اختلف صديقان لي في حدِّ التقليد. قلتُ، أكتب لهما عن حدّه وأُدلي بدلويَ فيه. الموضوع ليس دينيا صِرفا، ولا أساس له في النقل أو النص. وإنما هو موضوع ثقافي قائم على قيم قديمة تشلُّ العقلَ وتشكِّل بغيابه ثقافة طائفية ومذهبية، تعاود كالنظام السياسي، إنتاج نفسها في السياسة والإجتماع كما في الدين والأدب والشعر… الثقافة السائدة تحارب النظرة المبدعة أو المغايرة. تتمسك بما هو قائم وثابت. لا تتقبّل تأويلا مختلفا ولا فهما جديدا يغيِّر في الموروث القديم. الثقافة السائدة تتعامل مع أنظمة الحياة المتطورة بوصفها وحْيا ثابتا، صدَّر الأخلاق والقيم والمعايير ونظَّمها لمرة واحدة ونهائية. تلك قناعات نمطية مغلقة ومنتجة لذاتها، لا تفعل شيئا إلا الحفرَ الدائم “لتحيين عصر النبوة وثقافة الوحي” (أدونيس). وبالتالي تليين ما تجمَّد وتنافر مع ثقافة العصر المبدع والمتبدل.

أعطى الشافعي للشرع أيها الصديقان، سيادة مطلقة قال: وهو من الفقهاء الأوائل في الإسلام، إن اليقين يصنعه الوحي، وإن أحكام الكتاب والسُّنة تتجاوز أحكام العقل وتسبقها. الإنسان بشرعه يؤمن لكي يعقل. أما في ما يتعلق بمقتضى الأمر والنهي، ومدلولُهما الوجوبُ والتحريمُ، فإن للشافعي رأيا واضحا فيهما: الحسن والقبيح أمران يبت بهما الشرع وليس العقل. النص، كتابا وسنة، مصدرُ التشريع ولا مصدر في الإسلام غيرهما.

ثم تابع أحمد بن حنبل مبادىء الشافعي، معتبرا أن علوم السلف هي العلوم الكافية. وكان يرى كالشافعي أن السلطة السياسية محصورةٌ بمن غلب. وأن طاعة المتغلّب واجبةٌ درءا للفتن حتى ولو كان المتغلب ظالما وفاجرا ومغتصبا. وقد ذكر الحارث بن أسد المحاسبي (787م – 858م) وهو من المتصوفة البصريين، أن رسول الله قال عن أهل الجَوْر من الأمراء: “دعوهم ما صلّوا للقبلة”. وقال: ما خرج عن قول النبي إلا فئة غالطة (الخوارج) قالت بلزوم العدل: إذا لم يعدل الإمام كان عاصيا. وكان عاصيا أيضا من رضي بإمامته. آمن الخوارج بإمامتيْ أبي بكر وعمر. أنكروا إمامة عثمان لما شاب الخلافة من فساد إداري ومالي، وقالوا بإمامة علي قبل التحكيم.

قامت الدولة الأموية أيها الصديقان على قانون الطاعة الذهبي للوليد بن يزيد: “لا أقْوَمَ لشيء ولا صلاحَ له إلا بالطاعة”. وكان أكثرَ مغالاة من الوليد، أبو العباس أولُ خلفاء الدولة العباسية حين قال: “الخلافة ميراثنا من نبيّنا، ختم الله بنا، كما افتتح بنا”. ولقبُ الإمامة الذي رافق الفقه الإسلامي خاصة عند الشيعة الإمامية هو توكيد للحق الإلهي في الخلافة. في هذا الجو المشحون بالظلم والبؤس وفروض الطاعة، لم يمنع الفقهُ المروِّجُ لسلطة الغالب والمتغلب اندلاع الثورات، فانطلقت ثورة الزنج بمضمونها الطبقي في القرن التاسع الميلادي (869 م – 889م) من البحرين ثم من مدينة البصرة واستمرت عشرين عاما الى أن تمكنت الدولة العباسية من إخمادها. ويقال إن قائدها شاعر فارسي مغامر، ادّعى الإنتساب لزيد بن علي بن الحسين، لكنه لم يلبث أن جاهر بمذهب الخوارج الذي رفض حصر الخلافة بقريش. وكانت راياته باللونين الأخضر العلوي والأحمر الخارجي وقد تعارض مبدأه القائم على الشورى مع المفهوم الشيعي القائم على الوراثة. ثم اندلعت ثورة القرامطة في القرن العاشر الميلادي (908م)، وكانت ثورة اجتماعية بطابع ديني واشتراكي. صادروا الحجر الأسود وغيّبوه عشرين عاما ثم  أعادوه الى مكة مع رسالة تقول “أخذناه بقدرة الله ورددناه بمشيئته”. ويقول شيخ المؤرخين العراقيين عبد العزيز الدوري: “أقام القرامطة دولتهم بالبحرين. ألغوا المُلكية الفردية ورِقّ الأرض. قدموا السلف المالية للفلاحين والصناع. سيطروا على التجارة الخارجية، وضربوا النقود من الرصاص ليمنعوا انتقال الثروة خارج الحدود. وكانت السلطة في يد مجلس من الرؤساء له طابع الشورى”.

أيها الصديقان العزيزان

خلال هذه الفترة الحرجة من التاريخ الإسلامي، وأغلبُه حَرِجٌ، أخذتْ جماعة كبيرة من المثقفين والكتاب مواقع المعارضة للسلطتين الدينية والسياسية، تعزيزا لنزعة إنسانية عامة بدأت بالتفتح في القرن السابع الميلادي. فلمّح عبدالله بن المقفع في باب مرزويه من كليلة ودمنة الى أن الدين ينتشر بالوراثة والإكراه. كما رأى الراوندي أن الشريعة الإسلامية تناقض العقل. وذهب جابر بن حيان مذهبا عقليا في كيميائه، عندما تحدث في “نظرية الميزان” عن التكوين الصناعي للحياة، يعني إنتاج الحيوان والنبات مخبريا “حسب القوانين العددية التي تحكم كل شيء في الوجود”. (الإستنساخ بالمعنى العام للكلمة). وقام نقدُ الرازي على ان العقل مصدرُ المعرفة وأعظم نعم الله وأنفعُها للناس. ولا تضيف النبوة شيئا الى ما نعرفه بعقولنا. كان الرازي يناهض الدين لِمَا تضمن من تناقض ومحال. وقد وصفه أستاذ الفلسفة المصري عبد الرحمن بدوي بقوله: “إن الرازي نحا منحى حركة التنوير في العصر الحديث (فولتير، روسو ، ديدرو، وريشيليو…) فكان يدعو الى إيجاد نزعة إنسانية خالصة تخالطها روح وثنية حرة”.

الشرع يوجِبُ في الإسلام، والعقل يعرف ويأخذ ويصدق. حتى قدَّم الإعتزالُ العقلَ. وجعله أصلَ المعرفة، ومقياسَ الحقيقة بما فيها معرفة الخالق. (فلا يؤخذ بأي شيء سواء كان تقليدا أو خبرا متواترا أو إجماعا إلا إذا كان مطابقا للعقل). العقل على ما يقول من بعدهم الشيخ محمد عبده: أصلُ المعرفة. وإذا كان في ظاهر الوحي ما يناقضه وجب تأويله أو أخذُ ما دل عليه العقل.

إن أهم ما أدى اليه تقديم العقل: حرية الإنسان وإبداعه، ما يعني نفي الإتباع التقليدي وإثبات الإبداع العقلي. أي رفض النقل وفساد التقليد. كان النبي مرجع الناس في شؤون دينهم، ثم نشأ بعده تفاوت في الفهم وتناقض في “العلوم الدينية الناشئة”. تفاوتٌ عدَّد المذاهب والفتاوى، فقاس أبو حنيفة واستحسن (699م – 767م) عندما رأى أن النص قاصرٌ  وموضعُ شبهة. كما أخذ بمصادر فقهية متنوعة لم تكن معهودة، منها العرفُ والعادةُ والإجماعُ. وظهر منهجان في اتباع السُنّة: الإتباع أو الإقتداء، ثم متأخرا الإجتهاد والتقليد. الإتباع هو “رجوع الجاهل الى العالم في مورد تخصصه وأخْذُ الحُكم من الدليل بالطرق التي أخذها  متبوعُه”. أما التقليد فهو “العمل بقول الغير من غير حُجَّة”، ولا يكون المقلد مقلدا إذا سأل عن الدليل. كأن المقلِّدَ قد جعل قولَ الغير وفعله قلادةً في عُنُقه. وتكون القلادة -لغةً- للإنسان والفرس والكلب والبَدْنَة التي تُهدى. وقلده الأمرَ: ألزمه إياه. (ابن منظور). ويقال في اللغة أيضا: قلّد البعيرَ إذا جعل في عُنُقه حبلا يُقاد به. فالمجتهد هو الذي يمسك بالحبل، يفكر ويقود، يستعرض الأدلة ويلزم تابعيه. والإجتهاد ليس حكم العقل الخالص، وإنما هو بيانٌ وتفسيرٌ، كما كان عند الصحابة بيانا لنصوص الكتاب والسُّنة. أو اجتهادا مستندا للأدلة النقلية كلما أشكل النص. أو قياسا  في بعض المذاهب على الأشباه والأمثال، على أن يستند القياس الى أصل شرعي وإلا كان شيئا من الهوى.

ما أقوله صديقيَّ، رافق نشأة علم الحديث. وكان مشروطا بالتواتر والشهرة وخبر الواحد. التواتر يوجب علم اليقين، لأنه خبر جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب، وهو بمنزلة العيان. والمشهور (زيادة من أبي حنفية) هو ما كان خبر آحاد ثم تواتر، وهو يوجب علم طمأنينة يرجَّح فيه الصدقُ. أما خبر الواحد فهو الخبر الذي لم يصل حد التواتر ولا يفيد العلم بنفسه. إنه يوجب العمل ولا يوجب علم اليقين. وهناك اختلاف حول من يتكوّن منهم الإجماع الذي لا تنقضُه معارضة الإمامية فهم على زعم المذاهب مبتدعون. والمبتدع لا يَنقض إجماعا. فيما يرى الإمامية أن الإجماع هو إجماع مجتهديهم فقط.

يغرق التقليد في دوامة الأحاديث المتعارضة، وهو لا يفعل شيئا إلا أن يكرر نفسه وينتج ما كان قد أنتجه. مما يدل بعرف القاضي عبد الجبار على فساده. والقاضي ممثلٌ لفترة النضج الإعتزالي قال من منفاه البُويهي: إن المقلَّد يجوز أن يصيب ويجوز أن يخطىء، و تجويز الخطأ يلغي التقليد. ولا ينفي احتمال أن يكون المقلَّد كاذبا أو جاهلا في اعتقاده.

لقد تزعزع النظر العقلي في الإسلام، منذ خلافة المستعصم على ما يقوله الشيخ محمد عبده، إذ ليس في الإسلام سلطة دينية ولاسلطة سياسية. “لم يَدَعِ الإسلام لأحد بعد الله ورسوله سلطانا على عقيدة أحد، ولا سيطرة على إيمانه”. إن انتفاء السلطة الدينية، يجعل من الحاكم “حاكما مدنيا من جميع الوجوه. وإن الأمة التي تنصِّبُه هي صاحبة الحق في السيطرة عليه، وهي التي تخلعه متى رأت ذلك من مصلحتها. “الإسلام عند الشيخ نقيض التقليد. فلا يجوز الأخير في العقائد والعبادات ولا في أحكام الحلال والحرام. وما يُتنازع فيه لا يُردُّ الى العلماء والفقهاء وإنما الى كتاب الله وسُنة رسوله. ليس العلماء إلا نقلة وأدلاء فلا عصمة تحوط أحدهم فيُعتمد على فهمه”. والعالِم الذي يحمل الآخرَ… على اتباعه وتقليده يُعَدُّ في نظر الشيخ الإمام من الأئمة المُضلين. لم يتعدَّ التقليد في بداياته مفهوم الإتباع ولم يتجاوزه، حتى في المراحل المتأخرة من تاريخ الفقه. وعندما دخل التقليد ميدان الجدل الفقهي، حرمَّه كبار الفقهاء من أبي حنيفة والشافعي الى مالك وأحمد بن حنبل. “لا تقلد في دينك أحدا، قال ابن حنبل، فلا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الثوري ولا الأوزاعي، ومن قلة فقه الرجل أن يقلد دينَه الرجال”. لم يكن التحريم فقها خاصا بالمذاهب السُّنية وإنما حرمه أيضا أوائل الفقهاء الشيعة من الشيخ الطوسي وابن إدريس الحلي والشريف المرتضى الى ابن زهرة الحسيني الذي قال: “لا يجوز للمستفتي تقليد المفتي لأن التقليد قبيح ولأن الطائفة مجمعة على أنه لا يجوز العمل إلا بعلم”. وقال المرتضى: على العامي أن يكون متمكنا من إصابة الحق في الأصول والفروع، وإذا لم يتمكن فهو خارج عن التكليف”. وإن دل هذا على شيء فانما يدل على أن التقليد مفتقر الى مبرراته النَّصية التي تدعم شرعيته الفقهية. فالإعتماد على االآية 122 من التوبة (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون) وعلى الآية 43 من سورة النحل (…واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) اعتماد يفتقر للصدقية قياسا على ما في التقليد من معان تتجاوز السؤال الذي يشير إليه النص. إضافة لتحميل الآية أكثر من حمولتها. فهي في حقيقتها ردٌ على المشركين الذين رفضوا نزول الوحي على بشر. (وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي اليهم، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون). كما كانت الآية الأولى تقسيما للعمل بين الجهاد وتعلم الدين الجديد.

في الروايات الدينية إشكاليات ثقيلة تتعلق بوثوقها. لكل رواية أخت تناقضها. أفاد الإمام الصادق بما هو اتباع أو جنوح نحو الإتباع أو فض للخلافات ضمن حدود الجماعة وهو المعنى السافر إذ قال: “اجعلوا بينكم رجلا قد عرف حلالنا وحرامنا، فإني قد جعلته عليكم قاضيا، وإياكم أن يخاصم بعضُكم بعضا الى السلطان الجائر”. وقال: من قلد في دينه هلك (ذكره الشيخ المفيد). وما روي عن الأئمة في توصيف الفقهاء المقلَّدين يفتقر للقوة والرصانة اللتين طبعتا أبحاث الفقه.

أمام ضعف الأدلة النقلية، لجأ الفقهاء في جواز التقليد الى السيرة، مثلما لجأ الخوئي الى سيرة العقلاء ليعطي للتقليد ضرورة حياتية، لأن لا دليل برأيه على التقليد سوى روايات  ضعيفة. أما قول الإمام الرضا: “رحم الله عبدا أحيا أمرنا فقيل وكيف يُحي أمركم؟ قال: يتعلم علومنا ويعلمها للناس”. فلا يُدرج إلا في سيرة العقلاء . ولا يعدو كونه اتباعا يشبه نقل المعرفة أو التبادل المعرفي، بعيدا عن الحمولة الدينية بمعناها الطقسي أو التعبدي الذي يتضمنه التقليد.

كيف تحول الإتباع في معناه الإنساني، من سؤال ذوي الإختصاص الى تقليد ترعاه زعامة روحية ومؤسسة دينية لها طقوسها وأجهزتها المادية المتكاملة؟ الزعامة الروحية لها ما يبررها من إيديولوجيا دينية كانت سائدة في عصر الأئمة المعصومين، ثم انطفأت وزالت مفاعيلها بعد وفاتهم، حتى أحياها الفقهاء الجدد بوصفهم نوابا للإمام الغائب، يتمتعون بشيء من مواصفاته الإلهية، تخولهم التحكم بأمور التابعبن على نحو قد يكون مسبوقا في غُلوائه، لكنه خارجٌ اليومَ عن ديمقراطية العصر وقناعاته. فالنائب “الحاضر” مطلق الصلاحية يتحكم بأمور الجماعة تَحَكُّمَ الأصيل صاحب العصمة. التاريخ السياسي للشيعة الإمامية أيها الصديقان، تاريخ ابتعد سابقا عن السلطة الحاكمة وما زال مبتعدا عنها، ما عزز بالتالي دور الزعامة الروحية في التصدي لقضايا الجماعة خاصة السياسية منها. فقد ملأت الزعامة فراغا تركته السلطة أو تركه الإنعزال التاريخي للشيعة. واقعٌ استدعى تحصين الزعامة الروحية  بمزيد من الإجتهادات لتصبح مسؤولة وبشيء من القداسة على سلامة التكليف. فلا تُقبل الطاعاتُ من غير تقليد وضعوا له قواعد خارج القواعد كالأعلمية التي خلقت تنافسا بين الفقهاء أين منه تنافس السياسيين. لا يُحصي المرء يا صاحبيَّ من هم أعلم منه، ولا يمكن تحديد الأعلم ليس في الدين فقط وإنما في الطبابة والفيزياء والرياضيات وعلوم الفضاء…   لقد أرسى التقليد سلطة يختلط فيها الروحي والإجتماعي والسياسي والإعلامي والمالي الذي تدور حوله الشبهات. فأينما كان المرجع تلحقه الأموال وتتجمع في خزائنه. وقد يُصرف مع الخمس والزكاة على غير ما أراد صاحب المال.

يكون التعلُّمُ دائما أيها الصديقان بمقدار الحاجة. والمعرفة اليوم حاجة ماسة وسلعة بمتناول الجميع. يأخذ الفرد ما شاء منها ومن مصادر متنوعة ومتعارضة. يَشحذ بتنوعها الذهنَ، ويجعله غنيا عن التقليد. فالإستناد في الحياة الى أحكام الغير لا يحتاج إذنا وترخيصا من أحد حتى لو كان الأحد شرعية فقهية. الإختلاف ميزة الفكر الحر، والتقليد كابح قوي له فمهما اختلفت حدوده فإنه لا يخرج عن حدِّ تسليم النفس الى قوة من خارجها، تصبح أولى بها من ذاتها. التقليد تكرارٌ ناقضٌ للفردية والإبداع. فمن يقلد ثابتٌ في جوهره. عصيٌ على التغيير. جامد، سلبي، مرتاح، لا يقبل الزيادة ولا عناء البحث عن الجديد. فمن سلبيات التقليد أن يطغى على خيار الجماعة المقلِّدة في أبسط شؤونها، فعندما يُطلِقُ الوالد إسما على وليده يبقى تحت رحمة التكرار وسحره المتمكن من عقول الطائفة. الإسم كالختان انتماء ديني للجماعة. والوالد على ما يقول الدكتور أحمد بيضون: “يؤدي بهذا الفعل الجليل طقس خضوع بَنَويٍ عميق إذ يعلن أن أباه  لا هو نفسه، هو الدائم وهو القدوة المفترضة على الوليد الذي هو قطعة خارجة من صلبه. إن الوالد يقدم ابنه قربانا تبقى به جذوة الجد مشتعلة… لذا تتناوب الأسماء في مجتمعاتنا: حسين علي حسين علي حسين…” كما تتناوب أسماء الشوارع والمحال التجارية حاملة انتماءها المذهبي.

يبقى في التقليد براغماتية تُريح ضمير العامة، وتُزيح عن كاهلها همَّ إعمال العقل، وعواقبَ الخطأ في التكليف. فالعامة تفعل ما انتهت الزعامة الروحية الى ضرورة فعله، وتترك ما انتهت الى ضرورة تركه، وهي بذلك تضع نتائج عملها السلبي الخارج عن حدود الطاعة على عاتق المرجعية الدينية. أفتى ربيعة الرأي لرجل وتردد أن يتحمل نتائج فتواه، وقد سأله الرجل ذلك، فقال جعفر الصادق وكان حاضرا: (هو في رقبته قال أو لم يقل.) . التقليد يلغي المسؤولية الشخصية عن الفعل، “فكل مفت ضامن”.

ليس أخطر على الحقيقة يا صاحبيَّ من  الخطأ القديم. يقال إن أول من شرّع للتقليد وقال بوجوبه الفقيه الإيراني محمد كاظم اليزدي (1829 ــ 1919 ) وليس أول من خالفه الرأي، المفكر الإسلامي علي شريعتي الذي شبَّه التقليد في كتابه (النباهة والإستحمار) بحكم الكنيسة في القرون الوسطى. وقد دعا لحرية الإعتقاد، فقيمة الإنسان برأيه تكمن في الإختيار وفي حرية اتخاذ القرار. وحده الإختيار الحُرُّ يجعل الناس أحرارا. قال الفقيه السعودي محمد بن صالح العُيَثمين: إن التقليد حرام على العلماء وطلبة العلم لأنهم يعرفون الأدلة والنظر فيها. فلا يجوز لاحد أن يدعي أن حكمه هو حكم الله ورسوله إلا في المسائل المُحكمة. ولمَّا كتب الكاتب بين يدي عمر “هذا ما أرى اللهُ عمرَ بن الخطاب… قال لا تقل ذلك وإنما قل: هذا ما رأى أميرُ المؤمنين عمر”.

مجّد المعتزلة شأن العقل واعتبروا “المعرفة أساس التمايز بين البشر بدلا من العرق والنسب والوراثة وأعطوا للعقل دورا أوليا وسابقا على الشرع”. لقد حاولوا عقلنة الدين، ما أسس لنشوء الفلسفة العربية التي أصبح العقلُ بموجبها مِحْورَ المعرفة، والإنسانُ محورَ الكون. فقال الحسن البصري: “ليس للمستفتي أن يُقلد وعليه ان ينظر ويسأل عن الدليل والعلة، حتى يتضح له الحق… “إنه حَجْرٌ للعقل أن يُلزَمَ المسلمُ تقليدَ مذهب معين في كل الوقائع صغيرة كانت الوقائع أو كبيرة. الحقائق عنيدة وعديدة، ثمينة ونسبية. والطرق إليها تتعدد بتعدد السالكين (ابن عربي). البناء القائم على الحقائق المطلقة، بناء يتعذر معه التسامح، يصاهر دائما البغضاء على ما تقول الأمثال الألمانية. أما البناء القائم على الفلسفة فذو حقائقَ نسبيةٍ تختلف معه الأخيرة من فرد لآخر، ومن جماعة لجماعة. والمجتمع الذي لا يعترف بالتعددية العقائدية والسياسية هو على قول أركون: “مجتمع تنقصه الأنسنة الى حد كبير، لان الإختلاف والتنوع في الرأي والفكر شرط من شروط تحرر الذهن من التحجر والإنغلاق”.

أيها الصديقان العزيزان

تقضي حرية الإعتقاد ومشاعة المعلومات، ثم تنوع الرأي وحرية اتخاذ القرار، أن تقطفا المعلومة أنّى وُجدت، طالما أنتما مقتنعان بصحتها. هذا قطفٌ جريء عابر للمذاهب، قَطَفَ منه صاحُبنا أبو محمد عبده صحيح صلاته وعبر. سلوك يعني اطّراحَ التقليد وتراجعَه بصفته الكابحة لحرية الإنشقاق وللإبداع الفردي، وما يعني أيضا الحد من سلطة الأبنية المذهبية القائمة على احتكار الحقائق الدينية، وبالتالي شجب الدعوة المتشددة للزوم الجماعة، اللزوم الذي يُسَهِّل على المرجعية الروحية، شد العصب الطائفي أو المذهبي كلما دعت الحروب الدينية لشدِّه. سأل أحدُهم مفتيا (غاب عني اسمُه) عن حُكم من يُصَلي على المذهب الشافعي ويقلد ابن عُيَثمين في مسألة النجاسات. أجاب المفتي: صلاتُه صحيحة ما دام يرى صحة الرأي القائل بطهارة الخمر.

يتفتح الإبداع حيث تستوطن الحرية. وهو انشقاق عن “لزوم الجماعة”، كسرٌ للمألوف، وتوقٌ يتعارض مع كل نمطية وتقليد وتكرار. يتجاوز الإبداعُ ما نحن فيه لما هو أبعد منه. إنشاءٌ جديدٌ يضيق بكل قيد، بما فيها قيود المؤسسة الروحية. فلسفة المبدع أيها الصديقان، قلبٌ دائم للطاولة التي يرتاح عليها  المقلِّدون النائمون أوالصّاحون المقيَّدون بالسلاسل. إنهم كائناتٌ متشابهة، نُسخٌ، ولا مِرْية أن العالَم اليومَ غني عن نُسخ الرجال.

في ٢٠ أكتوبر ٢٠١٨، ألمانيا، مكتب السنابل

[ratings]