في البدء الذي لا تدركه الذاكرة، قضى كبير الآلهة، خدمة لعشيقته Alcmène التي تعاني ألم المخاض، أن تؤول السلطة السياسية على الأرض، لأول مولود تنجبه عائلة بيرسي ذاتُ الأصول الإلهية. تضررت الربة السماوية من قضاء زوجها الماجن، فتسللت من رخاوة النص، لتحقق أغراضها الأرضية الوضيعة. فتآمرت مع ابنتها لتحرف القضاء عن مواضعه، وتعيد Alcmène الى لائحة الإنتظار. تركتها في مخاضها الدامي سبعة ايام وسبع ليال، حتى بلغت Nicippé المتحدرة من نفس الأصول شهرها السابع. فتولت الإبنة القابلة ولادتها قبل الأوان، وكان الطفل الجديد أول مولود حقق قضاء زوس وخالف رغبته.

انقلاب سياسي اختبأ خلف القراءات المغايرة، قادتْه الزوجة السماوية التي صرّفت الوقائع بما يناسب حرفية القضاء، ويلائم انتهازية مصالحها، كانت قراءة جديدة للنص. فتسربت الى ذواتنا من قديم قراءتها أفكار انتهازية، يتداولها الآن تحت أقواس المحاكم محامون راغبون في التحرر من صرامة النصوص، ليشكلوا قراءات مغايرة مثلما شكلتها قديما رسائل السلف المرمزة.

ثم وضعت العشيقة متأخرة، وبعد ثغرتها التي ثغرت، إبنا دعته هرقل. عثرت عليه أثينة بعد أن رمته الأم خوفا من انتقام الزوجة السماوية. شب الصبي وجعل نفسه قاضيا يطارد الطغاة والمفسدين في الأرض. قتل أولاده في نوبة جنون، ثم قتل Iphitos في نوبة أخرى، ولم تشأ الآلهة أن يذهب دمُ الأبرياء هدرا، أصابت هرقل بالمرض، وحكمت عليه بالعبودية. وفي سوق النخاسة حيث تنشأ حقوق خارج الحقوق، نسي العبد أيام الحرية المصحوبة بالفضائل، ثم استقر رقيقا عند Omphale. مَليكةٌ شرقية اتخذت منه زوجا بعد شرائه، وبعدما اكتشفت أصوله الإلهية. وربما وصل الى مسامعها شيء عن طاقاتِه الجنسيةَ. التي سبق وانكشفت عندما تزوج بنات Thespios الخمسين ودخل عليهن في ليلة واحدة. مليكة قطفت من اللذات ما زاد حاجتها ومارست من فنون العشق ما كان تأمره فيجلسَ عند قدميها “خاويا يغزل الصوف ويروي للوصيفات حكايا الصبا.”تلك علوم أو أساطير من أساطير الأولين، كُتِبتْ على جريد النخل وأعْظُم الكتف متماهية مع بداية العقل، وما زالت تسكن أعماقه. كتابات ليست أدبا ولا دينا ولا شأنا فلسفيا ولا حقيقة من حقائق التاريخ، لكنها إشارات غابرة مرمزة لخواطر عليا تعبر القلوب، صنعها على رأي السواح “خوف تأصل في النفس يوم كان العالم فتيا مسحورا بعذرية الأرض وغموض السماوات”.

على ألواح الطين وفي البُردى وتحت الرمل، آثار ولُقى نائمة يؤرق نومها صائدو الكنوز، أو رجال يقتلهم شغف المعرفة ودوافع الحفر حول الجذور. آثار ولقى لها معان باذخة قابلة للكسر، تدللها المعاول، وتحفر حول بَيَاتِها بأناة ورفق زائدين، لتحتفظ اللُقى بكامل معانيها تلك التي نقلها وينقلها البحث والترجمة والتأويل من أفق الى أفق. والمؤولون كلاب صيد تتعقب المعنى، تتعقبه دون أن تمسك به، ذلك أن المعنى كامن خلف استعارات تربك القصد وتحجبه.

انتشرت في الإمبراطورية الرومانية أفعال التدليس، كأن يتفق اثنان على أن يبيع أحدُهما الآخرَ رقيقا ثم يعترف الآخرُ أنه حرٌ وأدلس. أيها العبد المدلِّس والملَوث بالخطايا، يُصاحب العشقَ قليلٌ من قساوة القلب، فكيف تدحرجتَ خاويا بلا مقاومة نحو العطب، حتى لو كان الجسد ضاغطا مغريا صاخبا مباحا كجسد الملكة والروح مثل روحها مشبعة بثقافة الزانيات.

أيها العبد المطارِد للطغاة، جنون وقتل وتدليس بسوق النخاسة أم متع مشوهة كليلة الخمسين…”توقفوا توقفوا…“ قال العبد. “إنه ليس الجنون الذي سلبني العقل، لكنه شيء أخطر من الجنون ومن الغضب، إنه ليروقُ لي أن أعصف بنفسي” (مسرحية سينيكا) وراق له أن يغط في سُبات عميق “أكثر الساعات فائدة” ويمضي الليل بين ساقيها فتطعمه السُمان وجذور النبت وبيض العصافير وتسقيه الحليب المحلى وعرق السوس وتطيب مضاجعه بعطر الليل لتدرس في غفلة الوقت مثاغر العبد وترسمَ خرائط المواقع فيه. كما عصف بالنفس ترف شرقي تضمخ بالمُرّ السبئي وغزارة اللون. ترف تُشَكّلُ اللذة الجنسية او الصرع الخفيف دعامته الأولى. (توصيف اللذة عند أبقراط). جَبَلَ هرقل الصرع مع السلطة السياسية بعيدا عن مشاعر الحب فقلما ترافقت تلك المشاعر مع الجلالة وأقامتا معا. (أوفيد). مات هرقل على يد تيفون أحد عمالقة ليبيا، ثم عاد للحياة بعد أن انعشت روحَه رائحةُ السُمان المشوي. لم يمت لأن الأساطير عصية على الموات وكذا الذكريات القديمة. لها جميعا حضور ضاغط في النفس، يبحث في الحكايا السالفة عن مؤونة يمتليء بها فراغ الذات. فراغ حفرته الوجودية في الكيان وما زال الحفر قائما، وقائمة صلات عميقة وحميمة بيننا وبين الأساطير، يلفها التساؤل والغموض كما يلف منحنيات النفس قاطبة. وكان الأجداد الأوائل كلما ردموا فراغا أو سؤالا ردموه بلغة غامضة أو بلغة الفلسفة. فقد كانت الأذهان مشغولةً دوما بالأسئلة الكبرى، وهي على مرمى حجر من حقائق الخلق الاولى.

للنصوص معان غافية، وأخرى يقظة، وثغراتٌ تسقط فيها الكتابات. كما سقط في عثراتها قضاء زوس، عندما أخذ قراره في نقل السلطة السياسية الى ابنه من Alcmène. لكن قراءة Héra الحسودة والغاضبة قوَّضِت القضاء، وأقامت وريثا آخر مخالفا لرغبة الزوج. فانتقلت السلطة السياسية الى ابن Nicippé، والطفلان موضع النزاع والقراءة، من أصول إلهية واحدة تعود للبطل الإغريقي بيرسي. تلك هي القراءات المغايرة والعاملة على توليد الدلالات الجديدة.

القراءات المغايرة هي نماذج مختلفة من التلقي. تشتغل دائما بتصنيع النص الذي يخرج ــ بمجرد نشره ــ عن سلطة الكاتب، مثلما أعاد قراء السنابل تصنيعهم “وُسطى الأباخس” للكاتب المغربي عبد الجليل لعميري. وإعادة التصنيع هي على العموم إكراهات يمارسها المتلقي لتوجيه النص في مسارات لم يكن فيها. فرغم الحماية الإلهية كان للقرآن سبعُ قراءات متواترة من زمن الرسول، زادها إبن الجزري ثلاثا، ليكتمل العقدُ على عشر قراءات. ظهر فيها أكثر من ألف وسبعماية اختلاف على رواية بن مسعود، وهي اختلافات راكمها النساخ، الى جانب ما راكم التأويل من قراءات جدّية وجديدة.

قد تكون المغايرة في اللفظ والتركيب وقد تكون في النحو الذي يُخرِجُ المعاني عن قصد اللغة وسياقها، لتلعب المغايرة دورها في إعادة التصنيع ما دامت اللغة أو النحو وسيلة تواصل يتجنّب بها الكاتب اضطراب القراءة أو ازدواج معانيها. أمام الكِتاب، تتفتح دائما ملكة القارىء فيقول ما لم يقله المؤلف. القارىء منتج جديد للمعاني مثلما أنتجت هيرا الحسودة المتعالية كل المعاني المناقضة لرغبة القضاء الإلهي. والنص حتى المقدس منه مقيم دائما في دائرة التأويل أو التحريف الذي يشكك بأصالة المعنى وثباته.

من المحدودية الذهنية إقصاءُ القراءات المغايرة لصالح قراءة واحدة تدّعي الإحاطة بكل شيء. في النص دائما أشياءٌ ملتبسة وأماكنُ هشة يُطِل منها القارىء على عوالم لم يكتشفها المؤلف ولم تخطر على باله. لا حبرَ إلا وتلعبُ به المغايرة. ولا كتابَ إلا ويتصرف به القراء. فالكتاب “الذي يفكر بالنيابة عنهم ليس جديرا بالقراءة، على قول James Magochi، الجدير بالقراءة هو الكتاب الذي يدفع المتلقي الى محنة التفكير”. تلك هي المغايرة. إنها إذا مكائد الكتابة والقراءة.