هنالك أشخاص حضورهم كاخضرار السنديان؛ حديثهم..؟ كالعسل البري الصرف، الذي لم تكدّرهُ يد الجاني.. لا تشبع العيّن من مشاهدتهم ولا الأذن من سماعهم، أثرهم يسكن في تفاصيل الروح.. مهما طالت خطى السنين.. وهنالك زمرة أخرى كلامهم تمجًّهً الأسماع.. وحضورهم..؟ لا تكتحل به العيون.. ورغم ذلك نتحمّلهم! لأننا ندرك أنّ الله لا يغيّر قوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم..

وزائرتي المّوقرة والتي تعتبر نفسها من سيدات المجتمع اللواتي على رأسهن ريشة! لا أريد أن أًضيفها لأي مجموعة من هؤلاء.. ولن أبوح لك يا عزيزي القارئ عن ثقافتها أو عمرها أو علاقتي بها.. لئلا تدور عليّ دائرة السوء وتظن إحّداهن إنها المقصودة بزائرتي المحترمة التي زارتني دون موعد لأرتق لها فستانها الفاخر، ولكن سأخبرك بسرٍ صغير كبير، بأنني أعرف أدق تفاصيل حياتها والمناخ القمعي الذي كانت تعاني منه قبل زواجها من ذلك الرجل الموسر صاحب النفوذ..!

ثمة تساؤلات كثيرة ازدحمت في رأسي بعد خروجها من بيتي..؟ أهي تعكس عمق الهاوية التي سقطنا في قاعها.. أم القحط الروحي و الخواء الوجودي الذي نعاني منهُ.. أم الحُرّية المُفاجئة التي ظفرنا بها والتي لم نفلح باستعمالها بالشكل الصحيح..

عندما دلفت لبيتي كنت منهمكة في رق عجينة البيتزا لأولادي وكان شوبك العجين لا يزال في يدي.. ورغم إننا في زمنِ فقدنا فيه كل ما يدهش فقد انتابني الكثير من الدهش عندما رأيّتها..! وقد كان عهدي بها امرأةُ عادية صاحبة شعر كستنائي اعتادت أن تعقدهُ في جديلة، وتغطيه بمنديل.. تحوّل فجأة إلى شعر أشقر ناعم لا يتجاوز الكتفين.. وبشرتها المحروقة كسنابل أيار أصبحت فجأة..! بشرة بيضاء الثلج، بعد أن داعبتها فرشاة الميك أب.. وللوهلة الأولى ظننتها إحدى المُذيعات الفاتنات اللواتي نشاهدهن عبر شاشات التلفاز بهذا “اللوك” الجديد.. وبقدر ما أصابني من الدهش هي أيضا انتابها الدهش عندما رأت شوبك العجين الذي في يدي! حيث سألتني بتعجب شديد: 

– أتحضرين البيتزا في البيت؟ إنها طارحة عصاها في المحلات والمتاجر!؟ وبلمسة صغيرة على الجوّال وتكون ساخنة وطازجة في متناول يديك.. وأردت أن أخبرها إن ذلك لا يضاهي فرحة ابني الصغير الذي يكاد ينط من الفرح عندما يعود من المدرسة ويشم رائحتها الطيّبة المنتشرة في أرجاء البيت.. ولكنها كانت مسرعة جدا حيث ناولتني فستانا فاخرا من الدانتيل المطرز وبسبب لونه الفاقع ومقاسه الصغير ظننّته لأحدى بناتها المراهقات، ولكنّها أكّدت لي أنّهُ لها وأنها ستلبسهُ بمناسبة خطوبة ابنة أحدى قريباتها وأنها اختارت اللّون الزهري الفاقع بالذات لأنها على حد قوّلها..!؟ “الزهر يقهر قهر” وهي تُريد إغاظة إحداهنّ..
ولأنني كسائر النساء لا نتخلى عن فضولنا أبداً! سألتها بعفوية: 
– يبدو لي أنّه فستاناً باهظ الثمن..؟ فأجابتني بلا مبالاة:
– لا..؟ أنّهُ ليس باهظاً.. لم يكلفني سوى ألفاً ومائتي شاقل!! أي.. ثمن نقلة الحطب التي تدفأنا عليها طيلة فصل الشتاء..!
ولكنني آثرت الصمت لكيّ لا تظن زائرتي المُفتحة في بلاد عميان أنني أحسدها على هذه النعمة المؤقتة، أو ليس نتهندم ونتبرج ونغير أقنعة في كل مناسبة لكي نرضي الآخرين..؟
 
وطلبت منها بكياسة أن تنتظرني في غرفة الصالون، بجانب الوجاق الدافئ ودلفت لغرفة الخياطة لأرتِق لها فستانها الفاخر وعندما عدت..؟ وجدتها تقتحم كل زاوية وركن في بيتي بعيونِ حادةِ كعيون الصقر؛ وسألتني بتهكم أهل صالونك جديد؟ فأجبتها بحماسٍ جليّ: – نعم أنه جديد، هل يروقكِ ؟! – أظن أنهُ من “برطعة” قالت بتعالٍ وهي ما زالت تحدق في بيتي المسكين! فأجبتها بخيبةٍ واضحة: – لا يا سيدتي أنه صناعة محلية، وأنا شخصياَ أشجع الصناعة المحلية، كيف لا وقد تعوّدنا أن نستورد من قيمة الإبرة حتى السيّارة من الخارج! وبالمقابل نتجاهل تلك الورشات المحلية الضئيلة التي تحاول عبثاَ أن تزدهر وتثبت وجودها في قٌرانا، وللأسف الشديد لا تحظى بأي دعم حكومي كان أم محلي..

ووجدت نفسي أتكلم لوحدي حيث أمسكت زائرتي الموقرة صندوق العجب خاصّتها أي “هاتفها الجوّال” لتطلعني على مغارة علي بابا الزاخرة في بيتها الفخم.. وبدأت..؟ بالصالون الأمريكي الذي وصلها خصيصا من بلاد العم سام.. ثم بالموقد الحجري المبني من حجارة تركية والذي يعمل بطاقة الغاز وأردفت قائلة بتبجح: من لديه الوقت لينقل الحطب لكي يوقد الوجاق!؟ أجبْتها بثقة تامة وبهدوء.. بأننّي لا أشعر بالدفء إلاّ عندما أسمع طقطة الحطب وأملأ رئتي برائحةالصنوبر المحترق.. ولكنها كالعادة لم تستوعب كلمة واحدة من كلماتي بسبب انشغالها بهاتفها الجوّال حيت انتقلت للستائر الحريرية المُطرزة الحواشي التي ابتاعتها من الصين..

أردت أن أقول لها أنني ابنة الربيع التي تعشق الأزهار البرّية التي لا أسماء لها.. والتي تنتظر بلهفة الأطفال أن تفيض عافية الأرض لكي تزهر شجرتيّ اللوز والليمون في حاكورة بيتي.. وإنني أكره تلك الستائر التي نسدلها على رشح المطر والمروج الملوّنة.. ولكنها انتقلت بسرعة البرق لغرفة نومها لتطلعني على أعمال الجبص الدقيقة التي زينت سقفها..؟ أردت أن أقول لها أن البيوت أسرار يا سيدتي.. وما هذه السقوف المزخرفة سوى حجاب، يحجبنا عن عبادة الله وحمده! ولكنّها..؟ تذكّرت فجأة طقم الشاي الإنجليزي الذي أهداه إياه زوجها في عيد ميلادها وأصرّت أن تقرأ لي بعض التعقيبات التي تلقتها.. وليتك تدرك يا عزيزي القارئ مدى الألم الذي انتابني عندما قرأت بعضا من التعقيبات بلغة عبرية عربية مهمشة، وحتما..؟ أشفقت على لغتنا العربية التي أنزل بها الكتاب، وتذكرت مكتبتي الزاخرة بالكتب المعتقة كأوراق الخريف والتي لم أنل ولا حتى لايك واحد عندما عرضتها في جوّالي الخاص.. 
 
وتساءلت..؟ ما بال تلك الإمرأة التي تعتبر نفسها امرأة “مودرن” تحاول أن تقنعني بضحالة تفكيرها أن مغارة علي بابا الزاخرة في بيتها..؟ هي سدرة المنتهى وأرومة الحياة.. صحيح إنّنا في هذا الزمن المعدني “معك قرش تسوى قرش” ولكنني لن أرضى أن أكون الفراشات والألوان في بيتي بل اللوحة الزيتية نفسها مكتملة الألوان.. واعتذرت منها لأجلب القهوة دون أن أنتبه لطنجرة الحمص الصغيرة التي تركتها تغلي على الوجاق المتأجج، وعندما عدت أدراجي شعرت لأول مرة في حياتي أن بيتي الكبير الذي تلعب به خيوط الشمس أصبح صغيرا جدًّا كوجهي تماما الذي تقلص وألهبتهُ الدماء الحارّة عندما رفعت هذه المرأة الفضولية غطاء الطنجرة وقالت وقد استولى عليها الدهش:
– مرة أخرى حمص! أتسلقين الحمص!؟ وما عيب حمص أحلا..؟ أو المطاعم الصباحية؟
ومرة أخرى فتحت صندوق العجب خاصتها لتطلعني على المطعم الفاخر الذي يحرص أن يصطحبها زوجها إليه هي والأولاد في إجازته الأسبوعية.. ما شأنها تلك المرأة التي تشبه الكثير من الناس الذين لا يوجد عندهم استعداد لأن يروْن الشمس ولا الطيور ولا السّماء، هؤلاء البشر الذين يسرقون الفرح الصغير والقناعة من قلوبنا، بينما هم يخسرون بركة عمرهم في اقتناء هذه المُتاع المادية التي لا قيمة لها.. هؤلاء هم فقراء العولمة الحديثة الذين يرون الجمال مُجسَّدا في الأزهار الاصطناعية والطعام المعلب والثمار المدجنة، ولا يروْنه في أزهار اللوز والليمون التي تعبق برائحة الأجداد.. هؤلاء البشر لا يتذوّقون خبز الأمهات بل يطيلون الانتظار في الطابور ليتناولوا قطعة من البيتزا مع كأس كوكا كولا..
ولذلك قررت أن أستجمع قواي وأستل سيفي وأضرب على الوتر الحساس عندما تذكرت طنجرة الحمص الكبيرة التي اعتدت أن أجدها تتراقص على الغاز صبيحة كل يوم سبت، في بيتها قبل الزواج.. وسألتها عمداً: أما زلت تحبين الحمص كعهدي بك؟ فأجابتني بحماس: – ليس ثمة شيء يضاهي الحمص الذي نتناوله في المطعم.. وشعرت أنني سكبْت عليْها دلواً من الماء البارد عندما ذكّرتها بطنجرة الحمص التي ألفتها في بيتهم صبيحة كل سبت، وبالمثل الذي كانت تردده والدتها: “إن فاتك الضاني عليك بالحمصاني..” وبعصبية شديدة أقفلت “جوّالها” وطلبت مني أن تقيس الفستان المسكين الذي تنفس الصعداء “مثلي” عندما خلعته وأعادته للكيس الفاخر.. واستأذنت بالرحيل لأنها تذكرت أن لديها دورا في أحدى صالونات التجميل بعد أن اكتشفت تجعيدة صغيرة على جبينها..

وصدقا أقول بأنني حمدت ربي كثيرا، نعم..؟ حمدته من كل قلبي.. لأنّه أعتقني من ربقة هذه الأغلال التي تفاخرت بها زائرتي المفتحة في بلاد عُميان كما أخبرتكم في البداية والتي ما هي إلاّ طاقةُ أرضية..؟ كانت ستحشرني في زوايا الحاضر المؤقت وتشدني نحو الأسفل، وعوضني عنها بجناحين كجناحي النسر لأٌحلق بهما فوق القمم العالية، وعيون كعيون النحل لا ترى غير الزهر ولا تجني غير العسل..

[ratings]