ان الماضي النائم يمكن أن ينعش

الحاضر وتلك هي فضيلة الذكرى

فاطمة المرنيسي

أعجبني مقالٌ للدكتور شوقي يوسف كتبه باللغة الفرنسية على موقع السنابل، تيودورا امرأةٌ لكل العصور. قلتُ في نفسي، وأنا أشعرُ بعدوى الكتابة: حظيةُ سقراط تيودورا أخرى تستحقُ الاضاءةَ أيضا. جمعتُ المادة التاريخية فوجدتُ الحظية قليلة البريق. تركتُها هانئة في سكونِها السرمدي، وعدتُ الى المدينة والحاضرة الصغيرة أثينا. تلك سيدةٌ فوق السيدات، غطى بريقُها العالم، خاصة تلك الفترة الممتدة من حكم الأرستقراطي بركليس، الى وفاة أرسطو أي من القرن الخامس قبل الميلاد تقريبا الى القرن الثالث منه.

ولد هذا الحاكم المتفرّدُ عام 499 ق.م. قريبا من تاريخ المارثون، وحلمتْ أمُّه قبل مولده أن أسدا خرج من رحمِها، كما زعمت أمُّ الفقيه الشافعي أن كوكبا خرج من بين فخذيها. دأْبُ الأمهات اللواتي يضعْن رجالا كبارا أن ينسجْن الخوارق فتعملُ المخيلة سريعا على أسطرة الولادة. تعلّمَ الأسدُ الموسيقى على يدي فيتاغور، والفلسفةَ على أنكساغوراس، كان قليلَ الكلام فصيحَه، ولو عاصرَ هيرودوس لصلبه الأخيرُ بتهمة الفصاحة التي تؤدي الى العصيان. كان بركليس يصلي لتمسكَ الآلهة لسانَه فلا يَزِلُّ. عاش مستقيما مستنيرا، وجدّد الأثينيون انتخابه على امتداد ثلاثة عقود. استمتعتْ اثينا خلال حُكمه الديكتاتوري العادل بتعدد الثقافات، وبكل مزايا الديمقراطية التي أضاف اليها الارثُ الأرستقراطيُ: “حسنَ النظامِ وسلامةَ الذوقِ”. ومن مآثر الأسد، أن خصّصَ من موازنة الدولة مبلغا زهيدا لكل مواطن، يؤدّيه أجرا لحضوره المسرحَ والألعابَ والنشاطاتِ الثقافيةَ التي كانت وقْفا على الطبقات الثرية. راهنَ الحاكمُ المستنيرُ على رفع المستوى الفكري للعامة، حتى تستوي ديمقراطيةٌ لا تقومُ الا على وعي الناس ونضوجِهم العقلي. وترافقتِ المراهنة مع اصلاحاتٍ سياسية، مكّنتْ أحطّ الطبقات الاجتماعية من المشاركة في الانتخاب، وبالتالي في شيء من القرار السياسي. وكان من شأن هذه الاجراءات، تعزيزُ الامكانيات الدفاعية للدولة، فغالبا ما يتكون الجيشُ من أبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة. وبهدف الحفاظ على الحقوق الوطنية، منعَ الزواجَ بين المواطنين (أبٌ وأمٌ أثينيان) والغرباء أو الاجانب بالتعبير القانوني، ولعبَ هذا المنعُ لاحقا لغير صالحِه. اكتشف هذا الحاكمُ، مفتاحَ الرضا السياسي عند المواطنين، انه السياسةُ الاقتصادية أو الرخاءُ، فالناس لا يرون الحكمَ الرشيدَ الا من خلال الوفرةِ المادية. وليبعثَ العزةَ والفخارَ في نفوس الأثنيين، صرفَ جهودا مضاعفة في تجميل أثينا، مستقدما عباقرةَ الفن والنحت لتحقيق طموحاتِه المكلفةَ. فصادرَ المالَ الذي تجمع في خزائن المعابد، والعائدَ لحلف ديلوس. وهو حلفٌ جمعَ المدنَ اليونانية في جزيرة ديلوس سنة 478 ق.م. لمحاربة الفرس بقيادة أثينا. ولما خالفَه الرأيَ تيارٌ سياسي معارضٌ، لجأ الى طريقة ماكرةٍ على قول فلوطرخس اذ قال: “اذا رفضتم ذهابَ الأموال الى جيوبكم فلتذهب الى جيبي”. اذاً خرج العصرُ الذهبي لاثينا من رحم تعاونٍ ثلاثي جمع الديمقراطيةَ والثروةَ والادارةَ الحكيمة. وكانت اهتماماتُ بركليس ـ ويعني اسمُه المحاطُ بالمجد ـ موزعةً بين السياسة والفلسفة والاقتصاد والفنون، أو بينهم جميعا وبين أسبازيا. هذه السيدةُ التي شابهت تيودورا في مقال الدكتور شوقي يوسف، لا بل فاقتْها حضورا. كانت أسبازيا القاسمَ المشترك الأكبرَ بين الجمال والفنون والفلسفة والآداب. يقول ول ديورانت في قصة الحضارة: “كان بركليس وأسبازيا، فيدياس وأنكساغوراس وسقراط، يمثلون مجدَ أثينا وكمالَ وحدتها من سياسة وفن وعلم وفلسفة وأدب ودين وأخلاق اندمجَ بعضُها ببعض لتُكوَّن صرحا متعددَ الألوان هو معجزةُ تاريخ هذه الأمة”.

استفاد بركليس المحاطُ بالمجد من صحبة الفلاسفة، أخذ عنهم “سموَّ القصد وقوةَ اللغة”، ولما انهمك في مشاغل السياسة وشؤون الاقتصاد، نسيَ أفضالهم الى حين، حتى بَلغَه ما يعانيه أنكساغوراس من ضيق وحرمان، فبادرَ الى معونته قائلا: ” انّ من يحتاجون الى مصباح يمدونه دائما بالزيت”. كانت الأرضُ اليونانية غنيةً بالمناجم، “فوارة تندفع منها الفضةُ”، كما فار النحاسُ من قبرص. ما ساعد أثينا على بناء أسطولها ودفاعاتها البحرية، وكذلك على تحديث مرافقها العامة، كانت أوّلَ المدن التي تعرفت على الصيرفة، التي تحولت لاحقا الى نظام مصرفي اعتمدته أوروبا. وقد شجعتِ الحكومةُ كما الأثينيون المصارفَ بالرغم من تنديد المحافظين بالرِبا، الذين اعتمدوا بدلا منها لايداع أموالهم على الهياكل الدينية، خاصة هيكل أبوللو الذي احتلَّ درجة “المصرف الأول”. الثروة والمصارف جعلتا التجارة عصبَ الاقتصاد، الذي انتقل بيسرٍ من اقتصاد منزلي الى اقتصاد مديني ناشط، ترك بصماتٍ مهمة على طبائعِ الناس وعلاقاتهم الاجتماعية، خاصة تلك النزعةَ الفردية التقدمية، المتفلتة من التحفظ الذي يلازم طبيعة الارستقراطية الريفية.

حملت التجارةُ معها ازدهارا في العلوم والفنون والفلسفة وطرق المعيشة، لكن القناعات القديمة، بقيتْ تقاومُ ما حملتْه التجارة من انقلاب في العلاقات الاجتماعية، فقد ظل الأثينيون كالعرب اليومَ وفي جاهليتهم، ينظرون بعين الاحتقار الى الأعمال اليدوية، وما لحق بها من موسيقى ونحت وتصوير وكذلك الى عمالِ الصيرفة وأصحابِ الحوانيت. هذه الأعمالُ تعيق حرية المواطن بزعمهم وتحطُ من كبريائه، فالمواطن الحرُ هو من تحرّرَ من عبء الواجبات الاقتصادية، ليتفرغ لشؤؤن الحكم والادب والفلسفة. وقد انعكست هذه الأفكار على التركيبة الديموغرافية للمدينة، فكان عدد المواطنين عشرين الفا، بينما بلغ العبيد ـ القوةُ المادية المنتجة ـ مئة وخمسين الفا. يفصح هذا الفارق عن عيوب الشرائع الأثينية التي اقتصرت على الأحرار فقط وهم سُبعُ السكان. ولم يكن الاستعباد مرذولا في هذه الحاضرة العظيمة، اذ نظر اليه أرسطو بصفته (ألةً تديرُ عملا حقيرا)، كما أقرت أغلبُ المدارس الفلسفية بضرورة الرق، وصولا الى العصور الاسلامية التي عاملت الرقيق بالرأفة، ولم تُحرّمْه بشكل قاطع. والارجحُ أن أول فتوى اسلامية حرّمتِ الرق صدرت من أحمد باي الأول في تونس عام 1841.