الجزء الأول
في درج المكتب، الذي أجريت فوقه حواري مع القصة القصيرة، كانت ترقد مسودة “للمترهلة “كما تسميها القصة، بدأت كتابتها قبل سنوات خلت، و قد تلصصت على حوارنا من الفه إلى يائه …نادتني من عمق الدرج :أيها الكاتب المراوغ. ..اخرجني لاكلمك أو الكمك. ..
كان البرد القارس قد أخذ مني مأخذه، و لم تكن لي رغبة في المزيد من النكد خلال هذا الليل البارد. كنت أرغب فقط في العودة إلى فراشي لأنعم ببعض الدفء، وأنا أتذكر  الم من لا دفء لهم! 
و فكرت: ماذا لو عادت تلك القصيرة وضبطتني متلبسا بالحوار مع عدوتها اللدودة؟ أكيد ستحدث معركة عنيفة تشبه معارك نساء بالحمام العمومي. ..ويسيل مداد كثير أقصد دماء كثيرة. ..!!
و رغم تخوفي فتحت الدرج و أخرجت كراسة كتب على غلافها بلون أسود فاحم :”ولد الحرية “،واسفل العنوان: مشروع رواية عن خالي. .. وقفت تلك الشبيهة بالرواية وصرخت في وجهي: أصبحت تسايرها في كلامها وتنعتني بالبدينة. ..وتسميها بالرشيقة! تلك المريضة بالانيميا. ..البخيلة في سردها ووصفها وحوارها. ..هل تعلم ان عشقك المنافق لها هو مجرد عجز عن كتابتي أنا؟ !أنت تكتبها لانها “اتان الأدب ” و الجدار القصير. ..ظللت صامتا وهي ترغي و تزبد. ..ثم قاطعتها :سيدتي. ..هل تغيرين منها؟ أليست اختك الشقيقة؟ الستما ابنتا الحكي بكل خلاياه الوراثية؟ و ما العيب في أن يعشق كاتب ما كل أنواع التعبير والكتابة؟ !
عقدت ما بين سطورها السردية المدثرة بالوصف والحوار، و زمجرت :التعبير مقامات، وعلى الكاتب احترامها. ..أنا سيدة الزمن الحديث. ..ألم يسم النقاد الزمن باسمي :زمن الرواية؟ ! ألم احطم كل الأرقام في النشر والفوز بالجوائز ؟ ألم ارتبط بأعظم أسماء المبدعين في العالم؟ دوستيوفسكي، كافكا، ماركيز،  منيف، محفوظ، كنفاني. …روائيون كبار. …ألا تخجل من مقارنتك لي بتلك النحيلة العجفاء! ؟ أنا أقدم للقارئ المتعة والمعرفة عبر الصفحات و ساعات من القراءة. ..أما هي فمجرد “ساندوتش “مغشوش لا يسد رمق الجائع! بل إنها تشبه البضائع غير القابلة للاحتفاظ بها. ..تستعمل مرة واحدة وترمى مع القمامة! !
عفوك، قلت، هذا تجني على لون تعبيري له مكانته وجماليته. ..وعليك أن تعترفي بالمنافسة بينكما بروح رياضية. ..وما عليك فهمه هو أن الكاتب الملتزم يقاتل من أجل حريته، و عليك أن تتعايشي مع رغباته واختياراته المتنوعة. ..أما مسألة العجز والسهولة فهي أمور نسبية! فالكتابة فعل شاق، ولا يقاس بالطول أو القصر ولكن بالشحنة النفسية والإحساس الصادق والرؤية الوجودية العميقة التي يبتها الكاتب في موضوعه…
قالت: هراء، أيها الكاتب الكسول، عليك ان تفتح عينيك وتنظر إلى الحقيقة :ماذا جنيت من “وسطاك “غير الفتات؟ كم بعت من نسخة؟ 
– يا لحقدك الكريه، قلت،هل تعلمين أن الأمور لا تقاس بهذا الشكل؟ الكتابة مسؤولية ومهمة نبيلة، لقد قمت بدوري الذي هو الكتابة المنحازة. …اما النشر والربح فهو أمر مرتبط بأزمة المجتمع. …وأزمة القراءة و أزمة  تدهور القيم … أليست هذه هي مضامينك؟ ! فلماذا تتنكرين لها! ؟
ومع هذا فالصلح خير، لماذا لا نعقد صلحا بينكما؟ 
أنتما بمثابة عيني الكاتب. …فهل يعقل أن يتخلى عن واحدة ليحتفظ بواحدة! ؟ ما يمكن ان يقوله الكاتب في القصة قد لا يناسب ما يريد قوله في  الرواية…والأمر نفسه في جميع انواع التعبير. ..
قالت: مع ذلك فأنت منحاز لأنك لم تنجح في كتابتي. ..وعليه سامنحك مهلة. …تخلص من كسلك واكملني ويومها ستغير رأيك في الموضوع. ..ولن تحتاج لعين ثانية غيري. ..
وانغلق الكراس في وجهي وسمعت صوتا يقول: اعدني إلى الدرج فعزلتي ارحم من هذا النكد. …
نفدت أمرها، و اعدت الكراس إلى الدرج، وانسللت نحو فراشي لاعانق بعض الدفء. (قد يتبع )…. (7/2/2019).
الشماعية /عبدالجليل لعميري.

الجزء الثالث