قصيدة وِجْدَانيّة لشاعرٍ بعَلْبَكّيّ مجهول

“شَمْسُ الجَبَل” بلدةٌ مخضرمةُ بين جُرد جَبَلِ صنّين الأشّمّ وسهلِ البقاعِ البديع. دعاها الأراميون شمشطور، أي “شمس الجبل”، وعُرّب اسمها بعد “الفتح” العربي فصار شْمُسْطارْ؛ واليوم لا يطيب لي تسميتها إلّا بشمس الجبل. تقع هذه البلدة الجميلة جنوبي غربي مدينة بعلبك الزاهرة، وتعتبراليوم إحدى بلدات المنطقة المهمّة.
في كلّ صيفٍ، تَسْتَلْقِي شمس الجبل، مستريحةً من عناء موسم الحصاد، بين كروم العنب والتين والرمّان واللوز التي لا يطيب لأبي الحنّ والخوريّ والشّماس والشحرور وغيرها من “عصافير التين” الإقامة والتنقّل والبحث عن الرزق إلّا في نواحيها. وبسببٍ من حشرية أولاد الضيعة الأشقياء وتعديّاتهم المتكررةِ على هذه الطيور الصغيرة المسالمة الآمنة، إنْ “بالنُقَّيْفات” أو “ببارودة أمّ خردقة” أوبغيرها من الأسلحة الفتّاكة، ناهيكَ عن الذين تعلموا كيف ينصبون الأشراكَ ويتفنّنونَ بوضع الدّبْقِ على الأغصان اليابسة، فقد تَكَيّفَت هذه المخلوقات الجميلة مع أوضاعها الخطرة، وتعلّمت كيف تختبئ عن عينِ الصيّادِ المحترفِ بينما نراها تُفَرْفِرُ، بلا خوفٍ ولا وجل، قريباُ من الأولاد الصغار أو من الذين تنقصهم خبرة الصيد وإتقان فُنًونِه. ومن الغريب حقاً أنّ “عصافير التين” هذه، قد اكتسبت من طباع البعلبكيين القاسيةَ فكرة الطَّفرِ من الكروم القريبةِ من بيوت الضيعةِ إلى كرومِ الأعالي البعيدةِ المجاورة لحرش السنديان والملّول مستفيدةً من وعورة الأحراش من أجلّ بناء أعشاشها بعيداً عن أعين “زعران” الضيعة وتعدّياتهم، ضامنةً لها ولصغارها هامشاً من السلامة والأمان من أجل الاستمرار والبقاء على وجه هذه الدنيا.
يُداعبُ “شمس الجبل” وكرومها، في الصيف، نسيم عليل يأتيها من الجهة القِبلية فيلطّف حرارة تموز و”لهيب” آب ويزيد أيلول لطفاً على لطف. إنّ شمشطور أو شمسطار أو شمس الجبل، لا فرق عندي، لهِيَ وبحقّ أرض غاليةٌ على قلبي وعلى قلوب الأحبةِ والأصدقاء الذين يجتمعون فيها، في ليالي السبت الصيفية العامرة التي يحلو فيها السهر ويطيب الكلام والسمر.
أمّا سِرُّ هذا الحبّ الكبير لبلدتنا بعصافيرها وأهلها ونسيمات أواخر الليل فيها، بالإضافةِ لموهبة حسن الاستماع والاصغاء لكلّ حديثٍ ممتعٍ أولكلّ طرفةٍ تأتي “بنت ساعتها”، فَلَعَلّنا قد توارثنا هذا الحبّ أباً عن جدّ، وأمّاً عن جدّة، وأنعم الله علينا بهذه الموهبةِ بالسليقة والوراثة والتعلّم عن أهالي بلدتنا شمس الجبل الذين تميّزوا، عبر السنين، بهذه الصفات الطيبة التي أجمل ما تتجلّى بالمحبة والتعاون والتضامن فيما بينهم في كلِّ ظروف الحياة.
كان والدي، رحمه الله، المعروف باسم أسعد الحاج شبيب، مثله كمثل باقي أهل بلدته يحبّ السهر معَ أصحاب العلم والأدب والطرافة من أهل البلدة أو من جوارها، فيتبادل وإيّاهم شتّى أنواع الأحاديث – التي اشتهرت بها شمس الجبل- إلّا أنّه كان يعشق الأدب ويحب رواية الشعر ويستمتع بإنشاده على طريقته الخاصة.
أمّا هذه القصيدة التي أضعها اليوم أمامكم – أصدقائي الأعزّاء وقرّائي الأكارم – فقد أخذتها بالسماع عن والدي، طيّب الله ثراه، كما حفظتُ منه العديد من القصائد “الفصيحة” والعامية وسمعت الكثير من الأخبار والنوادر والطرف. لَمْ يَكُن والدي يعرف اسم صاحب هذه القصيدة، إلّا أنه كان يؤكّد لي دائماً أنه فلّاح وشاعر من أبناء منطقة بعلبك، الأبية على الضيم. فمن كان يعلم شيئاً عنها أو عن صاحبها فنحن له من الحامدين الشاكرين حين يُزَوَّدَنَا بما لديه من معلوماتٍ مهمّة.

صورة جانبية قديمة لمدينة بعلبك تظهر فيها بعض البيوت المعمّرة بالطين والأحجار والمسقوفة بالجذوع والأخشاب

نصّ القصيدة كما عرفتها:

يَمْضِى الزمانُ الرائِقُ
ساعاتهِ ودقائقُ
فَقُمْ بعهدٍ وامِقُ*
واقبَلْ نَصِيحَةَ وَاثِقُ:

البدرُ أضاءَ بِنُورِهِ
واشتَقَّ مِنْ دَيْجُورِهِ
لا تَبْتَهِج بسُرُورِهِ
أَيّامِهِ وشهوره
وسِنِينِهِ تَتَسارَقُ

جَهّزْ مَطِيَّكّ للسَرَى
وَانْدَمْ عَلَى مَا قَدْ جَرَى
فَالْعُمْرُ فانٍ وَمُدْبِرِا
فَكَأَنّهُ ضَيْفُ الْكَرَى
أَوْ كَالْخَيَالِ المَارِقُ
**

أَقْصِرْ عَنَاهَا واغْتَرِبْ
واشْدُدْ بِأِزْرِكَ وانْتَدِبْ***
صَلِّي لِرَبِّكَ واقتربْ
وَارْحَلْ لِفَوْزِكَ وَاجْتَنِبْ
فَلَعَلَّ الزَمَان يوافِقُ

*وامق: عاشق، محبّ، متيّم
** المارق: الذي يمرّ بسرعةٍ كبيرة من جانبٍ إلى الجانبِ الآخَر.
*** انتدب: أي نهض نَدُباً أي ضامراً خفيفاً