“نطفة سوداء في رحم أبيض” رواية للكاتبة الفلسطينية سماح خليفة، تقع الرواية في ٢٨٥ صفحة من القطع المتوسط ، صدرت حديثا عن دار كل شيء في حيفا.

تتداعى أحداث الرواية بين فلسطين ومصر والعراق بخطا فلسطينية، تتبع رسالة، وتقيم حياة، فماهي مساحة الحياة للفلسطيني؟

تنتقل شخصيات الرواية في زمان ومكان ممتد ضمن نسيج متماسك، يكثر استخدام الفعل المضارع للدلالة على الاستمرارية، على امتداد الرواية منذ الستينات إلى يومنا هذا، أو تخرج الأفعال التي تحصد الرواية نتائجها المُرة من سياق الزمن وتبقى إلى زوال الاحتلال.

تترك الكاتبة مساحة لشخصيات الرواية تتكلم عن نفسها، حوار خارجي وآخر داخلي، بأسلوب شَيّق وبناء يعتمد على الإضاءة والتعتيم بحيث يصبح القارئ جزء من تلك البنية. يشعر بالاشمئزاز عند اغتصاب أمل، يكره الجنين في أحشائها ويتمنى موته ويفرح حين يضيع وليد بعيدا عن أمه، لكنه ليس وليد إنه الجنين الذي أنكره من أنكره، واعترف به من اعترف، نما وامتد على مساحة أرضنا الطاهرة، وأصبح كيان صهيوني مفروض عُنوة علينا. من رحم الواقع تغذى، وبولادة يسيرة أتى، لم تنفصل المشيمة التي غذته بسهولة.

كيف تغذي الروح الطاهرة العار النابت في جسدها قسرا؟ هذا العار يهدد حياتها منذ النطفة الأولى، لتحافظ على حياتها يجب أن تحتفظ به، ولاشك هو قاتلها وإن تأخر الميعاد، أمل أنجبت خنجرا عاق اليدين يحيك لقتل حاضنه.  

سوداوية الأمل تقطع الطرقات، إنهم قاطعوا طرق اغتصبت أمل في الطريق، وأنجبت في الطريق وماتت في الطريق وعلى الفلسطيني أن يكمل الطريق، ويخلق كل يوم أمل جديد، فهل سيقتلنا كما قتل أمل الأم وحاضنة الحياة، الكاتبة تَرُد في آخر الرواية وتقول: نحن شعب فلسطٌين؛ شعب حياة، نتقن الفرح رغم الحزن المتكالب عليه، ولن يرضخ للدخلاء.

أمل ويوسف يمثلان الإنسان الفلسطيني الذي يموت ولم يعش بعد، إنها أمل ولم ترَ إلا الألم.

الحوار في الرواية يختلف بين اللهجات المصرية والعراقية والأجنبية حسب بيئة شخصيات الرواية، لكنه يقف عند اللهجة المقدسية ولا يتداولها، وكأنّ الكاتبة توحد اللغة بمناداة لقضية واحدة أعمق وأشمل من اللهجات.

جاد الحب الذي خذلها، تركت لأجله الوطن والأهل وعاشت لأجله في الغربة، يلهب قلبها الحنين، للأم والقدس، حب أبيض في عقل أسود لا يغفلا. أتته بلا ذنب، ولكنه لم يصغ، فهل القدس أيضا لها ذنب؟ ولم جاد يحملها ذنوب لم ترتكبها؟ كيف يقبل جاد أن يتزوج أمريكية؟ ينشد الطهر في رحم لا عذرية له، يقيس بمكيالين دخيل على الوطن وعلى العروبة.  

تتوحد أمل مع القدس من خلال تلك النافذة المطلة على الأقصى، تتذكر ماضيها وتاريخ المدينة، حرق الأقصى عام ٦٩م يشبه حرق روحها حين استشهد والدها وأخوها أمام عيونها، الصمت في محيطها يشبه الصّمت العالمي على انتهاك حرمات الاقصى.

أما كلارا فهي مؤشر لليد الدخيلة، التي تقدم المساعدات وتظهر التضامن مع الشعب الفلسطيني، تستغل ذلك كغطاء لأعمالها الإجرامية.

يشار أن الرواية هي العمل الأدبي الثاني للشاعرة والكاتبة سماح خليفة بعد ديوانها الشعري ” أبجديات أنثى حائرة” ومن الجدير بالذكر أن الرواية ليست بعيدة عن الصياغة الشعرية يتجلى ذلك في رسائل أمل لوالدتها، ويوسف والعم سالم أثناء غربتها عن الوطن.