم تكن الدروسُ وقفا على النساء، فقد استمع اليها رجالٌ كبار من حكام أثينا ومثقفيها أمثال بركليس وفيدياس وانكساغوراس الذي تكلم في فلسفته عن اعصار أزلي نظّمَ المادة. كأنه يتحدث عن (البيغ بانغ) النظرية السائدة حول نشأة الكون. ويقول سقراط انه تعلم في مدرستها فنون البلاغة كما تعلم منها أبيقور (فيما بعد) فلسفة اللذة. وقعت أسبازيا في قلب الحاكم الأولمبي كما دعاه الشعراء، فداوم على سماع المحاضرات أو على رؤية المُحاضِرة لا فرقَ، الى أن وافتْه الفرصة السانحة. لقد أحبت زوجتُه رجلا آخر، فعرض عليها أن يستمتع الطرفان بالحرية، فرضيت بالعرض واتخذت لها زوجا ثانيا.

جاءت أسبازيا الى “القصر الرئاسي”، وأصبحت سيدة أثينا الأولى، لكن القانون الذي سنه العاشق عام 451 ق.م. لم يتح له أن يتخذها زوجة، فهي من مواليد مليطس وليست مواطنة، أنجبا ابنا كانت تعوزُه الشرعية وحقُّ المواطنة. ويقال ان الدستور قد عُدّلَ فيما بعد لصالح الوريث المحتمل. يقول المؤرخون أنه كان شديدَ الولع بها لا يدخلُ البيت أو يخرجُ منه دون أن يتوددَ اليها ويقبّلَ فاها. استحوذت أسبازيا على قلبه وعقله لا بل على كامل كيانه، أنهكه الحبُ وما سمّتْه زوجة بيتاغور”مرضَ النفس العاشقة”، فانقطعَ عن الحياة الاجتماعية خارج بيته، حتى لاحظ أهل أثينا انشغاله بها عن شؤون الحكم، جعلت أسبازيا قصرَه صالونا ثقافيا لتبادل المعارف وصقل الذوق العام، كصالون جورج صاند، أو صالون سكينة ابنة الحسين عندما كان الشعراء يتوافدون اليها. وقد نزَّهها المؤرخون الشيعة عن هذه النشاطات ليمنعوا دخول الشعراء الذكور الى دارها. رافق سقراطُ هذا الحفلَ الثقافي، كما رافقه حكام أثينا ومثقفوها.

أصبحت أسبازيا ملكة اليونان غير المتوجة، وعلماً يُلهم النساء مُثُلَ الحرية والمساواة، مثلما هي اليومَ مصدرُ الهام لكثير من الروائيين. ولعل أشهر الروايات ما كتبت الناشطة الأميركية ليديا ماريا تشيلد عام 1835 في حمأة الصراع لتحرير العبيد، حيث ظهرت أسبازيا بطلة بمواصفات حقوقية لافتة. ويقول البروفسور غلين من جامعة بنسلفانيا انها دافعت بحماس عن حقوق المرأة وخرجت على تقاليد المجتمع المحافظ. لكن الثورة التي أشعلتْها الملكة، لم تبقَ دون مقاومة، فقد مسَّت بمشاعر المحافظين، الذين اعتبروا ثورة أسبازيا مقدمةً لحرب يونانية يونانية. وكان الحاسم في المعركة السياسية هذه، الدورَ الذي لعبَه الممثلون الهزليون، فهم مثلما همُ اليومَ يتمتعون بتأثير كاسح على عامة الناس. عامةٌ تمتليءُ أذهانُهم السطحية بسرعة فائقة، وتفعل فيهم الاشاعة فعلَ الحقائق الدامغة. اتُهم بركليس بتبديد الأموال، ووُصِفَ بيتُه ببيت الفساد، وأشيع أنه على علاقة غير شريفة مع زوج ابنه، دون أن يتجرأ أحدٌ على عرض مزاعمه أمام القضاء. واتُّهم صديقُه المثالُ فيدياس باختلاس الأموال، وكان يصنع تمثال أثينه العاجي، واستخدم الفنان 2545 رطلا من الذهب لصناعة الثياب، وقد أفلح الادعاء باثبات التهمة. ثم توسعت دائرة تقويض النظام، حتى طالت أنكساغوراس بجُرم ازدراء الآلهة ويبدو ان الازدراء قانونا، هو عدمُ الاعتراف بالآلهة التي تعتمدها الدولة. أُدين الفيلسوفُ لنزعته العقلية عام 432 ق.م. وهو أولُ ضحايا النزاع بين العلم والدين. ولم تبقَ أسبازيا خارج التصفيات السياسية فاتهمت بعدم خضوعها لتعاليم الدين “الحنيف” وأنها ربما جاهرت باحتقار الآلهة اليونانية. سَلط عليها الشعراءُ الهزليون ألسنة فتاكة، حتى وصفوها بديانييرا التي قتلتْ بركليس. وأطلقوا عليها بلغة يونانية صريحة اسمَ العاهر قُدّمت للمحاكمة ونظر في قضيتها ألفٌ وخمسماية من القضاة. استخدمَ بركليس بلاغته الاولمبية للدفاع عنها، وقيل أنه استخدم دموعَه أيضا. رُفضت الدعوى، وبدأ المحاط بالمجد سقوطه الدراماتيكي، ولما وافتْه المنية عام 435 ق.م. كان قد أصبح رجلا معطوبا، هزيلَ الجسم، كسيرَ القلب والجانح.