– على ضفاف النيل تبوح بكل مشاعرها في ثقة الخل لخليله، تداعب بعض من همسات السكون في وداعة الاطفال وتدلل النساء بين الرفيقات اللواتي يخرجن كل مساء لملء تلك الجرات الفخارية من نهر النيل، هنا وقفت “فاطمة” تحت شجرة التوت لتلقي نظرة عابرة على الشط الاخر للنهر في لحظة الغروب، تذكرت تلك الايد الحانية وهي تسلم عليها في ليلة الوداع الاخير حيث سيسافر خطيبها الي وحدته العسكرية في العريش بشمال سيناء، لم تملك من امرها شيء غير ان تنظر في عينيه وتحاول تحقيق قدر من الاشباع البصري يصاحبه اشباع وجداني وهو مازال يمسك بيدها ويتامل تلك الشفاه التي لم تتحرك ولو بحرف رغم انها قالت احاديث كثيرة بنظرات عينيها الهامسة ونبضات قلبها الحانية، تركها وخرج، وقلبها هائم حوله طائرا يحرسه من تلك المخاطر الشاردة علي ارض سيناء من هؤلاء المتامرين على الوطن، سمعت صوته هامسا مع نسمات المساء هاتفا في اذنيها “انا هنا أدافع عنك وعن كل النساء في وطني، انا هنا أموت عشقا في هذا الوطن لانك احدى حرائره………” جاء صوت زميلتها من جوف المنحدر الترابي الي سفح الشاطىء تستغيث بها لان الماء قد جرف جرتها الي الداخل ولم تعد لها القدرة علي الابحار في الماء لتاتي بها مرة اخرى، جرت فاطمة الي اسفل المنحدر تصرخ فيها لا تنزلي فقد قالت لي أمي ان تلك المنطقة مسكونة ب (جنية البحر) والمساء دخل علينا، لا تجازفي او تغامري في النزول خلفها، الجرة عائمة علي سطح الماء تروح وتغدوا مع حركات الماء المنحدر في جداول من الجنوب الي الشمال، وقفت هي وزميلتها على الشط بين ضفاف الحيرة ودخول المساء، من بعيد بدي صوت قارب بوسط النهر يحاول راكبه التغلب علي دفع الماء في الاتجاه المعاكس، حاولت ان تنادي عليه بصوت عالي بان يقترب، إلا ان رفيقتها جذبتها من جلبابها بالا تنادي فهم لا يعرفون من هو، ربما يسيء اليهما، إلا أن فاطمة قررت بان تنادي عليه في اصرار، اقترب اكثر اشارت اليه بان ياتي بالجرة التي جرفها الموج بعيد في غيم النهر، فجاء ناحية الجرة امسك بها واقترب من منحدر البنات، كان قلب زميلتها يدق بسرعة امسكت بيد فاطمة التي دهشت من فعلها، خرج الى الشط شاب وديع مؤدب في نظراته وكلامه اعطى لهما الجرة بعد ان ملأها بالماء ورفعها عليها ولحقت بها فاطمة التي لاحظت انها لا تنطق باي حرف صعدا الى اعلى الشط وكان الارتباك هو المسيطر عليهما، سالتها فاطمة ما بك؟

– لا شيء.

– لا يبدو عليك اشياء وليس شيء واحد ما الخطب هل تعرفين هذا الشاب؟

– لا……….. لا اعرفه وتلك هي المرة الاولى التي اراه فيها.

– ما الداعي لهذا الارتباك الذي تجلى عليك ولمحه هو ايضا وقد بدا عليه وهو يرفع عليك الجرة.

– احدثك الصراحة يا صديقتي.

– نعم احكي لي.

– هذا الشاب لا اعرفه وتلك هي المرة الاولى التي التقي به……… ولكن هو يشبه شاب يراود احلامي كثيرا منذ زمن وكلما جئت الى النهر انظر اليه لعلي اي هذا الشاب الذي يلاحقني المنام والخلاء ويحدثني كثيرا عن حبه لي وسمعت منه اغرب كلمات الحب والعشق والغرام……… تسحرني كلماته، صوته رخيم عذب به شجن وحنين.

كثيرا ما اخذني في الليل عبر هذا النيل الي الجنوب لنرى تلك الالهة العاشقة في معابد الكرنك والشمس كنا نلهوا طوال الليل نبحث عن اسرار الحكايات ولا ننتهي الا حين يجذبني من يدي ليضمني اليه فاصحو من نومي، ابحث عنه في واقع ايامي، احاول استكمال النوم مرة اخري كي الحق به فلا استطيع انتظرا نوما اخر، واليوم حين جرف الماء الجرة لم اتوقع تلك الاطلالة وتلك الملامح الاتية من عمق النهر الي الشط، اصابني الارتباك واخذتني الحيرة مابين الحلم والواقع، كنت انتظر منه ان ياخذني الى عالمه النهري في غياهب المعابد الفرعونية في الجنوب. كنت انتظر……… كنت انتظر.

– تلك هي نواميس الحب العذري الذي يسكن قلب البنات في طقوس الحلم الوردي.

– لا لقد عايشت كل الطقوس معه في رحلاته اليومية عبر النهر وشغاف البحث عن مكنون الحكايات……….؟

-هل تصدقي باني ايضا عايشت الحب منذ قليل وانا أركن إلي جذع تلك التوتة وتذكرت حبيبي وهو يودعني عند سفره وأراه يحدثني في كل خلاء خصوصا عندما أحمل جرتي وأجيء معك الى هنا كأنه يسكن في هذا المكان.