إيناس ثابت
الطفلة التي أحترم.. وأحب،
أتمنى؛ وأتوقع لها شأنا مميزا في ابتكار
القصص المفعمة بأرقى المشاعر،
ونص لبنان الأخضر
إن هو إلاّ تعقيب على تعليق لها
تناولتْ فيه على الهامش
وفيه تقول:
شكرا على اهتمامك بما جاء في قاع المحيط.
هذا النص المتواضع لو كان لا يستحق منك هذا الجهد المشكور،
إلاّ أن ما قلتَه سيبقى شرف أعتز به وشمعة طالما أنارت لي الطريق.
 
شرَّفتني وأكرمتني أكرمك الله يا صديقي.
أنت لا تقل عن فيروز في الطهارة ونصرة المهزومين.
فيروز المخلوقة الرائعة نسمة من نسمات مريم العذراء،
التي لم تعد تتسع الأرض لطهارتها فتحولت سفيرتكم إلى النجوم. 
 
“وطن النجوم … أنا هنا   
حدّق … أتذكر من أنا
أنا من مياهك قطرة  
 فاضت جداول من سنا
أنا من ترابك ذرة   
ماجت مواكب من منى
أنا من طيورك بلبل  
غنى بمدك فاغتنى”
هذا أنتم يا صديقي، وهذا هو بلدكم الجميل الذي نحلم به.

 

“مِنْ حَفْنَةٍ وَشَذا أرْزٍ كِفايَتُهم   زُنودُهُم إنْ تَقِلَّ الأرْضُ أوْطانُ
هَلْ جَنّةُ الله إلاَّ *(حيثما) هَنِئَتْ   عَيْناكَ كُلُّ إتِّساع بَعْدُ بُهْتانُ”

 

https://www.youtube.com/watch?v=xnML4ImZnvA

 

هناك من لا يزالُ مخدوعاً بنا يا صديقتي، ويعتقدُ واهماً أننا أرقى الشعوب، ونعيش في أجمل بقاع الأرض..! فهذه مصايفنا فشلتْ في استقطاب السواح إلى ربوعها، وتداعت أوضاعها بفعل الحرب والإرهاب، وما نعانيه في الداخل من العبث وسياسة النكد. وسهولنا تصحَّرتْ لشّح الينابيع، والعجز عن ترشيد ثروات الطبيعة. وما بقي من مياه ملوَّثة لم يعد كافياً، لنغسلَ به عارَنا وخطايانا وأجسادَ موتانا. لم يبقَ لنا إلاّ “هواءٌ أصفر” هبَّ علينا من أربع رياح الأرض.

وجبالُنا تحوّلتْ إلى مقالعَ نهشتْها الكسارات، ونقودٍ من ذهب خالص في حسابِ السياسيين المرتكبين. “وأرزُنا رمزُنا للخلود” فَتَكَتْ به سوسة عصيَّة على المبيدات، وتحوّلَ إلى حطبٍ في مواقدِ المهجّرين؛ وأرضُنا – بتعبير الشاعر السوري محمد الماغوط – “لم يعدْ ما يربطُنا بها إلاّ الحذاء”… “والحبلُ على الجرَّار”.

أنتِ مغشوشة بنا يا عزيزتي؛ فعبدالله يعيش ويعمل في إيطاليا منذ عقود ثلاثة وما يزيد، ومروان في أمريكا دخل أولاده الجامعات، وحسام على باب الله لم يُوَفَّق في كندا فعاد إلى الخليج. وأسامة بدوره لم يؤاته الحظ للحصول على “ڤيزا” للسفر. وأحمد داسَ على شهادتِه الجامعية ثم تركَ الأولاد في عهدة سارة، وفتحَ مطعماً للفلافل في “ليما سول”..ليرعى معيشة أسرته ومستقبل بنيه.

و”رينا” المهندسة المبدعة، “شَحَّدَتْ” أهلَها بفعل الأقساط الجامعية المرتفعة، وحَظيتْ بفرصة سريعة للعمل في شركة استشارية، فائدتها لا تعود بالنفع علينا. واللائحة تطول على مساحة الوطن، ولا تنتهي إلا بالهجرة إلى بلاد الاغتراب، والحنين إلى أوطان لم تعد تستحق سفح العواطف بالمجان.

أما الكهرباء وشركتها الموقرة، نبع الفساد والثروات غير المشروعة، وأهم روافد المال المسروق إلى جيوب معظم من تعاقبوا على إدارتها، فلا تزودنا بالطاقة التي نحتاجها إلاّ ما يعادل حجم السّعدان مع الفيل. ولا زلنا نعاني تقنينا قاسيا، تواصل عقوداً طويلة منذ بداية الحرب الأهلية..! لبنان يعيش في العتمة منذ أربعة عقود.!! زمنا يساوي نصف ما يعيشه الإنسان.

بالأصالة عن نفسي، والنيابة عن أهلكَ وذويكَ يا بسَّام؛ فَلْتَبْقَ في ألمانيا ولتتزوجْ وتشترِ منزلا، وتنسَ هذه البلاد كما نَسِيَها ملايين المهاجرين، فبلادك الجديدة تحترم الإنسان وتقدِّسُ سلطة القانون؛ ولا تنسَ أن تشجِّع زياد، لكي لا يقتله الحنين إلى وطن تستبدُّ به الطوائف والمذاهب والأهواء، ويحكم بعض مرافقه شبق الرجال وسيقان الحريم؛ “فزنودُكُم- بتعبير سعيد عقل- إن تقلَّ الأرضُ أوطانُ”.

و الأسوأ من كل ما ذكرتُه لك أن يعود ليحكمنا -إيَّاهم- من كانوا السبب في اندلاع الحرب الأهلية، بسبب نظام انتخابي فاسد، يرعى مصالح الطوائف قبل مصلحة المواطن، ويستولد السلطة إياها في كل انتخاب. هذا يا صديقتي كل ما بقي من لبنان “وجبال الصوان” “وحلياني الدنيا بلبنان الأخضر”.

أما لبنان جبران النّبي، ونعيمة وبشارة الخوري وفؤاد سليمان، وأبو ماضي ورشيد أيوب، وسعيد عقل وجوزيف حرب، وميشال طراد وطلال حيدر، ووديع الصافي وفيروز والرحابنة، وصباح ونصري شمس الدين وزكي ناصيف..؟ فلم يعد إلاّ في الخيال.

هذا “اللبنان” يا عزيزتي انتهى إلى الأبد، العوض “بسلامتكن”. تحول إلى مياه آسنة نحن من عداد من يسبح في مستنقعاتها، وعاد ساستُه وملوكُ طوائفه، بعد حرب طويلة طاحنة بيننا إلى سياسة الترقيع والتمويه والتسويات الملتبسة، أقله استباحة دماء الأسرى في سابقة مخزية، فيها غدر وخسَّة ليست جديدة على العرب وبعض المسلمين.”تبلّغوا وبلِّغوا” يا سادة يا كرام: أن من كان يُحْيِي الموتى عاجزٌ أن يَرُدَّ الروح إلى لبنان، وآن لكم أن تيأسوا من هذا الوطن المذبوح.

 

من أشعلوا الحرب الأهلية

عادوا بأنفسهم ليخمدوها

ويحكمونا من جديد..!