لم يحدث من قبل ـ قال رولان أوفيس

أن وصل الانسان الى هذا الحد من

الظفر بمبادئ متعلقةٍ بصلب الأشياء

وماهيتها، لكنها ليست الأشياءَ ذاتها

 

لكنْ حصل أن كان لهذا الظفر بداياتٌ في الأساطير، أعمقُها ما غاص في باطن الكلمات، وقرأ قراءة حالمة تعبر الى البداية الأولى. يوم صنع الهٌ عجوز من جنوب كندا ـ كما روت أساطير القبائل المونتانية ـ كل شيء كما نراه الآن، ثم جبل من تراب أدمة امرأة وذكرا صغيرا، ـ عفر  هـ  أدمة ـ برواية التوراة وترجمها الأوائل تراب الأرض، ثم صححها كمال الصليبي لتصبح من تراب أدمة، وهو وادٍ في الجزيرة العربية. غطّاهما الاله، حتى اختمر الطين واستوى تحت غطائه بشرا سويّا. ثم استراح على ضفّة الماء، مزهوا بصناعة امرأة هي أم الكائنات، يتقطّر منها النور وينعكس على أعضاء جسمها العاري. سألاه وقد شربوا قليلا من نبيذ الأرض، ان كان قد رسم نهاية لما جبل من أشيائه قال:
لم أفكّر بذلك بعد.

لكن انظرا، سأرمي بهذه القطعة من روث الجاموس، ان عامت يدركّما الموتُ أربعة أيام فقط، ورمى فعامت. قالت المرأة وفي يدها حجرٌ أصغرُ من قطعة الروث: لا بلْ حيثما يملِ الحجرُ تكنِ المشيئة، ان غرق كاملا يكن الموتُ والا فلا نهاية لما صنعت يداك. قال: حسنا وقع الاختيارُ.

كانت الآلهة تجبلُ وتصوغ المفاهيمَ، دون أن تعرف من الفيزياء ومن الرياضيات شيئا. ذلك أن الصياغة استنسابٌ الهي من فعل تامٍ، يقول للشيء كن فيكون. ثم يتماهى الكائن الجديد مع الطبيعة بزعم داروين، او تتماهى معه الطبيعةُ متأخرةً، اذا كانت المفاهيم في ساعات صياغتها الأولى، استنسابا متخاصما مع العلوم. تلك التي تعتبر البديهيات أصولا ثابتة. ومن يدرِ؟ (على مذهب سيبويه وقوله تعالى: والليلِ اذا يسرِ) من يدرِ اذاً؟ ربما كانت الأصولُ ثابتة أو غيرَ ثابتة، قائمةً بذاتها أو كامنةً في طبيعة الشيء، متخفية في الخشب والحجر وروث الجاموس. وأيُ انقلاب لو اكتشف الناس غدا أن البديهيات ليست صادقةً.

لم تكن المرأةً قد تعرّفت بعدُ على الفيزياء، أو مر أمامها مبدأ من مبادئها، وان تناولت شيئا من ثمار المعرفة. كان الخيار بين الأبدية والموت خيارا واضحا، لكنّ فيزياءَ أرخميدس التي كانت مختبئة في صلب الحجر، عرقلت الخيار الواضح وغيّبته، لذا طمحت عينُها من جديد الى شجرة الحياة، وكانت على قوسين منها، (لولا لهيبُ سيف متقلّب) أقامه يهوه، حتى لا تأكلَ من ثمار المعرفة مرة أخرى. كانت الأنثى في صناعتها الأولى أكبر من الذكر، فالعجوز كوّر مناطق الخصوبة فيها وضخّمها، فجعل البطن والثديين وأعلى الفخذين كتلة واحدة، خزانا مركّبا منتفخا ذا رحم تتدفّق منه كائنات صغيرة. ولم تكن ذات الحجم المنتفخ خفيفةَ الشفة، تساءلت عن الحياة ومعناها، وعن النهايات التي يتوقّع مسارُ التاريخ بلوغَها، لو سار الى نهايته. تساءلت اذا كانت الطبيعة محكومة بالقوانين، أو أن رغبة في داخلنا تتوهم أنّ للأشياء نظاما. كما تساءلت عن شغف الحياة وضآلة المعرفة، عن الغيم والموج والريح، وعما تفعله ليكتمل اتساقُ جسدها، قبل أن تعمل هي على اعادة صقله وتزيينه.

كان الذكر أصغرَ من أنثاه وأقلَ طينا منها، لذا بقيت قيمته على الهامش، فلم يتملّك حقا كان يملكه، ولا ثناها عن قرار كانت أعلى عينا وأبصرَ فيه من ذاته، فما تم ّاكتشافه كشفته قبله اذ كان الكشفُ مقتصرا عليها. فاستسلم لحكمتها ومخزونِ معارفها، حتى سقط الحجرُ وتطاير رذاذُ الماء، فابتلّ ما في رأسه وتهافت، تكدّرت روحُه وشعر أن شيئا باردا قد لفح وجهه، ربما كان الموتَ أو الرذاذ.َ

بين معنى وآخر تتردد الكلمات، وتبقى عاجزة عن الاحاطة بحقيقة المعنى، قاصرة عن وصف مشاعر تزخر بها الحكايات الأولى. حكاياتٌ جميلة ما اتسقتْ وان كان الاتساق ضربا من ضروب الجمال، ولا وقعت فيها المترادفات على الغرض مباشرة، هي دائما بالقرب منه على جانب القلب وليست فيه. لذا يتفاوت المعنى ويلتبس المدلول في ثرائه وبساطته “وكم التبست أمور من فرط بساطتها”. خطر ببال الرجل أن يكون العجوزُ مدركا لكل شيء، ولجأ مواربة لاعلان ما هو كائن ومرسوم، وقد انساقت المرأة للفعل الالهي الموارب، لتأكيد تابعيّتها للمبادئ الأولى. المبادئ المتعلقة بصلب الأشياء والتي تعشق السرَّ والاختباء.

قال الرجل وقد أيقظَه رذاذ الماء “لبني البشر غاياتٌ لها معنى وللأشياء ميلٌ كميل الحجر للسقوط”. وقد كان صادقا في تخمينه، طاف بالمعنى حول ما قاله راسل في شرحه لتاريخ الفلسفة. “لا تعترف الفيزياء بالعلل الغائية وان حملت رواسب منها مثلَ الجذب والتنافر والبحث عن المركز. فالغائية شيء من اللاهوت، وحدهم البشر يسعون لغايات. أما الأشياءُ فلها ميولٌ تتحقق كلما توافرت شروطُ ميلانِها.” وقف الذكرُ الى جانب الاله العجوز، مرتابا من العلل الغائية، وتلمّس طريقا لفعالية العقل، شكّك في السحر وأحاسيس القلب وحليب الحكمة المتحدر من ثمار عدنٍ، أوعدنةَ التي في وادي تبالة السعودي على ما زعم الصليبي. رافقها بعد السقوط متمايزا عنها. أحصى كل حركة من حركاتها السلبية المزؤومة، كما تُحصي المعارضة نقائصَ السياسيين تمهيدا لانقلاب يتهيأ في الأفق. انه انقلاب السحر على الساحر.

لا ترتاح الأساطير من عبء حمولتها، تتغيّر كلّما اختنقت بالشرح أو ضاق عليها النص، فتتلبّس نصا جديدا يعاود التأويل فكّ رموزه، لتصير الرموزُ أقربَ الى حقائق الكون.

لا ترتاح الأساطير ولا تحمل هما صغيرا. أربكتها هموم النشأة الأولى فأتعبها الحمل. ذاك أن فيه أسئلةً كبيرة ً أنّت تحتها بدايات العقل، كما تئنّ الآن بأعباء النهايات.

ما أخطأت حوّاء لجهالة فيها، لكنّه مأزق القرارات المستعجلة، ومواربة الاله وهو يؤكّد فعالية فيزياءَ تستعلي قوانينُها على أهواء النساء. “للأشياء ميلٌ كميل الحجر للسقوط وميلٌ كميلِ النار للارتقاء وللبشر غاياتٌ لها معنى”. فيزياءُ تفلتت من اللاهوت ودفعت الذكر قليلَ الطين ليكسب عقَله بالمِران، فانشق عن حكومتها وعكر صفوَ سُباتها الغارق في السحر والتأويل وقراءة الطالع.

لصراع السحر بين الجنسين سحرٌ قديم، فهو صراعٌ على الطبابة والكهانة ومواقع القرار. فقد كان لنساء القبائل الأونية في اميركا الجنوبية محافلُ محظورة على الرجال على ما يقول السواح في كتابه لغزعشتار: ” تُلقّن فيها الصغيراتُ أصولَ السحر، وعاش الرجال في خضوع تام لهن، الى ان جاء يوم أجمعوا فيه على التخلّص من النساء بقتلهن جميعا، ولم يبق الا اللواتي لم تتح لهن فرصُ الاطلاع على فنون السحر. ثم كوّن الرجال محافلهم الخاصة المحظورة على النساء”. وأُجّل عناءُ البحث في الفيزياء للعصور اللاحقة.