أوروك 

أو الوركاءُ كما جاءت في معجم البلدان للشيخ الحموي. مدينةٌ تعود الى عصور ما قبل التاريخ، تم اكتشافُها خلال عملية تنقيب ألمانية، على بعد عشرات الكيلومترات من سماوة العراق في وادي الرافدين، وهي أكبرُ مدن العالم في حينها. بلغ عددُ سكانها خمسين الف نسمة، أي ثلث سكان روما قريبا من الميلاد، والمدينةُ سومرية بابلية، وهي أوّلُ المدن التي عرفت الكتابة المسمارية، التي ظلّت لغةَ الشرق الاوسط على امتداد ألفي سنة. وتقولُ بعضُ الرُقم الطينية، أن السومريين تحدّروا من مناطقَ جبلية خلف البحر. توقّف بعض البحاثة ـ استكمالا لمعلومات الرُقم ـ عند قرابة اللغتين السومرية والشركسية، ورجّحوا أصولا قوقازية للسومريين. واعتبر آخرون أنهم قوم ساميون من أسلاف العرب القدماء في هجراتهم الأولى. بلغت مساحة المدينة ستة كيلومترات مربّعة، وهي أول الحضارات التي استعملت العَجَلة والدولابَ الدوارَ لصناعة الفخار، واولُ من اكتشف النظامَ العشري ومحيطا جديدا للدائرة، كما أنها أولُ المدن التي صاغت الشرائع المكتوبة، ووضعت أسس الرياضيات واستحدثت أنظمة الري وقنواته.

اشتهرت المدينة بمعابدها “الزاقورية” ذاتِ الشكل الدائري، وتوسّعتْ جغرافيةُ الدولة حتى شملت المناطق التي تُعرفُ اليوم بالهلال الخصيب وما أطلقَ عليه اليونانيون لاحقا ميزوبوتاميا. ومن أغرب آثارها، الصحيفة الحجرية التي كتبتْ تاريخ الارض على امتداد مئات الآلاف من السنين قبل الطوفان وبعده، وقد احتفظت التوراة لنفسها من هذه الصحيفة  بالاله “ألوهيم”.

ملحمة جلقامش

اكتُشفت الملحمة عام 1853 ويُعتقد أن جلقامش شخصيةٌ تاريخية، هي الخامسة في سلالة الملوك الذين حكموا بعد الطوفان. ومن انجازاته الباقية حتى اليوم سورُ أوروك، الذي يبلغ طوله 9 كلم (وأنا أكتب عن هذا السور العظيم، حملت الي ابنتي مايا العائدة من ألمانيا، تذكارا من جدار برلين). كان الملك طاغية كبيرا وربّما لهذا السبب أُلّه بعد موته على عادة الحضارات القديمة، لا بل على عادة الحضارة الشرقية تحديدا و”السلفُ المؤلّهُ أشبه بالاولياء الصالحين عند المسلمين أو أعلى منهم قليلا” على قول السوّاح في كتابه جلقامش. ويقول أيضا “أن لدينا من الشواهد الكتابية ما يشير الى دورة ألعاب رياضية كانت تقام على شرف جلقامش في شهر آب من كل سنة، استمرّت قائمة حتى العصر الاشوري وسمّي شهرُ آب بشهر جلقامش”. والملحمة التي ارتبطت باسمه، نصٌ شعري بالأكاديةـالبابلية، كُتب على اثني عشر لوحا من الطين، ووُجد تحت أنقاض القصر الملكي لآشور بانيبال. وتقول الملحمة أن جلقامش ابن ناسوتي للالهة ننسون، وكان طاغية قويّ البنية متسلّطا على أمن الرعيّة وعلى أرزاقهم ونسائهم فقد كان حقُ الليلة الاولى شائعا في الحضارات القديمة. شكاه الناسُ المغلوبون على أمرهم الى مجمع الآلهة علّ الشكوى تخففُ من أحمالهم أو تردّه الى جادة الصواب فكان قرارُ المحكمة خلْقَ ندّ ٍ له يصارعه يوميا فينصرف عن أذيّة مواطنيه، وكلّفَ المجمعُ أورور خَالقةَ الجنس البشري تنفيذَ القرار.

أنكيدو

بطلٌ أساسي في الملحمة، وقد اعتمدت كل أساطير الخلق على الفخّار مادة أساسية، ومن أسرار صناعته أن فراغا يلازمه فيتنفس منه، وأن شيطانا خبيرا بمواطن الضعف رأى هشاشة التجوّف لاحقا فقال ـ كما جاء في الكتب ـ “خلق لا يتمالك ظفرتُ به” وعرف الطينُ على يدي خزّافيه فتوحاتٍ كثيرةً ثم خسر أبدية هبط بعدها الى شرقيّ عدن ليحرث أرضا ملعونة جُبلَ منها وعاد منفيا اليها.

من قبضة طين رمتها أورور في الفلاة، تكوّن أنكيدو بلا رحمٍ، نشأ في البراري مصاحبا لرفاقه الغزلان، رآه صيادٌ ووصفه لجلقامش. أمر الملك باحضاره، وكلّف كاهنة لتتربّص به عند موارد الماء. لمّا ورد أنكيدو، كشفتْ له ثمارا قطفها في ستة أيام وسبع ليال، قطف حتى خارت ركبتاه ورفاقُُه ولّوا بعيدا، أكل الخبز واستقرّ في عالم الرعاة. علّمته الكاهنة فنونا للحب نقلته من ظاهر الأمر الى مضمونه، من الطبيعة الى الثقافة ففي الثقافة صيغٌ راقية للحب، تعلّمَ فيها كيف يكونُ الجسدُ سخيا كالأرض، وكيف تُكوّن الاثارةُ فضاءَه النفسي لتتنوع مصادرُ اللذة، وتعلم أن نشوة النفوذ هي امتدادٌ لنشوة الجسد، واختبر أن الرغبة تصطدم بشيء ما، فترتدّ أكثرَ الحاحا وجوعا، وعرف كيف يتعانق الطينُ والطينُ فتصبح الذواتُ مسالمة مستقرة في عالم الرعاة، معطرة بطراوة الزيت ليخرج منها العنفُ مكمونا الى حدائق النفس الخلفية.

جعَلتْه في حيرة من أمره، ثقيلا كان جسدهُ

خائرة كانت ركبتاه

ورفاقُه ولوّا بعيدا

تعثّر أنكيدو في جريه، صار غيرَ ما كان

لكنه غدا عارفا واسعَ الفهم عميقَه

أكل أنكيدو الخبزَ حتى امتلأ

ومن الشراب القوي أخذ سبعة أقداح

مسح نفسَه بالزيت     

فغدا بشراً سويا.

انطلقت به الكاهنة الى اوروك، تصارعَ البطلان، ثم نشأ بينهما على خلاف الرغبة الالهية، صداقةٌ عميقة. أرخى جلقامش  قبضتَه عن الرعية وألهاه عنهم التأملُ في شؤون الصداقة وفي فلسفة الحياة. ومن مفاعيل الصداقة الجديدة أن ذهبا سوية الى غابة الارز، اقتحما مقام عشتار، وقتلا حارس الغابة، مما أثار حفيظة الآلهة وغضبها.

 

الثور الالهي

عاد جلقامش من غابة الارز مزهوا بانتصاره، نضى عنه ثيابَه الوسخة، مسح أسلحته، اغتسلَ وأسدلَ شعره على كتفيه، على ما تقول الملحمة. شخصتْ اليه عشتار وهامت به حبا، قالت: تعال يا جلقامش كن عريسي وهبني ثمارك. فتح جلقامش فمه وقال متعاليا:

ما هو نصيبي لو تزوّجتك

ما أنت الا موقدٌ تخمد نارُه وقت البرد

بابٌ خلفي لا يحمي من ريح أو عاصفة

حفرةٌ يُخفي غطاؤها كل غدر

قار يلوّث حاملَه

وقربةُ ماء تبلل صاحبَها

حجرٌ كلسي هشٌ في سور صخري

صندلٌ يزِلُّ به منتعلُه

غضبتْ عشتار وأثقلَ ظهرَها عبءُ الاهانات. طلبت من الآلهة أن تسلّمها قيادةَ الثور الجامح لتنتقم من جلقامش وتخرّبَ مدينته، لكن البطلين تصديا له، قتلاه وقدما قلبه قربانا للاله شمش. عندها قررت الآلهة أن تتخلص من أنكيدو، رقد على فراش الموت خائفا يستقبل القضاء، كأن لم يكن قضاءٌ في البرية الأولى، وعلى مقربة من الموت خطرت في رأسه رحلةُ الأرز وجدوى الفعل، لعن المدينة وكاهنة الحب “ومضى على درب لا يرجع بصاحبه”. ومن مآثر موته أن انعطب جلقامش. اشتعلت في قلبه فلسفةُ التأمل وانزاحت أحلام الحرية المطلقة، فخلع لباسَ الحرب، وغدا عارفا حكيماً متبصرا بالحياة. صيرورةٌ ذاتُ هديرٍ ونسمةُ ريحٍ هي، تُزهر في حرارة الزمن القصير، فاذا تطاولَ العمرُ فقدت الحياة رشاقتها هذا ما تعلّمه بعدما التقى أوتنا التقيَ الخالدَ على جزيرته النائية، كان الأخير سجين وحدته مستلقيا على جنبه، لا يفعل شيئا ولاينتظرُ أن يأتيه الزمان بجديد. الخلودُ الذي يسعى وراءه جلقامش كان اذاً شكلا من اشكال العدم. في الخلود لا يمر الزمان، ولا تفعل الآلهة شيئا من دون جريانه، ففي كتاب “الاعتراف “سئل أوغسطين اينٌ القديسة مونيكا، وهو أمازيغيٌ من الجزائر، ماذا كان يفعلُ االربُّ قبل أن يخلق العالم؟ أجاب الفيلسوف المسيحي: قبل أن يخلق الالهُ العالم لم يكن ثمة زمانٌ. هكذا كان أوتنا بلا زمنٍ مستلقيا على جنبه ولا يشعر بضرورة الاستلقاء على جنبه الآخر.

عاد جلقامش من مغامرته حاملا عشبة الخلود، توقف ليغتسلَ، فأكلتها الحيّة قبل أن يدخل التجربة وللحيّات دور حاسم في العبادة وحكايا الخلود. فمن حيّة الفردوس الالهي، الى بيثون الأفعى التي تحرس دلفي، الى الافعى الذهبية أو النحاسية “نحشتان” التي صنعها موسى لقومه، الى الفرق الغنوصية التي عبدت الحية “نحشان”. والحنش كما ندعوه اليوم كلها من جذر سامي واحد وكذلك قبيلة لاوي كما يقول السواح ولواياتان اسم الافعى في العبرية. عاد جلقامش تاركا وراءه المغامرة، وفي قرارة نفسه قناعةٌ صنعتها التجربة. ان السعادة ليست في الخلود، فهو ثبات يتثاءب فيه الفعلُ ولا يمرُّ به الزمان، ربما لهذا استهتر في حمايته لسِرّ الحياة. تذكَّر، وقد أصبحت يداه فارغتين، استراحةً  نصحتْه خلالها سيدوري فتاةُ الحان، محاولة ثنيه عن مغامرة بلا جدوى قالت: “لما خلقتِ الآلهةُ البشر يا جلقامش، قسَمتِ الموتَ نصيبا لهم وحبستْ لنفسها نصيبَ الخلود، فاملأ بطنك واجعلْ كل يوم عيدا، ارقصْ لاهيا في الليل وعلى أطراف النهار، اغسلْ رأسك واخطرْ في ثياب زاهية نظيفة، دللْ صغيرك الذي يمسك بيدك، واسعدْ زوجك بين أحضانك، هذا نصيبُ البشر يا جلقامش من هذه الحياة.”

ومن المثير للفضول، كيف نقل الاصحاحُ التاسع عشر من سفر الجامعة هذا المقطع الشابح الجمال اذ قال الجامعة كأنه ناسخٌ لكلمات سيدوري أو خارجٌ من نفس التجربة. “اذهبْ كُلْ خبزك بفرح واشربْ خمرك بقلب طيب، لتكن ثيابُك في كل حين بيضاء، التذْ عيشا مع المرأة التي أحببتها، ذلك نصيبك في الحياة وفي تعبك الذي تتعبه تحت الشمس. ما تجدْه يدُك لتفعَله، افعلْه بقوّتك لأنه ليس من عمل ولا اختراع، لا معرفة ولا حكمة في الهاوية التي أنت ذاهبٌ اليها.”

وقد شككت المستشرقة الألمانية أنّا ماري شيمل بطبيعة العلاقة الحميمة بين جلقامش وأنكيدو وقارنتها بعلاقة التبريزي وجلال الدين الرومي ونقل عنها السواح هذا التشابه في كتابه ” ملحمة الرافدين”. فقد التقى شمسُ الدين التبريزي بالمتصوف الاسلامي جلال الدين الرومي وكان اعجابُهما متبادلا. عقدا اجتماعا دام ستة أشهر. وبعد أن لقي شمسٌ حتفه بظروف غامضة، انعطب جلالُ الدين ونظم ثلاثين الف بيت من الشعر، أنشدها على نقر الدفوف أسفا على صاحبه. وقد ترجمت المستشرقة الألمانية أشعارَ جلال الدين في دراسة صدرت في ميونيخ. فهل يعثر المنقبون في آثار سومر وبابل بعدُ، وبين أنقاض البيوت الدارسة في الرافدين، على دواوين أُخرى لجلقامش غيرِ الملحمة، نظمها على نقر الدفوف، بعد أن لقي انكيدو حتفه. من يدري؟ ربما كانت هذه الدواوينُ النسخةَ الأولى لثلاثين ألف بيت من الشعر نظمها لاحقا جلالُ الدين الرومي فالتاريخ يعيد نفسه، على خلاف ما قال ماركس، والمرةُ المعادة ليست مهزلة ً ولا الأولى.