لم يكن الفكر السياسي إلا انعكاسا لانتظام الحياة في المجموعة البشرية كما وصفه افلاطون في  محاورة Protogoras.  فقد تجمع الناس في المدن ولم تكن لهم دراية في فن الحكم، لذا ارسل زوس من يحمل اليهم الوقار والعدالة ليستوي انتظامهم وتعاونهم. رغب هرمس في نشر حمولته على قلة مفضلة من الناس. قال كبير الآلهة: لا، لا تفعل، بل وَزِّعْهما على جميع الناس خلافا لما وَزَّعْتَ عليه الفنون والمهارات الحرفية. يجب أن يأخذ كل فرد بنصيب من هذه الفضائل، فلا تنشأ المدن وتقوم الدول لو قُسِّمت هاتان الفضيلتان خلاف ذلك.  

 كونت القبائل الاتكية تاريخ أثينا، وكانت إرادة التجمع فيها من أبرز التجارب التي عرفتها أنظمة الحكم وأشدها تأثيرا على تاريخها السياسي والإنساني. وبالرغم مما شاب ديمقراطية أثينا من نقائص ــ ولاعتبارات كثيرة ــ فقد زاحمت الديمقراطيات الحديثة في كثير من تجلياتها. فتساوى فيها المواطنون (الأحرار) جميعا أمام القانون، وكان حق الإنتخاب محصورا بمن بلغ الحادي والعشرين من عمره. السن التي تؤهل المواطن ليلعب دور الحاكم او القاضي عندما تقع عليه القرعة ليلعب دوره السياسي أو القضائي. وكانت تلك وسيلةً يشارك فيها كل مواطن في إدارة الدولة. وحتى لا تقع الديمقراطية في المحاذير التي أشار اليها سقراط عندما وصف الديمقراطية بحكم الرعاع الذي تتفشى فيه الأمية، قرر المشرعون تفاديا لأهواء الرعاع أن يجتاز الذين تقع عليهم القرعة امتحانا أخلاقيا صارما يدعونه Dokimasie وهو امتحان من شأنه أن يرهب ضعفاء النفوس. فقد كان على الممتحَن أن يقدم للآلهة تمثالا ذهبيا بالحجم الطبيعي، لو قبل رشوة أو هدية من أحد. وبالرغم من هذا الإمتحان، فضّل سقراط حكم النخبة الذي رست عليه التجارب السابقة. 

في أتكا مدنٌ كثيرة ومتباعدة ترهقها صعوبة المواصلات التي كانت تعرقل في أغلب الأحيان انعقاد الهيئة الحاكمة. منها مدينة Brauronia التي رفع من شأنها إقامة أرتميس فيها، فحج اليها الناس لإحياء “حفلات الدعارة والتقى”. ومنها Pharcattys التي تنعقد فيها المحاكم المنصرفة لمحاسبة المنفيين الذين ارتكبوا جرائم القتل المتعمد، هؤلاء الذين لا يسمح لأقدامهم أن تطأ أرض أتكا، لذا يدافع المحامون عنهم وهم في قوارب على شاطيء البحر. وعلى الشاطىء أيضا كانت تتربع مدينة Sunium بهيكلها الكبير. هيكل Poseidon إله البحر الذي “يُقدّم اليه الملاحون أقدس نذورهم وأعظمها”. وقد تكون  أثينا أكبر المدن،  وأول من قال بالديمقراطية الأرستقراطية التي أسسها الحاكم Perikles ضمن رؤية جريئة وناضجة للحرية التي  تقوي روابط الألفة بين المواطنين وتعطي للعقل مكانا مرموقا وسلطانا واسعا في وضع القوانين وذلك عندما قال: “إن حرية الجميع تقوي روابط القلوب، يتشارك تحت سمائها الناس بألامهم وأمالهم، يكرمون الخيرين ويعاقبون الآثمين. فمن الوحشية بمكان أن يُكره الناسُ بعضهم بعضا على شيء ما بالقوة. إن مهمةَ الرجال تحديد العدالة، واتخاذهم العقل هاديا ومعلما في وضع القوانين”. ولم تكن الأرستقراطية صفة ملازمة لنظام الحكم لكون الأحرار هم الوحيدون المعبرون عن “الإرادة المتحدة للمدينة”. وإنما لاعتراف الأحرار جميعا بالسيادة المطلقة للقانون.  حيث وضع أرسطو له اللُبنة الأولى بقوله: “إن السلطة تنبع من الجماعة وليس من شخص الحاكم. وإن خير الحكومات تلك التي يسود فيها القانون”.

كانت الإجتماعات تعقد في ساحات أثينا وتُسمى Ecclesia، يُدلي فيها المواطنون الأحرار بآرائهم، فتتخذ قرارات الدولة مباشرة، ويتم التصويت عليها بالقبول أو الرفض. عُرف ذلك بالديمقراطية المباشرة التي كان للفرنسيين فضلُ وضعها موضع التطبيق العملي في وثيقة الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الإنسان. رافق الديمقراطية المباشرة إشراف المحاكم على أعمال الموظفين حتى بعد انتهاء خدماتهم. سلطة تشريعية وقضائية أرسى دعائمها (508 ق.م.) Cleishenes اشد الحاكمين استنارة.

ترتبط الديمقراطية بالتعليم ارتباطا وثيقا، وتعاني من ضآلته عموما أنظمة اليوم خاصة الشرقية منها. قلة في أثينا كانت تعرف القراءة والكتابة، فتنافر العمل اليدوي مع المواطنة كما تنافرا في جاهلية العرب، إلا العمل الفلاحي الذي بقي أساس المواطنة لمساهمته الفاعلة في اقتصاد الدولة. لا يفعل الذين ينسجون الثياب ويبنون المساكن… إلا أن يعطوا للآخرين الوقت اللازم للبحث الفلسفي، لنحت التماثيل وتأليف الكتب. لقد اختفى نظام امتلاك العشيرة للأرض، فشكّل الكادحون فيها، يساعدهم أرقاء كثر، عمادَ الإقتصاد اليوناني. استأثر الفلاحون وحدهم بامتلاك الأرض وبالتالي استمتاعهم بالحقوق السياسية. ولم يكن الإنتاج الزراعي ليغطي ربع الحاجة الوطنية من الحبوب لذا عمد بركليز لاستعمار مناطق جديدة، حملت اليها السفنُ الزيتونَ  والنبيذَ وعادت مثقلة بالحبوب. “لكن الدولة حرّمت تصدير التين لاعتباره مصدرا من مصادر الثروة الوطنية. ساعد ازدهارَ الإقتصاد عقولٌ ناضجة ومناخٌ باردٌ مضيء تنشط تحت شمسه الساطعة زراعةُ الكرمة والزيتون. وصفه Cicero فقال: هواء أثينا له تأثير كبير وساحر على عقول أهلها.  ولم يعد هذا الوصفُ اليومَ وصفا أدبيا فقد حذرت دراسات صينية حديثة من الإعاقة الذهنية للأطفال نتيجة التلوث البيئي الحاد في سماء الصين. 

كان ذوو الحقوق السياسية منقسمين على أنفسهم، تتقاذفهم خلافات كثيرة حول توسيع الحقوق السياسية أو تضييقها. يقول ويل ديورانت: “إن الحزب المناهض لترف الأغنياء رفع ــ في حمأة الصراع السياسي ــ الى مصاف الزعامة في أثينا رجالا عديدين عرف منهم Cleon  دابغ الجلود، و Lysicles بائع الأغنام، وEcrates بائع حبال السفن وCleophon صانع القيثارات”.

كانت الأكليزيا تعقد اجتماعاتها عند مطلع الفجر، حيث تُعرَضُ التشريعات الجديدة في الجلسة الأولى من كل شهر. “فإذا تبين بعدئذ أن الشرائع شديدة الضرر، كان من حق أي عضو أن يلجأ خلال عام من قبولها الى ما يسمى “عدم الشرعية” Graphe  Paranomon فيطلب أن تُفرض غرامة على صاحب التشريع، أو أن يُحرم من حقوقه السياسية أو يعدم وكانت هذه طريقة أثينا لمنع العجلة في التشريع”. 

يقودني هذا ــ والشيء بالشيء يذكر ــ الى ما يشوب القرار اللبناني من الخفة وعدم الشرعية. ففي عام 2007 وقّعت الحكومة اللبنانية بقيادة الرئيس السنيورة اتفاقا شديد الضرر لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص. لم يصل الإتفاق للمجلس النيابي بسبب الخلافات السياسية، لكنه ألحق خسائر فادحة بالثروة اللبنانية، استولت اسرائيل  من جرائه على مواقع تنقيب داخل الحدود اللبنانية بلغت 845 كلمترا مربعا وقد يزيد ترسيمٌ عمودي على خط الساحل المساحةَ الى ضعفيْها. فهل يستحق موقِّع الإتفاق عقابا كالذي نص عليه قانون غراف بارانومون؟ 

يقول ديورانت إن الجمعية الوطنية كانت “تستمع دوريا الى الخطباء الذين يطلبون الكلام،  حسب أعمارهم، وخلال وقت تحدده الساعة المائية. وقد يُحرم من الكلام العضو الذي لا يملك أرضا، أو غير المتزوج زواجا شرعيا. الذي أهمل القيام بواجبه نحو أبويه، أو أساء الى الأخلاق العامة. الذي تهرب من القيام بالواجبات العسكرية… أو أنه مدين للدولة بمال أو بضريبة”. 

كانت القوانين مع شيوخ القبائل وشيوع الأرض شأنا دينيا. كما هي الحال في بعض الدول الإسلامية، لكنها لم تلبث أن تحررت من وصاية الدين لتنتظم في قوانين وضعية تتغير بإستمرار وتنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم كما شرّعها الحكماء الأوائل: Drakon وsolon وPerikles الذين حفروا قوانين الدولة على ألواح من الحجارة كأنها ترسخ تشريعا ثوريا يقول: “لا يُفصلُ في مسالة إلا بالإستناد الى قانون مكتوب”.  

يقول تاريخ الحضارة: ” إن إصلاح القضاء آخرَ ما تقوم به الديمقراطية، فقد كانت قضايا المواطنين تتراكم بين أيدي القضاة كما تتراكم في المحاكم اللبنانية. ذلك أن الأثينيين كانوا كثيري التقاضي. ولم يكن في المحاكم ما يعرف اليوم بالمدعي العام، لأن الدولة كانت تعتمد على المواطنين في اتهام الناس. ما ساعد على كثرة النمامين (أكثر مما عليه النميمة اليوم في قصر الرئيس الاميركي، على ما وصف Woodward في كتابه: خوف ترامب في البيت الأبيض). نمامون يتهمون الآخرين بهدف إبتزاز أموالهم خاصة وأن المحاكم لا تميل لتبرئة الأغنياء القادرين على دفع الغرامات. وقد أشار الى ذلك Crito صديق سقراط بقوله:  يوجد في هذا الوقت بالذات أناس يرفعون عليّ قضايا، وليس ذلك لاني ظلمتهم، بل لانهم يظنون أني أُفضِّل أداء مبلغ من المال لهم على تحمل عناء الإجراءت القانونية”.

 لقد كانت الديمقراطية والفلسفة تتنفسان من هواء نظيف ومشترك، رأى افلاطون التعارض بينهما، لكون الأولى تنتهك، بتقديره، النظام الطبيعي للمجتمع، الديمقراطية نظام يديره أمِّيون حمقى، ينزلقون بلا حساب مع أهواء الشعب وشهواته، وهي بعد ذلك نظام مفتقر للوحدة السياسية، النظام السياسي الناجح يتولى فيه الحكم ممثلون عن إرادة الشعب يرفدهم بالعلم والمعرفة أهلُ الخبرة وأصحاب الإختصاص. تلك فلسفة قائمة على مقولة أن الفضيلة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمعرفة. ما سفه الديمقراطية باعتبارها سببا مباشرا في ضعف الدولة وفي تفككها وانحلالها. بينما رأى أرسطو أن الدولة الفاضلة تتشكل من الطبقة المتوسطة “التي لا يكون أفرادها من الفقر بحيث تتكسر أجنحتهم ولا من الغنى بحيث ينشبون أظفارهم “كما رأى أن النظام السياسي نظام متغير متطور، يحمل في آن واحد، كديالكتيك هيجل، بذور صلاحه وبذور فساده، ويشكل فيه القانون ضمانة الحكم الدستوري. متفقا بذلك مع معلمه في ربط السياسة بالأخلاق. ومُقسِّما السلطات الى ما هي عليه اليوم من : تشريعية وتنفيذية وقضائية. 

في محاورة افلاطون يقول بروتاغوراس “لا يسمح الأثينييون إلا لأصحاب الرأي منهم بالمشاركة إذا ما أثير جدال حول الفن أو التجارة او أي مجال آخر من النشاط الإنساني. ولكن عندما يتعلق الأمر بالفضيلة السياسية التي تتطلب نوعا من العدالة والحكمة فإنهم يتقبلون أي شخص يتكلم عنها. ذلك لأنهم يعتقدون أن كل إنسان يجب أن يحظى بشيء من هذه الفضيلة. ولا تقوم الدول إلا على هذا التوزيع الحكيم لكبير الآلهة.

لقد تأثرت أثينا بما قدمته معارف الشرق القديم. فارتقى الفكر السياسي الى مستوى العلوم المنهجية بعد رحلة شاقة ساهم فيها حكماء وفلاسفة وشعراء كبار لا سيما Pindar الذي كونت أشعاره مناخا تقدميا وعقلية جديدة صَدَرَتْ بوحيهما وتأثيرهما تشريعات صولون  (640 ــ 560 ق.م.) التي نصت بعد الحرب الأهلية على المساواة الإجتماعية من خلال الإصلاح الزراعي وتنظيم الحِرَفِ والحد من بذخ الطبقة الغنية وإسرافها، ما كرّس السيادة الفعلية للقانون. لقد أصدر صولون عفوا عاما أعاد بموجبه الحقوق المدنية لمن تم نفيهم. ألغى ديون الأفراد وديون الدولة ومنع استعباد أي شخص مقابل دين يعجز الشخص المعني عن تسديده (قانون التفليسة). وبالإضافة لإصلاحاته الضريبية، أحيا مجلس الشعب ومجلس المحلفين وأصبحت إدارة الدولة خاضعة لقوانين مكتوبة لا بل منقوشة على صخور أثينا. 

مع القبيلة، لم تكن الثروة الفردية معترفا بها، كانت تعود بعد الوفاة مباشرة الى القبيلة. الى أن أرسى صولون قانون الوصية وأشراطها. فأصبح من حق الرجل أن يورّث ثروته لأبنائه، أو لمن يشاء إن لم يكن له ولد. كما سن صولون قانونا ذا طبيعة مدنية وتربوية يحرر الولد من مساعدة أبيه إذا لم يعلمه الأب حرفة تقوته. ثم نظم بغاء شديد الإنتشار وفرض عليه من الضرائب ما مكنه أن يشيد لأفروديت أفخم معابدها وأجاز بالمقابل لمن يقبض على رجل زان متلبسا بجريمته أن يقتله دون أن يراجع قاضيا أو سياسيا أوصاحب علاقة. وحرصا منه على اقتصاد العائلة لم يأذن للزوجة أن تتملك أكثر من ثلاثة فساطين، وعندما طالبه المتطرفون بقانون يفرض زواجا إلزاميا على العُزاب من مواطنيه، قال: “إني أشفق عليهم، فالمرأة عبء ثقيل الحمل”. ومن قراراته السياسية “أن من يقف على الحياد خلال الفتن التي تمر بها البلاد ولا ينضم لأحد الطرفين، يفقد حقه كمواطن”. عاش صولون حتى شهد انهيار البناء الذي أقامه وعندما طالبه مواطنوه أن يعود حاكما لأثينا طوال حياته قال: “السلطة مقام جميل، لكن ليس ثمة طريق للنزول منه”.    

يقول أرسطو أن صولون تعمد إدخال الغموض على تشريعاته ليمكن العامة من تقوية نفوذهم السياسي. ومن براعته أن جعل لهم حق الإستئناف في المحاكم الشعبية. فقد كان للمحاكم والمجالس التأديبية دور فاعل في ترسيخ السلطة القضائية. ليعترف القضاء تحت أقواسه بما يعرف اليوم بمبدأ حق الجماعة في وضع قوانينها الخاصة التي لا تتعارض مع القوانين العامة للدولة.  

 للمدن الأتكية قوانين متقاربة استنبطتها من وحي الفلسفة الفاعلة في ربوعها. فقد أقامت رحلة الفكر السياسي زمنا مع Pythagore في تفسيره للطبيعة تفسيرا فيزيائيا ينطبق على حياة الناس. الطبيعة تعكس بعناصرها الأساسية صورة مماثلة لما هي عليه العلاقات الاخلاقية. كما كانت العدالة بعرفه عددا  مضروبا بنفسه، وهو أكمل الأعداد. ولم يمض وقت طويل حتى سن Paramondis قوانين مدينة “ايليا”  بعيدا عن الفلسفة الطبيعية وهو من فلاسفة ما قبل سقراط، الذين أكدوا أن العالم غير متغير وان الكون ساكن سكونا مطلقا. وفي أثينا كانت تختمر فكرة الإفتراق بين الطبيعة والقانون فوقف الفكر السياسي مليا أمام Empedocles وكان شاعرا وفيلسوفا سياسيا وبيولوجيا لامعا كما كان نبيا مرشدا حرر الفلسفة من المأزق الذي وُضعت فيه ودعا لضرورة الثقة بالحواس التي تعاين دوما متغيرات الطبيعة. كما أعلن Archelavs عن طلاق الطبيعة والقانون في المسائل الإنسانية وهو أول من أدخل الى أثينا فلسفة تنكر علاقة القوانين الفيزيائية بالأخلاق التي تحتفظ بكامل استقلالها وسلامتها. 

وفي نهاية القرن الخامس قبل الميلاد كان Biaç أحد الحكماء السبعة قد سن قانونا تقدميا بعد الحرب الأهلية التي خاضها الفقراء، سُمِّي بقانون أتكا الذي يعزو النزاعات ألإنسانية الى الفوارق الطبقية فاقترح المساواة في ملكية الارض وفي فرص التعليم وحق الشعب بالإشراف على مؤسسات الدولة على أن يبقى الصناع أرقاءَ  في خدمتها منعا للمنافسة على الثراء.

عندما أخفق افلاطون في ممارسة السياسة، انصرف للتعليم في الأكاديمية. وكانت مهمته إعداد جيل من الحكماء تُرْشِدهم الفلسفة إذا ما تولوا يوما مسؤولية سياسية. حصر إفلاطون الفضيلة بالمعرفة وهي المحور الذي يقوم عليه النظام السياسي. محورٌ يتجاهل الديمقراطية وتقوم العدالة فيه على تكافوء الفرص شرط أن تُحْرم الطبقة الحاكمة من الملكية الخاصة ومن الزواج. ثم جاء معلم الاسكندر ليقول بالدولة الدستورية التي تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم والتي يلعب فيها القانون دور القوة الدافعة والتقدمية. لكن أرسطو بقي متفقا مع معلمه حول الهدف الاخلاقي الناظم لقوانين الدولة.

مع الرومان، اكتسب الفكر السياسي علامة فارقة، هي السيادة المطلقة في الحكم وما أطلقوا عليه إسم Imperium. أحال الشعبُ السلطة بموجبها الى الحاكم دون أن يكون له حق استعادتها او حتى حق انتزاعها من جديد. عزز تلك السيادة ما جاء به شيشرون (106 ــ 41 ق.م.) حول القانون الطبيعيي القائم على أن للكون إلها واحدا وقانونا واحدا هو الدستور الجامع الذي يتساوى فيه جميع الناس. ولا قانون يخالفه أو يعلوه. ثم طوّر الإمبراطور Justinien فلسفة شيشرون السياسية لتصبح الإرادة الإمبراطورية مساوية لقوة القانون.

 لعبت المدارس الفكرية أدوارا بارزة في تطوير الأنظمة السياسية. لاسيما كوكبة من الفلاسفة والأدباء من John Lock الى Montesqieu ومن فولتير وكنط الى Holbach وRousseau وSaint Simon وكان (1770 ــ 1838 ) لhegel  في هذا الميدان تأثير وازن، فقد ثبّت الديالكتيك التناقضَ كقوة فاعلة في التطور، فكل شيء يجري في حركة وصيرورة، تحكمه في جريانه معاييرُ العقل النقدي. كما كان له رأي في ديمقراطية أثينا إذ قال: “كان التاريخ الإنساني بكامله في الميزان خلال حروب فارس واليونان، لأنه كان صراعا بين ديمقراطية أثينا الوليدة وبين ما تمثله فارس كدولة إرهابية”.  وعلى خطى بياس وهيجل غير ماركس (1881 ــ 1887 ) كثيرا في مجرى التاريخ السياسي من خلال مقولتيْ الصراع الطبقي وديكتاتورية البروليتاريا. ولم يلبث نقده أن تجاوز الحقوق السياسية ليطال الحقوق الإجتماعية. لقد وضع ماركس رأس المال محل السلطة، ومتّعه بقواها، فبرز الصراع الطبقي قوة فاعلة يتحقق بواسطتها الإشراف الإجتماعي على وسائل الإنتاج. العالم مع ماركس تحكمه قوانين المادة بعيدا عن أي روح شاملة شرع لها هيجل. ولم يمض وقت طويل حتى حاول (1853 ــ 1938) Karl  kautsky التوليف بين الماركسية  والديمقراطية عكسَ ما ذهب اليه البيان الشيوعي (1848) ليؤسس لمبدأ التغيير بالأساليب الديمقراطية. فلا غاية للثورة برأيه إلا تحقيق الديمقراطية بعيدا عن دكتاتورية البروليتاريا كما رآها لينين. 

تتمثل الديمقراطية اليوم بمعايير كثيرة تتصدرها حرية الإنتخاب والإعتقاد وغيرهما من الحريات الديمقراطية لتصبح مبدأ وسلوكا والتزاما أخلاقيا. وصفها نهرو مرة  فقال: “ليست الديمقراطية سياسة ولا اقتصادا، إنها في النهاية شيءٌ عقلي ككل الأشياء العقلية. إنها تُقدم بالضرورة فرصا متكافئة لكل الناس. إنها تعني حرية الفرد في أن ينمو ويَعمل بكامل قدراته وإمكانياته. كما تعني حرية الرأي وعدم الضيق بآراء الآخرين وإن كانت معارضة لرأيك. إنها البحث الدائم عن الحقيقة”.