بيروسوس كاهن كتب تاريخ بابل ونشره باللغة اليونانية، وقد ضاعت كتبه الا ما نقله عنه ألكسندر بوليستر قبل الميلاد، وجاء فيه أن أكزوثروس ملك بابلي، تجلّى له الاله وأنبأه أن طوفانا سيغمر الأرض ويغسلها من ضوضائها في الحادي عشر من شهر تموز. وأمره أن يكتب ألواحا عن بداية الأشياء ونهايتها ويطمر سجلّاتها في سيبيرا. وبعد تموز انسدّت عيون الغمر واستوى الفلك على جبل هبط منه الملك مع زوجه وابنته وملّاحيه، ثم اختفوا جميعا. حيرة بدّدها صوت من السماء، يخبر أن قد رُفعوا اليها. وأن الجبل الراهن مرتفع من أرض أرمينيا. عاد الأقرباء والأساتذة لبابل، ليكتشف اللاحقون ـ والأكتشاف حنين لمعرفة منسية ـ كنوزا مطمورة في سيبيرا مدينة الشمس. للقصب قال اله الحكمة:

أيها القصب

اهدم بيتك واصنع فلكا

تشحن به امرأتك وعائلتك وأقاربك وأساتذة الفن أيضا.

خزّن القصب صوت الحكمة، وأخبر الناس بما هو آتٍ. التقطت القلوب التقية رسالة مقدّسة نقلها الريح، ونمنم من دُقاق الأرض كتابا الهياً يبلّغ للضرورة على نحوٍ ملتوٍ. قال اتراحاسيس وقد سمع حنين القصب:

أنا يا سيّدي لم أصنع فلكاً

ارسمه لي على التراب، سأصنعه بعد أن أرى الرسم.

صوّر أيا خرائط الفلك،

ثم فتح الساعة وملأها بالرمل.

وقبل أن “تتوارى الشمس ويصبح الظلام دامسا، قبل أن تتفتح كوى السماء وتتراكم الجثث ويتغيّرَ مرأى الزمان” انفتح على شغف المعرفة وصونها قلب كتب كلّ السجلات ودوّن ثقافة تجمعت شروطها في بابل، ثم خبّأها فوق التلال وفي الآفاق المسطحة، ليربط تاريخا بتاريخ أوشك أن ينقطع أو يتوقّفَ وقفا قبيحا. (والوقف القبيح هو قطع الكلمة عمّا بعدها ـ في تلاوة القرآن ـ وقتا من الزمن  مع التنفس) خبّأ الملك المتبصّر ما كان ضروريا لتجديد حضارة دمّرها أرباب سفلة، طمعوا في سبات أزلي لذيذ عكّر صفوه صخبُ الناس وصغارُ الآلهة فقال أنليل:

زاد البشر عمّا قبلُ

ضوضاؤهم تزعجني

وضجيجهم يمنع عن عينيّ الكرى.

أسطورةٌ  تشبه حلما، أو هي رغبة ـ على قول فرويد ـ  لم ترض في الصحو ورضيت في غفلة الحلم، فلغة الرموز تنجز أعمالا خارقة  كالطوفان، تغسل كامل الأرض، وتعيد للذاكرة مشاهد الأزمنة الأولى، يوم كان غمر وعماء رقيق واله مصري ـ أتوم ـ  خلق كلّ شيء من نون من العدم ولم يعثر لنفسه على مكان يتموضع فيه. وبنحوٍ من هذه الفلسفة المصرية ردّ النبي على ابي رزين العقيلي عندما سأله أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والارض، أجاب: كان في عماء تحته هواء وفوقه هواء. عندما يتجه فضول البحث، صوب البدايات يتخيل الانسان أيامه البعيدة الأولى، ويتصاعد ما ترسّب في الذاكرة الى أديمها، فيعاود البحث في أماكن اقامته عن ماض دارس، وعن علوم تمتد في الأرض كما تمتدّ الجذور، وعلى امتدادها لُقىً ورسوم صخرية، آثار خالدة وأمكنة قديمة حميمة كقبور الأهل، يتوجّع لزيارتها القلب وجعا خفيفا، يليه انفراجات من خارج الوعي لها طعم النبيذ، تستجلي أسرار كون صامت هاديء عميق ( آتٍ  من  زمن  النعيم  النهائي، عبر تراجع متدرّج نحو الذعر) على  زعم “ألبديل” في ” كتابه سحر الأساطير”.

قبل الطوفان كان الملك المتبصّر شديدَ التوتر، وحدها الأعمالُ السامية ترفع عنه القلق وهول الكارثة القادمة. رغب رغبة أكيدة في خنق توتر قوامُه الخوف على الخليقة. ودون أن يبعده الخوفُ عن مهمته أو القضاءُ الماجن عن رسالته، انصرف سريعا الى رقم الطين، فسوّاها أقراصا مدمّجة فيها ثقافة انسانية راسخة، وعلوم تشبه الكنوز أو الحقائق طمرها على عجلة من أمره، قبل أن يتلفها ماء غامر أو قاريء عابث لا يستسيغ القراءة الباطنية التي تعبر العصور. قاريء كالطوفان وصفه ادوار سعيد في سيرته “من خارج المكان” “أندي” الذي يطالع فوق قاربه، كان كلما قرأ صفحة انتزعها من الكتاب، كوّرها بيده ورماها خلفه، كأنه لا يريد لأحد أن يقرأ من بعده كتابا وقع بين يديه. يقول الكاتب الكبير في الأدب المقارن، “تأملت ذلك الموكب من الكتل الورقية المتماوجة على سطح الماء وعزوت عادة أندي في القراءة الى وجه من وجوه الحياة الأميركية يُستعصى فهمه، فهي رغبة عند المرء الّا يترك أي آثار تخلفه ورغبة في العيش بلا تاريخ وبلا امكانية للعودة الى الوراء”، قاريء أميريكي كأرباب الطوفان، لا يبالي بسدّ ثقوب الذاكرة كما سدّها هيرودوت أو الملك البابلي وغير معنيٍ بتاريخ “يلطّف المخيلة، يصقل العقل و يرسّخ  فعل الخير” مثلما رسّخه ديفيد هيوم في وصفه لصناعة المادة التاريخة. طمر المتبصر البابلي كنوزه قبل أن يصل الغضب “ويملأ دم البلاد ثقوبها” ثم استسلم  لذات ألواح ودثرٍ متيقّنا أن رجالا من المستقبل الغابر، (والغابر يدل على آتي الزمان وماضيه) سيعيدون للعبارات المبللة صفاء صياغتها وجلال معناها. وصفاء الصياغة تأدية المعنى الجليل بألفاظ لا تعرف الرمدا. آتيةٍ من “الجنة السومرية دلمون” ـ وهي البحرين حاليا ـ ، عكّرت الترجمة نقاء صورتها فلم تعد صافية كما كانت في النفوس.

وانفتح على مطالع النور أيضا ـ في المقلب الثاني من الأرض ـ قلب آخر حمل على ألواحه احتمالا لتجدد الحياة هو أكثر الاحتمالات جدلا. أخطره بالطوفان بروميتي، اله عاقل أمره أن ينجو فنجا دكاليون وزوجته من قتل محقق ٍ قدّرته السماء. فطغت على الأرض شآبيبُ غمرت المنازل والمعابد والجبال وقتلت كلّ ذي نفسٍ وذي جسد وضوضاء. وكان المطر قبل أن يقتل ويطغى، رحيما ليّنا، خفرا رقيقا، عزيزا لا يهطل ـ في استسقاء الهنود ـ  الا نزاً خفيفا على نساء عاريات يحرثن الحقل ليلا، بالعري يُستدعى المطر في المعتقدات القديمة “ذلك أن به شوقا لنفسه” تقول الملحمة:

كان المطر طاغيا جارفا على غبر عادته

حتى الآلهة ذعرت من هول الطوفان

وهربوا جميعا الى السماء السابعة، سماء آنو

ربضوا عند الجدار الخارجي ككلاب مرتعدة.

“كيف ودونما تروٍ أغرقت يا ربٌ هذا الكون” ـ عاتبه اله الحكمة ـ “حمّل المذنب ذنبه والآثم اثمه امهله كي لا يفنى ولا تهمله كي لا يفسد”. فكيف أهملتني وأغرقتني وأنا شريكك في الملك، ساندتك فيه يوم كان الملك عسيرا، ساندتك كلّما صلّيتُ أو مارستُ طقسا، ساندتك كلّما استغفرتُ أو فارقتُ نوما، فلما ودونما تروٍ قتلتني وأنا دمك وطينك.

كيف ودونما تروٍ أغرقت كونا كنتَ ظواهرَه قبل أن تتحوّل الى مطلق، نقيىة كانت ظواهرُه أو غيرَ نقية، ظواهر ذاتُ أرواح استقلت آلهة قليلا بعد أن انكفأ ظلام اللجة وأصبحت الأرض مرئية كما وصفت التوراة ولادتها. ومضى زمان احتجّ بعده جيراندو برونو على هذا التحول قائلا: “ليس لنا اية علاقة مع اله تحوّل الى مطلق وهو القائل بعالم غير محدود اتهم بالألحاد وأحرق حيا في القرن السابع عشر ثم أعادت اليه الكنيسة اعتباره.

عندما انحسرت لجج الماء قدّم أوتنا أو أتراحسيس على اختلاف الملاحم، أضحية على قمّة الجبل، وجمع تحتها خشب ألارز والآس، وصلت عشتار وقد تجمعت الآلهة حول المحرقات كالذباب وقالت:

تقدّموا جميعا من الذبيحة

الا أنليل و( أندي) وحدهما لن يقتربا

لأنهما سبّبا هذا الطوفان وأسلما شعبي للدمار.

غضب انليل لما رأى السفينة، وبعدما تنسّم من المُحرَقات رائحة ذكية، استكان وندم على ما أثمت يداه، وقف بين اوتنا وزوجته لمس جبهتيهما مباركا وقال: ستغدو وزوجتك منذ الآن خالدين.

ترصد الأساطير حوادث أزمنة سابقة للتاربخ، وتتغذى على مواردها. موارد مبهمة كأنها أدب أو شأن فلسفي لا نثر يبلغها. يعالج الشعر مادتها كما يقول كمال الصليبي. فتفيض المخيّلة قبل أن ينشط متأخرا فعل العقل فيرسم للجبال قامة أوطأ مما رسمته الأساطير وقامة للعلوم هي أعلى كتبها المتبصر ثم دفنها تحت سطح الأرض مكرّما عجلة ومحراثا، نظاما عشريا ومحيطا جديدا للدائرة كان قد أغناهم البحث وقت كانت السماء قريبة شديدة الالتصاق بالأرض، والأرضُ اناثا كلما طعن أحشاءها أحد تحبل بالبذور. وقد ضيّق هذا الالتصاق على صغار الالهة ملعبهم ـ كما اعتقدت قديما جزر الكوك ـ فتمرّدوا بقيادة “ثاني” الذي رفع السماء بذراعيه وقال: لتبق السماء بعيدة عنّا.